أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور ادريس شكربة، عضو المكتب المسير للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات وأستاذ الاقتصاد والتدبير بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس والمشرف على بحث المغرب في سنة 2013)، حول العديد من القضايا الهامة المتعلقة بالبحث وخلاصاته ومنهجيته، كما تطرق لعمل المركز وهويته وطبيعة اشتغاله ومشاريعه المستقبلية.

فما يلي نص الحوار:

بداية دكتور شكربة، نود أن نتعرف، وقراء الموقع، على المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات. هويته، رسالته، أهدافه، تركيبته؟

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على النبي الأمين.

أشكر دعوتكم الكريمة واهتمامكم.

المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات) هو مؤسسة بحثية مغربية تم تأسيسها سنة 2013 بموجب ظهير 15 نونبر 1958 كما وقع تغييره خصوصا بظهير 23 يوليوز 2002. ويسعى المركز إلى إثراء النقاش والثقافة وتشجيع البحث العلمي والمساهمة في صناعة القرارات وصياغة السياسات العمومية في المجالات المختلفة من خلال الدراسات والأبحاث الرصدية والاستراتيجية. وهو مؤسسة مستقلة وغير ربحية ومنفتحة على كل الرؤى وحريصة على تعزيز أواصر التعاون مع كل الفاعلين والباحثين.

ويتألف المركز من جمعية عامة تتولى أساسا التصويت على برنامج العمل السنوي للمركز وعلى تقارير التسيير والتدبير المالي؛ وعلى مكتب مسير يتولى تدبير شؤون المركز وعلى فرق وظيفية للبحث وعلى فرق مؤقتة للدراسات.

هل يكتفي المركز بإصدار تقرير سنوي يرصد حالة المغرب في عام أم إن له إصدارات ومجالات اشتغال أخرى؟

مجالات اهتمام المركز واسعة ومتعددة. فإضافة إلى التقرير السنوي حول المغرب، يتولى المركز إعداد دراسات وأبحاث حول قضايا المغرب كمل يصدر نشرات ودوريات وينظم ندوات وأوراش عمل.

“المغرب في سنة 2013” هو التقرير الخامس الذي أصدره المركز. هل ترون أن تقليد “التقرير السنوي” حقق أهدافه وقدم منتوجا أكاديميا علميا يستفيد منه الباحثون والمهتمون ومراكز البحث؟

قبل تأسيس “المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات” بخمس سنوات، انتظم عدد من الخبراء والمهتمين والباحثين الشباب في إطار فرق للبحث تغطي تقريبا كل مجالات الشأن العام، على المستوى السياسي والدستوري والاقتصادي والمالي ومجالات التعليم والثقافة والقضايا الاجتماعية، وأصدروا أول تقرير سنوي شامل حول المغرب سنة 2010، وقد غطى التقرير أحداث سنة 2009.

وبعد خمس سنوات من العمل بروح الفريق وبعد إصدار خمسة تقارير سنوية حول المغرب، تم تأسيس هذا المركز. وقد صادف هذا، الإعداد للنسخة الخامسة للتقرير، أي تقرير “المغرب في سنة 2013”. وقد كان هذا التأسيس تتويجا لسنوات من التجربة والإنتاج العلمي.

وبهذه المقاربة، نحسب أن هذا التقليد حقق أهدافه وقدم للقراء والباحثين والمهتمين بقضايا المغرب مرجعا مهما، حيث عرف هذا المنتوج نقلة نوعية على مستوى الشكل والمضمون. يؤكد هذا مستوى الطلب عليه داخليا وخارجيا.

ولعلم قرائكم، فتقرير “المغرب في سنة 2013” هو عمل بحثي نخضعه لتحكيم علمي صارم، حيث تخضع كل مساهمات الباحثين في المركز للضوابط والتوجهات العلمية والأكاديمية في الموضوع. وهذا ما أكسب التقرير موقعا متميزا داخل أوساط الباحثين.

ما هي طبيعة الصعوبات التي تعترض عملكم في إعداد التقرير؟

هي صعوبات لا تخرج عن نطاق إكراهات البحث العلمي الموضوعي بعيدا عن منطق أعمال البحث “تحت الطلب” والمتحكم في نتائجها. فالبحث العلمي بالمغرب مازال رهانا ممتنعا، وقد أشرنا إلى هذا في التقرير. فضعف المؤسسات المشرفة على المجال ومحدودية المخصصات المالية المرصودة له والعجز عن تحقيق رهان ربطه بالأهداف التنموية هي العناوين الكبرى التي تطبع واقع البحث العلمي بالمغرب.

فمثل هذه التقارير، ينبغي تشجيعها وتشجيع الباحثين على إنجازها. أضف إلى ذلك صعوبات الحصول على المعطيات من بعض مؤسسات الدولة، إما لعدم وجودها أصلا، أو لتأخرها أو لتضاربها إن وجدت.

نلاحظ أن “التقرير السنوي” ينتهج الرصد والتشخيص، هل نتوقع في السنة المقبلة أن ينحو اتجاه التحليل أيضا والاقتراح؟

أردنا أن يكون تقرير “المغرب في سنة” عملا بحثيا يعتمد الرصد والتشخيص، وذلك بغية فهم سليم واستيعاب عميق لقضايا المغرب المختلفة. فالاقتراحات والبدائل لا يمكن أن تكون ناضجة إلا بعد هذا الاستيعاب. وكما أشرت سابقا، تقرير “المغرب في سنة” ليس إلا ورشا من بين أوراش أخرى، نروم من خلالها تطوير أداء المركز بإعداد الدراسات والأبحاث الاستراتيجية والاستشرافية المعتمدة أساسا على قوتنا الاقتراحية.

فيما يخص تقرير “المغرب في سنة 2013” ما هي الخلاصات الكبرى التي توصل إليها؟

بعد تشريح موضوعي لوضع المغرب سنة 2013 في المجالات المختلفة التي قاربها التقرير، خلصنا إلى أن 2013 كانت سنة ارتدادات كبرى بعد النتائج الكارثية التي حققها الاقتصاد الوطني نهاية سنة 2012، وانعكاساتها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي. مما فسر السلوك التراجعي للدولة عن الوعود التي أطلقت وأمل المغاربة في الإصلاح.

قطعتم في مقدمة التقرير أن سنة 2013 لم تختلف عن سابقاتها سوى بتأكيد “المسار التراجعي عن الوعود التي تقدمت بها السلطة الحاكمة إبان الحراك الشعبي لسنة 2011”. كيف توصلتم إلى هذا الحكم؟

تعلمون أن وضع الدولة والمجتمع يحدده ميزان القوى. فكلما كان المجتمع حيا ويقظا وتسري فيه روح المواطنة والوعي بالحق والمسؤولية، كلما كانت إمكانية رضوخ الدولة لعملية الإصلاح الحقيقي كبيرة. وبالمغرب، كان للحراك الشعبي سنة 2011 أثر على صانعي السياسات العمومية، فانحنت الدولة للعاصفة باتخاذ بعض القرارات وإطلاق الوعود. وبعد خفوت الحراك، جاءت سنة 2013 لتبدأ الدولة بالتراجع على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتؤكد مضامين التقرير بالأرقام هذه التراجعات.

أشرتم أيضا إلى أن 2013 شكلت “عام إقرار بالفشل في مجالات عديدة”. ما هي هذه المجالات؟ وأين مكامن الفشل فيها؟

حاول التقرير رصد أربعة مجالات كبرى. ففي المجال السياسي والدستوري، وعلى مستوى الفاعلين، ظلت الملكية متحكمة في الفعل السياسي، وانشغل الجهاز التنفيذي بالأزمة التي عاشتها الأغلبية، واستمر ضعف البرلمان على مستوى الأداء التشريعي والرقابي والدبلوماسية البرلمانية.

أما على مستوى السياسات العمومية، فاستمر منطق التحكم والضبط في ميدان السياسة الأمنية والدينية. كما شهدت هذه السنة بروز خلافات بين وزارة العدل والحريات وجمعية هيآت المحامين بالمغرب حول مشروع وحيثيات إصلاح منظومة العدالة، كما عرفت سنة 2013 قضية العفو الملكي عن المجرم الإسباني “دانيال كالفان” وما ولدته من احتجاج اجتماعي غير مسبوق. أما السياسة الخارجية المغربية، فقد حافظت على الأولويات نفسها، حيث تأخذ قضية الصحراء حيزا كبيرا يهيمن على مختلف الملفات وهذا ما أدى إلى تحجيم فعالية ومردودية هذه السياسة. أما قطاع الدفاع، فما زال بعيدا عن الهامش الحكومي. وشكلت الحكامة والاحتجاجات الاجتماعية والحقوق والحريات أبرز الرهانات.

وفي المجال الاقتصادي والمالي، جاءت سنة 2013 حبلى بالتعثرات الاقتصادية وبالإجراءات الفجائية للحكومة لكبح نزيف المالية العمومية، منها اللجوء للمقايسة الجزئية لأسعار بعض المواد البترولية، والاستدانة المفرطة والهبات وكذا إلغاء 15 مليار درهم من الاستثمارات العمومية في أبريل 2013 ووقف التزامات الاستثمار متم أكتوبر 2013.

قطاعيا، بقي مخطط “المغرب الأخضر” عاجزا عن تلبية حاجيات الاستهلاك الوطني وعن الرفع من الطاقة التصديرية ومرتهنا بالتساقطات المطرية. أما “الميثاق الوطني للانبثاق الصناعي” فقد أظهر اختلالات من قبيل تحريك قطاعي السيارات والطيران بمشغل واحد لكل منهما وضعف دعم وإدماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة الصناعية.

وعلى مستوى تمويل الاقتصاد الوطني، تجاوزت مديونية الخزينة لوحدها 62% من الناتج الداخلي الخام، وعرفت بعض صناديق التقاعد وضعية مالية حرجة.

وفي المجال الاجتماعي، لم يحسّن المغرب من موقعه في سلم التنمية البشرية مع تراجع في مؤشر التنمية المرتبطة بالمرأة والطفل والهشاشة والفقر ووفيات الأمهات الحوامل وارتفاع معدلات الجريمة والبطالة واستهلاك وترويج المخدرات، والخصاص المهول في قطاعات الصحة والسكن. كما استمر انتهاك حقوق المهاجرين.

وفي مجال التعليم، استمر التخبط في مرجعيات القرار التربوي، وتزايدت نسبة الهدر المدرسي، والخصاص في الأطر، وارتفعت نسبة المتمدرسين على حساب الجودة، ولم تعد المدرسة منتجة للقيم ولا حاضنة لها، بل صارت مشتلا لإنتاج مختلف الظواهر السلبية من عنف ومخدرات. دون أن ننسى ضعف الميزانية المرصودة للبحث العلمي والعجز عن رهان ربطه بالأهداف التنموية. ثقافيا، سجلنا استمرار التراجع في القراءة، واستمرار الاستهداف الممنهج للغة العربية بافتعال موضوع الدارجة، وطغيان الطابع الكمي على النوع في المهرجانات الثقافية والفنية مع غياب الشفافية والمحاسبة حول مصادر التمويل والجدوى والنجاعة.

ولكن من يطالع التقرير الذي قدمته وزارة الاتصال عن المغرب والمعنون بـ”العمل الحكومي لسنتي 2012 و2013. الآثار الأولية والآفاق المستقبلية”، والذي قدم في مارس 2014، يجده يقدم صورة مغايرة للتي يقدمها المركز. فما سر هذا التباين الكبير بين التقريرين؟ وما مؤاخذاتكم في المركز على التقرير الرسمي؟

لا مقارنة مع وجود الفارق. ما قدمته الحكومة ليس تقريرا، بل حصيلة رسمية لعملها، وهذا من حقها. فزوايا النظر تختلف باختلاف الجهة المصدرة للتقرير ومدى استقلاليتها وموضوعيتها. فالحكومة قدمت النصف المملوء من الكأس كما يقولون، ولم تكترث للإخفاقات والتعثرات، وهي كثيرة. أما تقرير “المغرب في سنة 2013” فهو صادر عن مركز بحث، يخضع أعماله للضوابط العلمية ويعتمد الأرقام الرسمية نفسها، ويحاول تقديم الكأس كما هو بشطريه. وفي التقرير ما يفيد ذلك.

دعوتم في خاتمة التقرير إلى ضرورة مراجعة شاملة لمنهجية تدبير الشأن العام لتصحيح المسار التنموي والديمقراطي، من أجل وضع المغرب في السكة الصحيحة ليكون في مصاف الدول الصاعدة. كيف يتحقق ذلك؟ وهل تعتقدون أن الإرادة السياسية متوفرة للمضي فيما تقترحون؟

وضع المغرب في السكة الصحيحة كما تقول، ينبغي أن يتم وجوبا عبر الانخراط الشامل في مشروع مجتمعي تحدد معالمه كل القوى الحية في البلاد دون إقصاء أو تهميش، ويقطع مع ماضي الفساد والتحكم والإلحاق. يحدد هذا المشروع أي مغرب نريد وأي موقع نريد في خريطة العالم. وتتجند كل طاقات المجتمع لخدمة أهدافه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تتوفر لزوما الإرادة السياسية الصادقة.

أخيرا، ما هي آفاق عمل المركز؟ وما مشاريعه المستقبلية؟

لهول النقص في مجال البحث والإنتاج العلمي بالمغرب، تبقى آفاق عمل المركز واسعة ورحبة. فالمشروع الذي حدثتك عنه سابقا يتطلب كثيرا من التعبئة الأدبية والنزاهة الفكرية ومزيدا من مراكز التفكير والبحث. ولهذا كان من أهدافنا عند تأسيس المركز، تشجيع التواصل بين الباحثين والمهتمين وتكثيف التواصل مع مراكز الدراسات والأبحاث ذات الاهتمام المشترك. كما نسعى إلى تأسيس مجلة علمية متخصصة نروم من ورائها الوصول إلى أوسع فئات الباحثين والمهتمين وذلك بنشر أبحاثهم ودراساتهم. كما نسعى للحفاظ على هذا التقليد السنوي بإصدار تقرير “المغرب في سنة” وتطويره وترجمته إلى لغات أجنبية، ولإصدار نشرات دورية تهم مجالات الشأن العام. ولتوسيع دائرة التواصل مع جمهور الباحثين والمهتمين، سنعمل خلال الشهور القليلة المقبلة على تأسيس موقع إلكتروني خاص بالمركز.