هل يؤسس تصريح رئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان وهو يعترف بلغة دبلوماسية بمسؤولية الدولة في إزهاق أرواح متظاهرين مسالمين لعهد جديد يضطلع فيه بواجبه حماية لحقوق الناس من تعسف الدولة؟ وأي سياق تحكّم في “صحوة” ضمير المجلس المتأخرة؟ وما دلالة تزامن تمكين معتقلي 6 أبريل من الإفراج المؤقت بهذا التصريح؟

وبالعودة إلى موضوع التصريح، لماذا تردد المجلس حوالي ثلاث سنوات ونصف لـ”لإفـراج” عن خلاصات تقريره في نازلة اغتيال الشهيد كمال عماري الذي تعرض يوم 29 ماي 2011 لقمع مفرط من طرف عناصر من جهاز الأمن المعروف بالصقور، قبل أن يلفظ أنفاسه متأثرا بوحشية الاعتداء يوم 02 يونيو 2011؟ وهل المجلس مستعد لاستكمال المساطر وتقديم الجناة للمحاكمة أو على الأقل تحديد المسؤولين أجهزة أو أشخاصا، كشفا للحقيقة، وجبرا لمشاعر الأهالي وتطمينا للمجتمع على أرواح أفراده وتنزيلا للشعار/السراب “دولة الحق والقانون”؟

لقد عودنا النظام على أسلوب المناورة والمراوغة، فلما استشعر حساسية مرحلة انتقال الحكم في تسعينيات القرن الماضي، خلال السنوات الأخيرة من حكم الملك الحسن الثاني رحمه الله، سارع لترضية معارضة اليسار مقابل انخراطها في حكومة التناوب ضمانا لانتقال سلس للسلطة، فجيء بالأستاذ عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أولا عقب استحقاقات خريف 1997، وتقوية لموقفه بين الرفاق صُرفت تعويضات من خزينة الدولة ومال الشعب لضحايا تعسفت عليهم الماكينة المخزنية، في إطار ما سمي: المصالحة والإنصاف، حتى إذا أرسى “العهد الجديد” قواعده، تنكر للمعارضة اليسارية، واختار إدريس جطو وزيرا أولا غداة استحقاقات 2002.

هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الحقوقي، وعوض التأسيس لعهد جديد حقيقي يقطع مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الناس وتحديد المسؤولين على ما طال فئات واسعة من أبناء الشعب من تعسف سلطوي جائر ومساءلتهم وتوفير آليات حقيقية لمراقبة حقوق الانسان، أقنع المناضل الحقوقي الراحل إدريس بنزكري الرفاق بأكذوبة أن الدولة قدمت ضمانات بعدم العودة للانتهاكات، وأن هذا أكبر دلالة وأبلغ أثرا من متابعة المتورطين في النيل من كرامة الانسان المغربي تأسيسا لمصالحة وطنية. غير أنه، وبمجرد ما انتهى النظام من عملية التحميل والتثبيت لمنظومته التحكمية وأحس أنه بسط هيمنته على المشهد السياسي، عاد لأسلوب الانتهاكات مستثمرا أحداث 16 ماي 2003 الأليمة، فزُج بالآلاف في المعتقلات، وعقدت محاكمات أعادت للذاكرة ممارسات سنوات الرصاص، وصدرت أحكام ثقيلة في إطار قانون الإرهاب… انتهاكات اعترف النظام وعلى أعلى مستوى بحدوثها، دون أن تترجم إجراءاتٍ تصحيحية إنصافا لضحايا المقاربة الأمنية.

ولأن الطبع غلاب، لم يتوانَ النظام في تسليط أجهزته الأمنية تارة، وفي توريط القضاء أخرى لإخماد جذوة الحراك الشعبي، فحُصدت أرواح في مواقع متعددة: صفرو، الحسيمة، تازة، أسفي، آسا، وتمسك النظام بنفس لغته الخشبية والهروب إلى الأمام متنكرا لما تقترفه آلته الأمنية من خروقات جسيمة، حتى إذا استشعر خطر هذا الملف، سارع مجلسه الوطني لحقوق الانسان لـ”صناعة” الحدث معترفا بمسؤولية الدولة في إزهاق الأرواح وتعنيف المحتجين السلميين.

لا علينا، ها هي الدولة تعترف أنها أذنبت في حق أبناء الشعب، فماذا بعد؟ هل يفسر هذا الاعتراف مرة أخرى، بأنه ضمانات جدية لطي صفحة ماضي الانتهاكات؟ هل الاعتراف عنوان توبة أجهزة “رُبيت” وتدربت على إهانة المواطن وإذلاله نيلا من كرامته؟

أعتقد أن التصريح بدبلوماسيته وسياقه سيبقى شكليا يُكسب المجلس المتهم في حياديته واستقلاليته عن النظام الشرعية، ولن يكون له كبير أثر في الواقع السياسي والحقوقي ما لم يترجم قراراتٍ جريئة تحدد المسؤولين المباشرين وغير المباشرين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في “العهد الجديد” تحديدا. وعليه، على المجلس وبالتعاون مع مكونات النسيج الحقوقي الوطني التحقيق في ضحايا 20 فبراير في صفرو والحسيمة وتازة قبل أسفي وآسا، كما يجب التحقيق في ملفات التضييق على حريات من يعتبرهم النظام خارج عباءته. وفي هذا السياق، أليس معيبا في دولة ترفع شعار “دولة الحق والقانون” أن يمنع أعضاء في هيئة من الحق في ممارسة العمل الجمعوي، ولو تعلق الأمر بجمعية أمهات وآباء تلاميذ في مدشر أو قرية نائية؟ أليس معيبا أن يمنع فنان الراب معاد الحاقد من ندوة صحفية لتقديم جديده الفني؟ أليس معيبا أن “تئد” أجهزة الدولة نشاطا لتقديم الأستاذ مبارك الموساوي كتابا في العمل النقابي في فضاء أحد فنادق مراكش المصنفة بدعوى انتمائه للعدل والإحسان؟ أليست قمة الاستخفاف بالمواثيق الدولية أن تصدر أم الوزارات مذكرة إلى الولاة والعُمال تستحثهم لعرقلة أنشطة جماعة العدل والإحسان وعدم تسليم وصلات جمعيات يُشمُّ ـ مجرد يُشمُّ ـ في انتماء أحد أعضاء مكاتبها للجماعة؟ وما رأي المجلس الوطني لحقوق الانسان في مصادرة البيوت من أصحابها ـ بيت الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي بمدينة وجدة نموذجا ـ دون حكم قضائي أو حتى قرار إداري؟ ولائحة الانتهاكات أطول من أن تحصى.

في كلمة واحدة، التصريح ذر للرماد في العيون التفافا على ملف حقوقي سارت بخروقاته الركبان، وإحراجا للجهاز التنفيذي في شخص قيادة الائتلاف الحكومي، ولو بأثر رجعي تدليلا على فشله في مواجهة الفساد الذي شكل قطب رحى برنامجه الانتخابي.

التصريح حركة التفافية جديدة حتى يثبت العكس، وإذا كانت شروط التوبة الإيمانية تعتبر من باب المعلوم من الدين بالضرورة؛ فإنها في المجال السياسي أوضح وأعرف، إذ لا تأسيس للإصلاح والمصالحة إلا باستيفائها كاملة غير منقوصة متجلية في:

ـ اعتراف الدولة بمسؤوليتها عما اقترفت في حق الشعب من انتهاكات، وما هدرت من فرص للتنمية والندم على ما فات. وإنما الأعمال بالنيات.

ـ اعتذار الدولة للشعب دون لف أو دوران، ومن خلال أعلى مستوى، اعتبارا أنما طال الشعب من تعسف وإذلال ما كان ليقع خارج دائرة تعليماته بطريقة أو أخرى، وإلا سنكون أمام دولة تتشاكس تماسيحها وعفاريتها وتتصارع.

ـ ردّ المظالم إلى أهلها مما جُمع واكتنز من مال الشعب كسبا غير مشروع أو استفادة من ريع، وليس من خزينة الدولة فيعاقب الشعب مرتين. ردّ المظالم شرط لصحة التوبة، جبرا للضرر المعنوي، وتفاديا لنزعات الانتقام، وحفاظا على اللحمة الوطنية.

ـ عدم العود إلى ما فات من ممارسات وانتهاكات بناءً لمؤسسات رسمية ومدنية مستقلة في قراراتها ووسائل عملها، وتأهيلا لأجهزة وإدارة مواطنة تُكبر المواطن وتتفانى في خدمته.

وإلى أن يبادر النظام عمليا لا شكليا لتوبة نصوح، سيبقى شبح كابوس الرعب جاثما على الصدور، رعب يتملك المواطن ويُشعره أنه في حالة سراح مؤقت، يقينا منه أن السلطة تملك كل الأدوات للزج به في غياهب السجون وإلباسه تهما على المقاس.