المحور الثالث: تعريف الخلافة وحكمها

1– تعريف الخلافة

الخلافة لغة هي ما يجئ من بعد، وتأتي بمعنى النيابة عن الغير كما في الآية الكريمة: اخلفني في قومي 1 . خلف فلان فلاناً، إذا كان خليفته، خلف في قومه خلافة، ويقال: خلفت فلاناً، خلف تخليفاً، واستخلفته أنا جعلته خليفتي، والخلافة: الإمارة، واستخلف فلان فلاناً جعله خليفة)، والأمانة هي الخليفة، وإنه الخليفة بين الخلافة والخليفة) 2 .

قال المفسر الخطيب الشربيني: الخليفة من يخلف غيره، وينوب عنه، وهو يشمل مطلق الإنسان، سواء كان نبياً أم غيره، لأنه مستخلف لله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه، عن قبول فيضه، وتلقى امره، بغير وسيط، والأخير هو الداعي لبعث الأنبياء والرُسل، وهو الذي يميزهم عن بقية جنسهم) 3 .

وقد سمي من يخلف رسول الله في إجراء الأحكام الشرعية خليفة.

وأما الخلافة اصطلاحا، فقد جاءت في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام، جاءت بمعان إيجابية ترفع قدر الإنسان وتبين وظيفته الأساسية التي خلق من أجلها، ألا وهي عبادة الله تعالى في الأرض وعمارتها بما يرضيه سبحانه، ويحقق السعادة الدنيوية والأخروية للإنسان.

القسم الأول: استخلاف عام للإنسان الذي تحمل مسؤولية العمارة في الأرض لتميزه عن باقي المخلوقات، قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا 4 . وقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون 5 .

القسم الثاني: استخلاف فئة من الناس تتميز بخصائص معينة، تحمل أمانة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون 6 ويقول سبحانه: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهمسورة النور، الآية 55..

القسم الثالث: استخلاف رجل مصطفى مميز، له مميزات خاصة، جامع بين القوة القرآنية والأمانة، يقود أمته نحو الخير، يقول الله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله 7 .

والخلافة في الحديث النبوي الشريف، هي الفترة التي تلت فترة النبوة، وحكم فيها الصحابة الأربعة، ودامت ثلاثين سنة، وسميت بالخلافة الراشدة الأولى، وانتهت باستشهاد سيدنا علي رضي الله عنه؛ فلا يجوز شرعا إطلاق تسمية الخلافة إلا على هذه الفترة، أما بعدها فيعتبر “ملكا” حسب البيان النبوي الشريف، يقول صلى الله عليه وسلم: “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا” 8 ، وتدل أيضا على الخلافة الثانية التي تأتي بعد زماننا هذا المتصف بالملك الجبري.

طالع أيضا  الخلافة والملك (1)

ظهر هذا المصطلح مباشرة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، وإدراك الصحابة الكرام حاجتهم لقائد يلي أمور الأمة الإسلامية الفتية، واجتماعهم في “مجلس وطني تأسيسي” لاختيار خليفة، بشكل “ديموقراطي” وأخوي، بالرغم من نشوء خلافات حادة كادت تعصف بالدولة الوليدة، لولا لطف الله الوهاب، وفطنة الصديق وسلامة صدور ونيات الصحابة الكرام ؛ لتظهر معاني الأخوة الإيمانية في أجلى معانيها، ويتنازل الأنصار الكرام، المشبعين بالتربية الإيمانية النبوية عن منصب الخلافة، ويتم اختيار أول خليفة في الإسلام، وتعقد له بيعة خاصة في ذلك “البرلمان المصغر”، لتتلوه بيعة عامة في مسجد رسول الهه صلى الله عليه وسلم، ويعطى له لقب “الخليفة”.

وقد أطلق لقب “الخليفة” على الحاكم الذي أتى بعد رسول الله صلى عليه وسلم، فالخلافة بهذا المعنى هي خلافة للنبوة، ونسجا على منوالها، واحتكاما لسيرتها ومنهاجها، فهي خلافة على منهاج النبوة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمى الحكم الراشد بعد النبوة بالخلافة، وما بعده ملكا، فليس المقصود التسمية أو الشكل بل أكبر من ذلك، وهو انتماء هذا النظام السياسي إلى المنهاج النبوي) 9 .

2- أهمية الخلافة الإسلامية وحكمها

الخلافة الإسلامية هي نظام حكم في الإسلام يتميز عن الأنظمة السياسية الأخرى، بكونه يشمل مهمتين أساسيتين: إقامة أحكام الشريعة الإسلامية، والقيام بواجب الدعوة إلى العالمين أولا، وثانيا، مراعاة مصالح الناس الدنيوية والحفاظ عليها، يقول عالم الاجتماع السياسي النابغة ابن خلدون: والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) 10 ؛ وهي واجبة متى تحققت شروط قيامها، وبانت قواعد بنائها وتأسيسها، فهي تنبت في بيئة قوامها العدل والشورى والبيعة والسمع والطاعة في المعروف .

طالع أيضا  الخلافة والملك (2)

وقد اتفق العلماء، متقدمهم ومتأخرهم، على وجوب نصب الإمام/الخليفة، وحددوا شروطه ومهامه، إذ أن الأمر جد ليس بالهزل، فلا يستقيم أمر الإسلامية إلا بقائد يجمع كلمتها، ويوحد صفها، ويمشي فيها بمنهاج رسول الله صلى عليه وسلم؛ ومن أقوال العلماء المأثورة، قول ابن تيمية رضي الله عنه: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم” رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة… ولأنّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة) 11 وقال الشيخ الطاهر بن عاشور: فإقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة بلغت مبلغ التواتر المعنوي. (…) ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله، فكان من أبوابه الإمامة. قال إمام الحرمين “أبو المعالي الجويني” في الإرشاد: الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد، والخطر على من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصلا من أصول الدين) 12 .

يذكر الإمام عبد السلام ياسين بعض غايات إقام نظام الخلافة، ويعدد ما يلي:

1 – في ميدان الحكم الداخلي استبدال الحكم المستبد بالشورى، وفي ميدان السياسة الدولية بروز قوة مستقلة عن الجاهلية، مصيرها بيدها. تقرر ما ينفعها وينفع الناس. وتستطيع تنفيذا ما تقرر.

2 – الخلافة تعني ممارسة حق إلهي؛ حق الأمة المستخلفة في الأرض. لتفعل ماذا؟ الخلافة وسيلة غايتها أن يعبد الله في الأرض.

طالع أيضا  الخلافة والملك (2)

3 – يعني قيام الخلافة الإسلامية واستقلالها بالقرار، وقدرتها على التنفيذ التحرر الاقتصادي، ومن ثم العسكري والسياسي لثلثي سكان العالم، وهم المستضعفون 13 .

ثم يلخص الإمام معنى الخلافة و يخلص إلى معناها وجوهرها، ويقدم معنى جامعا لها، ويقول: والانتقال من الملك الجبري إلى الخلافة إنما محكه العدل في القسمة. محكه إنصاف المستضعفين. محكه جمع المال العام بحق، وصرفه بحق. وأين هذا من الفساد العام للمتسلطين المستكبرين في الأرض؟ أين هذا من جشعهم؟ أين هذا من أموال المسلمين التي يبذرها جبابرتنا تبذيرا فظيعا يتعذب به ضمير كل حر، ويندى له جبين المروءة؟) 14 .


[1] سورة الأعراف، آية 142.\
[2] لسان العرب لابن منظور 4 ج، ص 183.\
[3] تفسير السراج المنير، ج 1، ص 43.\
[4] سورة الإسراء، الآية 70.\
[5] سورة البقرة، الآية 30.\
[6] سورة آل عمران، الآية 104.\
[7] سورة ص، الآية 26.\
[8] رواه الإمام احمد في مسنده والإمام الترمذي في سننه.\
[9] عبد الله المومني، موقع الإمام عبد السلام ياسين.\
[10] المقدمة ص 338.\
[11] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية للإمام ابن تيمية، ص 165.\
[12] الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 207 .\
[13] المنهاج النبوي، ص 399 وما بعدها.\
[14] نفس المرجع، ص 402.\