أسدل الستار في الخامس عشر من ماي الماضي بالرباط على أشغال ما سمي بالحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، وذلك في حفل ختامي جرى إعداده وإخراجه بعناية فائقة ليبعث برسائل محددة إلى من يهمه الأمر. وهكذا، وبعد سنة من العمل نظمت خلالها لجنة اسماعيل العلوي، التي تم تنصيبها في الثالث عشر من مارس من العام 2013، فعاليات في مختلف جهات المغرب حضرها عدد من الفاعلين والمتدخلين في الحقل الجمعوي الوطني ممن وجهت لهم اللجنة الدعوة، وصرفت خلالها حوالي 16 مليون درهم حسب ما صرح به الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني الحبيب الشوباني الوصي على المشروع لأحدى الجرائد الوطنية.

وبالنظر إلى حجم المبالغ التي تمت تعبئتها لهذه التظاهرة من أموال دافعي الضرائب أو باسمه، وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لحقل المجتمع المدني والعمل الجمعوي بالنسبة للمجتمع، فقد كان لزاما علينا مناقشة ما تمخضت عنه من نتائج وما أسفرت عنه من توصيات ينتظر أن تشكل الإطار العام للسياسة العمومية المتعلقة بالمجتمع المدني. وهذا المقال الذي نصوغه في شكل تعليقات مختصرة مساهمة أولية في هذا السياق.

توضيحات في بداية المناقشة

تأسيسا للتواصل مع القارئ الكريم على أساس من الوضوح والمسؤولية، أود قبل الشروع في عرض تعليقاتي على مضمون التقرير أن أشير لأربعة نقاط أساسية كما يلي:

1. بداية أنوه إلى أن تسمية لجنة الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية بلجنة اسماعيل العلوي ليس له من هدف إلا تمييزها عن اللجنة التي ترأسها السيدة نادية البرنوصي، والتي تشتغل على إعداد تصور حول المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي المنصوص عليه في دستور 2011.

2. ثانيا: أنوه، أيضا، إلى أن عبارة: “في الميزان” الواردة في عنوان هذه السلسلة، نوظفها لنؤكد من خلالها أن تعاطينا مع الموضوع نريد له أن يكون متسما بالتوازن في التعاطي مع التوصيات؛ حيث لن نتردد في التنويه بكل ما وجدناه -ضمنها- إيجابيا، كما أننا لن نتوانى في انتقاد ما يتعين انتقاده.

3. في النقطة الثالثة، لا يفوتنا أن نشير أننا -في هذه السلسلة- سنقصر تحليلنا على المحورين الثاني والثالث من الفصل الثاني من التقرير المتعلقين بالتوصيات، دون غيرهما من محاور التقرير؛ وذلك لأنها تشكل لب هذه الوثيقة، وخلاصة ما تفتق عنه عمل اللجنة؛ خاصة وأنه لا يمكننا أن نعيد النقاش فيما مضى ما دام أن اللجنة اختارت أن تشرك من شاءت وتقصي من شاءت دون أن تجد نفسها ملزمة بتعليل قراراتها التأسيسية.

4. تتوزع توصيات اللجنة على محورين: الأول بعنوان التوصيات، وفيه تطرق التقرير لتلك التوصيات المتعلقة بأحكام الدستور والتوصيات المتعلقة بالحياة الجمعوية بالإضافة إلى تلك المتعلقة بالميثاق الوطني للديمقراطية التشاركية؛ أما المحور الثاني، والذي يحمل عنوان: التوصيات الختامية، فقد خصص لعرض التوصيات المتعلقة بقضايا: المناصفة، مغاربة الخارج، التطوع، العلاقة مع الجماعات الترابية، والجامعة والبحث العلمي.

أولا: ملاحظات على توصيات اللجنة المتعلقة بأحكام الدستور

تتوزع التوصيات المتعلقة بأحكام الدستور على ثلاث أرضيات. وفيما يلي، نقدم تعقيبنا على مضمونها:

تقديم الملتمسات التشريعية: عمومية تفقد المقترح جدواه!!!

تؤكد اللجنة فيما يتعلق بتقديم الملتمسات أن الدستور في الفصل 14 منه لا يمنع الجمعيات من ممارسة هذا الحق باعتبارها -في شخص مكاتبها- يمكن أن تشكل لجنة الملتمس المطلوب إحداثها لمتابعة مسطرة هذا الإجراء. وإذا كنا نسجل بإيجابية فتح المجال أمام امكانية تمويل مبادرات تقديم الملتمسات في إطار المسطرة المتبعة في تمويل الجمعيات، فإننا في المقابل نسجل، بالنسبة لمجمل التوصية، ما يلي:

أ‌- إن عدم اعتماد صيغة تلزم صراحة السلطات المعنية -والتي ينبغي تحديدها- وذلك وفق إجراءات محددة ومضبوطة وواضحة، بتمويل مبادرات تقديم الملتمسات من شأنه أن يفتح المجال أمام تكرار سيناريو الممارسات التمييزية المعهودة، والتي اعترف بها التقرير نفسه.

ب‌- إن عدم إلزام المؤسسة التشريعية بتبرير رفضها لتبني الملتمسات، وعدم الزامها بعرض الملتمس للتصويت من أجل المناقشة في حالة عدم تبني أي من أعضائها له من جهة، واقتراح عدم إمكانية الطعن في قرار الرفض أمام أية جهة قضائية خاصة في حالة عدم مروره بالتصويت من جهة ثانية؛ قد يجعل من عملية تقديم الملتمسات في كثير من الأحيان عملية فارغة من المضمون وهدرا للمال العام ولجهود الجمعيات والمواطنين. ولا نكون مبالغين أو متحاملين إن نظرنا لما تم اقتراحه في هذا الصدد على أنه ينبأ عن عقلية تحكمية تتهيب من “جرأة” المجتمع المدني.

تقنين تقديم العرائض وسياسة وضع العصا في العجلة!

بشأن مقترحات اللجنة فيما يرتبط بالمسطرة الخاصة بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية، أكتفي بإيراد الملاحظتين التالتين؛ وهما كافيتين تعليقا في هذا الشأن:

أول هاتين الملاحظتين، اللتين استوقفتاني وأنا أدقق فيما أوردته اللجنة في هذه التوصية، هي غياب أية صلة مباشرة لمضمون هذه الفقرة بالمجتمع المدني والعمل الجمعوي؛ فالعريضة كما هي منصوص عليها في الدستور هي حق لكل مواطن بغض النظر عن كونه عضوا في تنظيم جمعوي أم لا، كما أن اللجنة لم تنح في شأن العريضة المنحى الذي سلكته في شأن الملتمس عندما اقترحت ما أسمته لجنة الملتمس، بل أكثر من ذلك أكدت اللجنة في ختام التوصية -خلافا لما هو مطلوب ومتوقع منها أن تفعل- أن الأرضية القانونية المتعلقة بالعرائض لم تتطرق للفصل 136 من الدستور تحت مبرر أن ذلك ستتم معالجته في القانون التنظيمي المتعلق بالجهوية المتقدمة. وهنا، نتساءل ما الذي جعل اللجنة تحجم عن تقديم اقتراح في موضوع سيكون موضوع قانون تنظيمي عندما تعلق الأمر بالفصل 136 بينما لم تتبع المسلك ذاته في موضوع الملتمس التشريعي الذي هو أيضا موضوع قانون تنظيمي؟

وتتعلق ثاني الملاحظتين بتأكيد اللجنة في مقترحاتها في هذه التوصية والتي قبلها، على ضرورة اعتماد مسطرة تصحيح الإمضاءات لدى السلطات المختصة. والتأكيد على هذا الإجراء يثير التساؤل عن ماهية الضرورة التي تستلزمه مادام أن اللجنة ذاتها لا ترتب أية آثار تستوجبه على الجهات التي يتقدم لها المواطنون بالملتمسات أو العرائض ماعدا تقديم جواب في حالة العريضة؛ فإذا لم يكن ذلك من باب وضع العصا في العجلة بالنظر للصعوبة التي يخلقها، فما الذي يبرره؟

مأسسة للتشاور العمومي أم سياسة لاحتواء المجتمع المدني؟

إن أول ما استوقفني -وأنا أمحص في اقتراحات اللجنة في موضوع مأسسة التشاور العمومي- هو تمسك اللجنة وتفضيلها لعبارة “التشاور العمومي” عوضا عن عبارة أو صيغة أخرى تحيل مباشرة وبقوة لإرادة “الإشراك” الفعلي للمجتمع المدني في رسم وتقييم السياسات العمومية، ما دام أن الهدف المعلن هو تفعيل الديمقراطية التشاركية.

إن هذه الروح التي تركز على مجرد التشاور، بما هو مجرد انصات للمطالب، مترسخة في مقترحات اللجنة في هذا الصدد. وفي إطار التأكيد على هذا، تشدد اللجنة في توصياتها على أن الهدف من آليات التشاور هو تمكين السلطات العمومية من الإنصات والتواصل وتبادل المعلومات مع المواطنين. وهذا يوحي بأن مقصود اللجنة من الديمقراطية التشاركية هو مجرد الانصات وليس الإشراك الفعلي للمواطنين والمجتمع المدني في القرار العمومي على أساس من تقاسم حقيقي للمعرفة والسلطة والمسؤولية.

وثاني ملاحظة أسجلها بهذا الخصوص تتمثل في وجود توجه نحو احتواء المجتمع المدني والانتقال به من موقع القوة الاقتراحية القائمة على استراتيجية الضغط على السلطات العمومية من خلال التعبير عن مطالب ومصالح الفئات التي تمثلها مؤسساته، إلى موقع المتعاون المعني بالمساهمة في تخفيف الضغط على السلطات من خلال تقليص كلفة القرار الحكومي. وفيما يلي بعضا مما يؤكد هذا التوجه:

أ‌- تعقيبا على الأهداف المقترحة للتشاور العمومي، أكدت اللجنة أن التشاور العمومي ينبغي أن يندرج ضمن منظومة أخلاقية وقانونية (؟)، حتى يتسنى له أن يؤدي وظيفته باعتباره آلية تشاركية (بمفهوم اللجنة للديمقراطية التشاركية كما وضحنا أعلاه) تساهم في تقليص كلفة القرار الحكومي، وتمده بالشرعية اللازمة. فعن أية شرعية أخرى غير شرعية التسويغ تطلبها المؤسسات المفترض فيها أنها منتخبة ديمقراطيا؟

ب‌- ضمن جملة المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها التشاور العمومي، تشدد اللجنة على مبدإ التكامل بوصفه يساهم في استبعاد النزعة الخلافية والتنازعية التي تطبع أحيانا التفاعل بين المنظمات المدنية وبعض مؤسسات الدولة). فهل تريد اللجنة أن يتحول المجتمع المدني إلى موقع المتماهي مع السياسات الحكومية، المدافع عنها؟ إن وظيفة المجتمع المدني نقدية بالأساس وإذا تخلى عن هذه الوظيفة فقد معناه وأصبح أداة في يد الدولة.

ت‌- فيما يخص هيئات التشاور العمومي الجهوية والمحلية، دعت اللجنة المؤسسات العمومية لتحفيز وتشجيع خلق مجالس الأحياء واللجان المحلية للإعلام واليقظة وذلك بالموازاة مع تعزيز آليات التشاور العمومي المدنية والمواطنة، والتي يقصد بها -حسب تعريف اللجنة- مجموع الآليات والتنظيمات التي يؤسسها المواطنون والمواطنات وجمعيات المجتمع المدني والفاعلون الاجتماعيون، من أجل تأطير وتنظيم مشاركتهم في السياسات والقرارات العمومية… فما الذي يستدعي تدخل السلطات العمومية في خلق مجالس الأحياء واللجان المحلية ما دام أن هناك مجتمعا مدنيا قائما على المبادرة الحرة ويمكن أن يضطلع بهذه المهمة في استقلالية عن المؤسسات الرسمية؟ وأي منتوج ينتظر أن يسفر عنه تدخل المؤسسة الرسمية في مجال قوامه المبادرة الحرة والاستقلالية عن الفاعل الرسمي؟

كانت هذه أهم ملاحظاتي وتعليقاتي على ما أوردته اللجنة من مقترحات وتوصيات تحت عنوان التوصيات المتعلقة بأحكام الدستور). وفي المقالة المقبلة، سأقف، إن شاء الله، عند ما أوصت به ذات اللجنة في تقريرها بشأن الحياة الجمعوية.