بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

بيان

عقد مجلس الشورى لجماعة العدل والإحسان دورته العادية الخامسة عشرة يومي السبت والأحد 23 و24 شعبان 1435 الموافق لـ21 و22 يونيو 2014 تحت أنوار قول ربنا سبحانه وتعالى: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم الآية 35، سورة الشورى.

وتدارس الإخوة والأخوات أعضاء مجلس الشورى في دورتهم هذه قضايا مرتبطة بالشأن العام داخليا وخارجيا، وقضايا تخص سير الجماعة تربويا ودعويا وسياسيا وتنظيميا. كل ذلك من خلال المحاور الرئيسة التالية:

– تقرير عام عن سير الجماعة خلال السنة الفاصلة بين الدورة السابقة والدورة الحالية في مجالات مختلفة.

– تعديلات في بعض القوانين الداخلية.

– “الربيع العربي” ومتطلبات المرحلة.

وحرص الإخوة والأخوات أعضاء المجلس على أن تمر الدورة كسابقاتها في أجواء إيمانية ربانية من ذكرٍ لله وتلاوة لكتابه العزيز وقيام بين يدي الرب الكريم ودعاء البر الرحيم لأنفسهم وشعبهم وأمتهم، واستحضار ودعاء للإمام المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله على ما قدم وربى وعلم وأنار الطريق، كل ذلك استشعارا وتأكيدا على أن الشورى دين من الدين، وأن الدين إسلام وإيمان وإحسان وتقرب وتحبب للملك الوهاب.

وكانت للسيد الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي كلمة في مستهل أشغال المجلس حول شعار الدورة: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم، أوضح من خلالها أن هذا الشعار استمرار لمعاني الوفاء الذي كان شعار الدورة السابقة، ذلك أن الاستجابة بمفهومها القرآني وفاء وتلبية للنداء الإلهي. وبعد التدقيق في متطلبات الشورى القلبية والعملية والسلوكية إن على المستوى الفردي أو الجماعي، وقف السيد الأمين العام عند عوائق تنزيل الشورى متمثلة في الاستبداد نظاما للحكم، وفي المعاصي والإثم ظاهره وباطنه سلوكا في حياة الأفراد، من هنا تصدرت إقامة الصلاة شروط الشورى باعتبارها عنوانا لإقامة الدين وعاملا لتحرير الإرادة واستجماعا لعناصر النصر والتمكين.

وتطرقت الدورة إلى الهبّة التي عرفتها شعوب المنطقة خلال السنوات الثلاث الأخيرة والتي اصطلح عليها “بالربيع العربي”، وما آلت إليه هذه الصحوة، وما اعتراها من صعوبات وإكراهات، وأخطاء، وما أفرزته من قضايا شائكة، ومتطلبات المرحلة، والمآلات الممكنة، سواء على المستوى الداخلي في المغرب وعلى مستوى عالمنا الإسلامي.

ويعلن المجلس على المستوى الداخلي ما يلي:

1. لا إصلاح على الإطلاق مع استمرار الاستبداد والفساد، ونذكر هنا بما قلناه عند انتهاء اللعبة القديمة الجديدة لعبة المراجعات الدستورية ووصولها إلى “دستور غامض جدا ومفتوح على كل التأويلات، بل سيفتح على أخطر التأويلات يوم يشعر الاستبداد أن العاصفة مرت”، وهذا ما أصبح جليا الآن من هيمنة مطلقة على دستور الالتفاف.

2. لا ” إصلاحات” اقتصادية على حساب الاستقرار الاجتماعي، وإنها لجريمة كبرى أن يجازى المعتدون الناهبون مرتين وتعاقب الطبقات الشعبية مرتين: فلا مساءلة ولا محاسبة لمن كانوا السبب المباشر والفاعل في ما آلت إليه الأوضاع، ومن قوت الشعب وعرقه تؤدى فواتير النهب والفساد! وهذا ما حذرنا ونحذر منه كل من يراهن على التغيير من داخل مؤسسات شكلية لا دور لها غير إضفاء الشرعية على الاستبداد.

3. لا يغترن أحد بهذا “الاستقرار” وهذا “السكون” فالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية وسوء تربية وتعليم هذه الملايين من الشباب، واستمرار الاعتقال السياسي وتوظيف القضاء وتعنيف المعطلين والاحتجاجات الاجتماعية السلمية، وقمع الأصوات الحرة، قنابل تهدد البلد في أية لحظة، وما نموذج “الاستقرار” و”الإصلاحات الاقتصادية” التي كانت مضرب الأمثال عنا ببعيد، فمن كان يتخيل أن يسقط النظام المخابراتي التونسي بتلك السرعة رغم الدعم غير المشروط الذي كان يتلقاه من المحيط الدولي والإقليمي. وإن الله لا يصلح عمل المفسدين.

4. لا يفوتنا في هذا السياق أن ندين الهجمة الشرسة الممنهجة للمخزن المغربي على الجماعة وأعضائها: عمر محب في السجن ظلما، والبيوت مشمعة، والجمعيات محظورة، والاعتكافات بالمساجد ممنوعة، واستهداف بمحاكمات صورية: الأستاذ الشاعر منير الركراكي، وتضييق لم يسلم منه حتى الفن والفنانون: الأستاذ رشيد غلام…

5. لا سبيل للخروج من وضعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي المفتوح على أسوإ الاحتمالات إلا بالحوار، اليوم وغدا، الحوار الصادق بين كل الشرفاء بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية، وإن مصالح الشعب ومستقبل البلد أكبر بما لا يقاس من منافسات انتخابية أو مقاعد برلمانية أو كراسي وزارية.

وعلى المستوى الخارجي يسجل المجلس ما يلي:

1. استبشارنا بمسار المصالحة بين الأشقاء الفلسطينيين مع التحذير من النزغ والمكر الذي يتهدد هذه المصالحة والتنبيه إلى خطورة مسلسل الاستيطان والتهويد الذي استغل المظلة الدولية وتواطؤ الأنظمة وانشغال الشعوب بقضاياها المحلية، ليمضي في محاولة الاستفراد بالشعب الفلسطيني والتمكين للمشروع الصهيوني في فلسطين وفي المنطقة برمتها، وتهديد المسجد الأقصى ربما بشكل غير مسبوق.

2. إكبارنا وتقديرنا لصمود الأوفياء الرافضين للانقلاب في مصر الشقيقة، وإشادتنا باستمرارهم في التدافع السلمي رغم جرائم واستفزازات ومكر النظام الانقلابي الذي يوظف كل ما تحت يده من مال وإعلام وقضاء ليجرهم إلى العنف، فهنيئا للصامدين بهذا الثبات كل هذه المدة، وإنه إن شاء الله لرصيد لهم وللأمة جميعا.

3. إدانتنا القوية للتدخل الدولي والإقليمي السافر في دول الحراك والثورة الشعبيين عموما، وخصوصا تلاعبهم بالثورة السورية التي اتخذت منها الأنظمة المهترئة “وسائل إيضاح” مكرا واندساسا وتحريفا لوقف نهضة الشعوب وإرهابها من استمرار هبتها وتخويفا لها من أن يؤول أمرها إلى ما آلت إليه التجربة السورية.

4. شجبنا لتحويل الصراع في ذلك الجزء من عالمنا الإسلامي من منافسة بين دول ذات مصالح متناقضة ولاء وسياسة واقتصادا إلى صراع طائفي ومذهبي يذكرنا بأسوإ ما في تاريخنا من استغلال الحكام الظلمة للعاطفة المذهبية والتغطية على استبدادهم وجرائمهم بالطائفية والمذهبية المقيتتين.

5. يقيننا الكامل وظننا الحسن بربنا سبحانه وبشعوبنا المستضعفة أن الزمان لا يرجع إلى الوراء، وأن إعادة بناء عالمنا الإسلامي برمته لن يكون إن شاء الله وأذن ويسَّر إلا بأيدي الشعوب متى عرفت كيف تتجاوز مهالك الاختلاف.

إن الذي أنعم على الأمة بهذه الهبة، ورفع عنها غمة الخنوع وأسقط حاجز الخوف من القلوب قادر سبحانه على أن يتم عليها النعمة بصبح العزة والحرية والعدل والكرامة. وسنة التدافع بين الحق والباطل من سنن الله تعالى، وكتب سبحانه أن مآل هذا التدافع هو نصر الله جل وعلا للمستضعفين متى استكملوا شروطه أخذا بكل الأسباب وفهما لمتطلبات المرحلة.

وختاما، ونحن على أبواب شهر رمضان المعظم، يتوجه المجلس إلى الإخوة والأخوات في جماعة العدل والإحسان وإلى الشعب المغربي والأمة جمعاء بالتهنئة الخالصة بإقبال شهر الغفران، سائلين الكريم سبحانه أن يرفع فيه هممنا وأن يستعملنا في طاعته ودعوته، و أن يفتح لبلدنا وسائر بلدان المسلمين أبواب الرحمة وأن يحقن دماءها وأن يوحد صفوفها وجهودها. آمين والحمد لله رب العالمين.

مجلس شورى جماعة العدل والإحسان

الأحد 24 شعبان 1435 الموافق 22 يونيو 2014