خصصت هيئة تحرير موقع الجماعة نت حوار الشهر) الثاني للاستماع إلى واحد من أبرز الوجوه الحقوقية في المغرب وأحد أعمدة اليسار، فكان اللقاء مع الأستاذ الفاضل عبد الرحمن بن عمرو، الحقوقي المعروف والكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، للنقاش والحوار وتقليب النظر في موضوع المشهد السياسي والحقوقي بالمغرب والأسئلة الملحة).

الحوار، الذي أسهم فيه القراء من خلال أسئلتهم، كان صريحا وواضحا، فبنية النظام السياسي المغربي لا تمت إلى الديمقراطية بصلة، والعديد من سياساته واختياراته تكرس الاستبداد والفساد، وواقعه الحقوقي مليء بالخروقات والتعسفات، ولا مستقبل للقوى الديمقراطية والإسلامية والوطنية إلا عن طريق تشكيل جبهة وطنية واسعة للنضال الديمقراطي.

في حوار الشهر) أيضا حديث عن اليسار ورؤيته للمجتمع والدولة، ومساءلة لحقيقة إيمانه بالديمقراطية بعد الذي حدث في مصر وسوريا، واستشراف لمستقبل المغرب.

تلك أهم قضايا الحوار. فإلى نصه:

المشهد الحقوقي واستمرار النزيف

أستاذ بن عمر حياك الله. لنبدأ هذا الحوار من آخر حدث حقوقي، إذ تم تكليفك من أجل الترافع للدفاع عن جمعية “حرية الآن-لجنة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب” نيابة عنها ضد تعسف السلطات الإدارية المحلية بالرباط، ومنعها من استكمال إجراءات وجودها القانوني. كيف تقرأ هذا السلوك السلطوي؟

إن رفض السلطة المحلية بالرباط تسلم ملف التصريح بتأسيس جمعية “الحرية الآن-لجنة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب” له عدة دلالات من بينها: المس بسيادة القانون، سواء على مستوى الدستور، أو على مستوى القانون المطبق له.

فالدستور، ينص في مادته السادسة على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، ملزمون بالامتثال له…

وقانون تأسيس الجمعيات (ظهير 15/ 11/ 1958) ينص في مادته الثانية على جواز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 5. وبالرغم من كون الجمعية احترمت مقتضيات الفصل 5 المشار إليه حيث تقدمت بملف التصريح بالتأسيس مرفقا بالمستندات المطلوبة، فإن ولاية جهة الرباط سلا زمور زعير رفضت تسلمه الأمر الذي يعتبر خرقا للقانون، وقرارا ضمنيا برفض التأسيس.

إن القانون ينص في العديد من مقتضياته، على أن قرارات الإدارة يجب أن تكون مكتوبة ومعللة، من الناحية القانونية والواقعية، في حين رفض تسلم ملف التأسيس من قبل السلطة ثم شفاهيا وبدون أي تعليل…

ينص الدستور على ضمان حرية الرأي والتعبير بجميع أشكاله، (الفصل 25 من الدستور)، ومن بين قنوات تصريف حرية الرأي والتعبير: الجمعيات، وتبعا لهذا المعطى فإن عرقلة أو منع تأسيس الجمعيات يعتبر مسا بحرية الرأي والتعبير.

ويضمن الدستور (الفصل 29) الحق في تأسيس الجمعيات، وإن عرقلة أو منع تأسيس الجمعية المعنية يعتبر خرقا لهذه الضمانة.

وينص الدستور، في تصديره “على أن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا…”. ومن المعلوم أن العديد من المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية وهو العهد الذي صادق عليه المغرب) تنص على الحق في حرية الرأي والتعبير والعقيدة وعلى الحق في تأسيس الجمعيات والانتماء إليها، وتبعا لما ذكر، فإن عرقلة أو منع الجمعية المعنية (الحرية الآن…) من التأسيس يعتبر خرقا للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وعدم وفاء المغرب بما التزم به دوليا…

هل يعكس هذا الحدث هيمنة عقل أمني مستحكم في بنية الحكم يضغط دوما على حقوق الأفراد والجماعات خاصة المعارضة منها أم إنه حادث عارض في ظل سلطة حريصة على الحقوق والحريات؟

نعم إن بنية الحكم كانت ومازالت ترفض الانسجام مع متطلبات احترام الدستور والقانون، ومبادئ حقوق الإنسان. ويتجلى عدم الانسجام في خرق الضمانات الدستورية والقانونية، رغم محدوديتها من الناحية النظرية.

وإذا كان الحكم، يضطر، في ظروف معينة وأزمنة معينة وتحت ضغوط شعبية ودولية، إلى الزيادة في بعض الضمانات الدستورية والقانونية وإلى التغيير في بعض الوجوه والمسؤوليات والأساليب، فإن استمرار خرقه لتلك الضمانات، بدون أن يترتب عن هذا الخرق أية محاسبة أو مساءلة أو معاقبة، يكشف بالملموس على استمرار طبيعته الاستبدادية…

ما يعضد السؤال أعلاه الحكم الصادر قبل أيام بالسجن النافذ ضد شباب 20 فبراير بالدار البيضاء (ما بات يعرف بملف 6 أبريل) واعتقال ومتابعة مغني الراب المعارض معاذ الحاقد، واستمرار اعتقال مصطفى الحسناوي المحكوم بـ4 سنوات سجنا، ومواصلة الضغط على الإعلامي علي أنوزلا من خلال محاكمته التي ما تزال جارية أمام القضاء، ومنع عشرات الجمعيات التي ينشط بها أعضاء العدل والإحسان… كيف ترى وتتابع وتعايش هذا المشهد الحقوقي القاتم؟

بالفعل فإن ما سقتموه من أمثلة وأشباهها كثير، لدليل على استمرار النظام، عبر أجهزته الأمنية والسلطوية والاستخبارية وأحيانا القضائية، في خرق القانون ومبادئ حقوق الإنسان، وفي حماية من يخرقه، إذا كان هذا الأخير من المسؤولين الكبار في الأجهزة المذكورة سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ…

بل إن المسؤولين في الأجهزة المذكورة قد يصبحون محل مراقبة أو مضايقة أو محاسبة أو عقاب، مادي أو أدبي، وذلك عندما يرفضون تنفيذ التعليمات الموجهة إليهم باعتبارها منافية للقانون أو تمس باستقلال القضاء والأمثلة كثيرة في هذا الخصوص ونموذجها بعض القضاة الذين تعرضوا للعزل أو تجميد الترقية أو الإحالة على المجالس التأديبية، وذلك كله ليس بسبب ارتكاب أخطاء مقصودة أو أفعال يجرمها القانون، وإنما فقط بسبب دفاعهم عن سيادة القانون وفضحهم لأساليب المساس باستقلال القضاء أو دفاعهم عن استقلالهم في مهامهم القضائية…

دائما في الشأن الحقوقي يعاني المشهد الجمعوي، وهو جزء من المشهد الحقوقي، خروقات قانونية تتمثل في رفض السلطات تسلم ملفات الجمعيات (فمثلا في طانطان يوجد أكثر من ثمان جمعيات رفضت السلطات تسلم ملفاتها بل وشجعت على تزوير المحاضر لتغيير العناصر التي لا ترغب السلطات في وجودها)، وبالتالي السلطة في هذه الحالة هي من يخرق القانون بحجة وجود تعليمات فوقية. ما جدوى وجود ترسانة من القوانين اذا لم تكن السلطات مجبرة على احترامها، ومراقبة من طرف الجمعيات الحقوقية ومساءلتها قانونيا؟

ما قلناه بشأن الجواب عن السؤال الأول المتعلق برفض السلطة المحلية بالرباط تسلم ملف التصريح بتأسيس جمعية: “الحرية الآن…” نقوله، بالنسبة لرفض تسلم ملفات التصريح بتأسيس الجمعيات في مناطق متفرقة من المغرب، مع إضافة ما يلي:

إن رفض ملفات التأسيس للجمعيات يعتبر مساسا بحقوق وطنية يضمنها الدستور، والاعتداء على الحقوق الوطنية يعتبر فعلا يجرمه القانون، فالفصل 225 من القانون الجنائي ينص على أن كل قاض أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يأمر أو يباشر بنفسه عملا تحكميا، ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية.)لكن إذا ثبت أنه تصرف بناء على أمر صادر من رؤسائه في مادة تدخل في نطاق اختصاصهم ويوجب عليهم طاعتهم، فإنه يتمتع بعذر معف من العقاب، وفي هذه الحالة تطبق العقوبة على الرئيس الذي أصدر الأمر وحده).

وتبعا لما ذكر فإن عقوبة التجريد من الحقوق الوطنية تنصب على الموظف الذي رفض تسليم ملف التصريح بالناس، لكن إذا ثبت هذا الأخير بأن ما قام به إنما كان تنفيذا لتعليمات من رئيسه (وزير الداخلية– الوالي–العامل–الباشا–القائد) فإن الرئيس هو الذي ينصب عليه العقاب.

والسؤال الجوهري المطروح هو لماذا لم يطبق هذا العقاب رغم أن جريمة رفض تسلم ملفات تأسيس الجمعيات وغيرها من الجرائم الماسة بحقوق الإنسان وبالدستور وبالقانون كانت ومازالت تتكرر منذ العديد من السنين، بدون أن يطالها أي بحث أو تحقيق أو محاسبة أو مؤاخذة أو متابعة أو عقاب، الأمر الذي يدفع مرتكبيها، وغيرهم من المسؤولين في الأجهزة الأمنية والسلطوية إلى الاستمرار في تكرارها أو بعبارة أخرى: من المسؤول عن إفلات هؤلاء الموظفين الكبار من العقاب؟ في الوقت الذي يستمر فيه تعرض مناضلي حقوق الإنسان والمنظمات السياسية والنقابية للمتابعة والمعاقبة لأتفه الأسباب ولفبركة الملفات؟

إن المسؤول عن ذلك ليس فقط هم مرتكبو الجرائم المذكورة وشركاؤهم وإنما أيضا:

النيابة العامة التي أوجب عليها القانون البحث في الجرائم وعن مرتكبيها بمجرد علمها بارتكابها، سواء كان هذا العلم وصل إليها عن طريق الشكايات أو الوشايات أو الصحف أو المطبوعات والبيانات أو غير ذلك من الطرق، ومع ذلك لا تقوم بواجبها في هذا الخصوص…

والحكومة التي نص الفصل 89 من الدستور على أنها “تعمل على ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات…”، ومع ذلك لا تحرك ساكنا إزاء السلطات المحلية التي ترفض تسلم الملفات، وإزاء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي ترتكب العديد من الخروقات والجرائم…

والبرلمان: الذي رغم ما يخوله له الدستور، في نطاق تكوين لجن التقصي، التحقيق في وقائع معينة (الفصل 67 د)، الحق في استعمال مجلس النواب لملتمس الرقابة (105 د) وحق مجلس المستشارين في مساءلة الحكومة، بسبب أي خرق من الخروقات. ورغم أنه فإنه حدثت ولا تزال تحدث انتهاكات خطيرة، فإن كلـي المجلسين لا يشكلان بشأنها لجان التقصي، ولا يسائلان بشأنها الحكومة، سواء عن طريق ملتمس الرقابة أو عن طريق ملتمس المساءلة…

الواقع السياسي ودعوى الاستثناء

لا يفتأ الخطاب السياسي الرسمي عن الحديث المستمر أن المغرب يشكل استثناءً في التجربة الديمقراطية والاستقرار خاصة في المنطقة العربية. هل تشاطرون النظام هذا الرأي؟

لا نشاطر الخطاب السياسي الرسمي الذي يدعي بأن المغرب يشكل استثناء في التجربة الديمقراطية والاستقرار، خاصة في المنطقة العربية، لا نشاطره في هذا الخطاب لعدة أسباب من بينها:

لأن المغرب كان ومازال لم يحقق الديمقراطية الحقة، سواء من الناحية النظرية أو من الناحية الفعلية (الممارسة والتطبيق).

فالديمقراطية، تقتضي من بين ما تقتضي:

وجود دستور ديمقراطي في إعداده وفي محتواه وهذا ما لم يتحقق حتى الآن، فالدستور الديمقراطي يتم إعداده عن طريق هيئة وطنية منتخبة من قبل المواطنين أو على الأقل، متوافق عليها، وطنيا من قبل المنظمات التي ناضلت وضحّت من أجل تشييد الديمقراطية، وهذا ما لم يتحقق، سواء بالنسبة للدساتير السابقة، أو للدستور الحالي (دستور 2011) الذي أعدت مسودة مشروعه لجنة معينة من طرف الملك.

وعلى مستوى محتوى الدستور الديمقراطي، فإن من متطلبات الديمقراطية فيه، أن تكون الاختيارات الواردة به معبرة عن الرغبات الحقيقية للشعب، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى الفصل بين السلط، وعلى استقلال حقيقي للقضاء. وقد بقي الدستور الحالي، كسابقيه، تنقصه العديد من متطلبات الديمقراطية التي من بينها: الشعب هو مصدر جميع السلطات. والتوزيع العادل للثروة. وتأمين الضمان الاجتماعي عن جميع آفات الحياة. وضمان الشغل لجميع المؤهلين له والتعويض عن البطالة… والتعليم الجيد والمجاني في جميع مراحله والمستجيب لمقومات وهوية الشعب المغربي النبيلة.

وفيما يخص الفصل بين السلط، فإن المؤسسة الملكية، في الدستور الحالي، وكسابقيه، لازالت تهيمن على الحقل التشريعي والسياسي والاقتصادي والديني والعسكري والأمني والقضائي…

وفيما يخص القضاء، فإن الدستور الحالي لازال يشتمل على العديد من الثغرات التي تسمح بالمساس باستقلال القضاء…

كما أنه من متطلبات الديمقراطية وجود ضمانات نظرية وفعلية تضمن انتخابات عامة، تشريعية ومحلية ومهنية، حرة ونزيهة في توزيع المقاعد والأصوات، وتقتضي الديمقراطية، أن تكون الحكومة منبثقة في تشكيلتها من صناديق الاقتراع الأمر الذي لم يتحقق سواء في الحكومة الحالية أو في التي سبقتها، إذ يتم إغراقها، أو بنسبة كبيرة منها من التكنوقراط الذين قد لا يشارك بعضهم في الانتخابات أو ينجح فيها بكيفية مستقلة، أو لا ينتمي لأي حزب أو ينتمون لأحزاب مصطنعة. هذا بالإضافة إلى وزارات السيادة التي لا أساس لها في الدستور، وإلى حكومة الظل التي لا أسا لها في الدستور كذلك.

وتقتضي الديمقراطية، سيادة القانون وهذا ما لم يتحقق في المغرب حتى الآن.

وتقتضي الديمقراطية، استقلال حقيقي للقضاء، وهذا ما لم يتحقق كذلك حتى الآن…

وهذا ما لم يتحقق حتى الآن رغم، أن التدخل في العمليات الانتخابية، على مستوى التصويت وإعلان النتائج، لم يعد مباشرا وظاهرا كما كان الأمر عليه من قبل، وإنما أصبح يتم، بوسائل وأساليب جديدة غير ظاهرة ولكن مؤثرة على إرادة الناخبين، هذا مع الاحتفاظ ببعض الأساليب القديمة غير المشروعة (التلاعب في اللوائح الانتخابية، عدم قبول التصويت ببطاقة التعريف الوطنية، إشراف لجنة وطنية، استعمال المال والأعيان، تيئيس الشعب وخاصة الشباب، بوسائل مخطط لها، من التسجيل في اللوائح ومن المشاركة في التصويت حتى يظل الميدان فارغا لحلفاء الحكم، والأحزاب الإدارية والأعيان المنتمين إليها، وسماسرة الانتخابات) وذلك كله من أجل تقرير مصير نتائجها في نطاق مخططات الحكم .

وتقتضي الديمقراطية عدم الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وهذا ما لم يتحقق لغاية تاريخه.

وأما فيما يخص مسألة الاستقرار في المغرب، فإنه: من ناحية فإن الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا: بضمان التعليم المجاني والجيد والهادف للجميع… والعلاج الجيد للجميع، والسكن اللائق للجميع، والشغل المناسب للجميع، والضمان الاجتماعي للجميع… وبصفة عامة، ضمان العيش الكريم للجميع…

المشهد السياسي القائم اليوم في المغرب جاء بعد “الالتفاف الكبير” الذي مارسه النظام على مطالب الشارع المغربي التي رفعتها حركة 20 فبراير وهي العدالة والحرية والكرامة، التفاف جسده “دستور ممنوح” يقول المعارضون و”انتخابات موجهة” أنتجت “حكومة محكومة” يضيفون. كيف استطاع النظام أن يفوت المغاربة فرصة دخول “زمن الربيع” والتأسيس لتغيير حقيقي وانتقال ديمقراطي؟

لقد استطاع النظام أن يفوت على المغاربة فرصة دخول “زمن الربيع” والتأسيس لتغيير حقيقي وانتقال ديمقراطي لعدة أسباب من بينها:

– استعمال بعض الوعود البراقة (تشكيل لجنة لمراجعة شاملة للدستور على أسس معينة، ومناداة جميع المنظمات لتقديم اقتراحاتهم لهذه اللجنة المعينة من طرفه).

– عزل حركة 20 فبراير عن أية مساندة واسعة سواء من قبل الجماهير أو من قبل المنظمات السياسية والنقابية وذلك بوسائل متنوعة من بينها: محاربتها من قبل الأحزاب الإدارية المحسوبة على الحكم، وتحييد بعض الأحزاب السياسية المحسوبة على الصف أو الوطني أو اليساري من أجل عدم مساندتها.

– الاستجابة لبعض المطالب النقابية الأمر الذي نتج عنه عدم مساندة النقابات، بما فيها المركزيات، للحركة وعدم الانخراط فيها.

– استعمال القمع في محاربة الحركة (اعتقالات – استعمال ما أطلق عليه بالبلطجية…)

– عدم انضمام العمال والطلبة (ككتلة) وعموم الكادحين، والمعطلين (ككتلة) إلى الحركة…

ورغم أن الحركة تمت مساندتها من قبل الأحزاب اليسارية المناضلة وبعض القوى الوطنية المخلصة، على مستوى البيانات وانخراط مناضليها فيها، ومن طرف الطبقة الوسطى الديمقراطية، إلا أنه: من ناحية، فإن مساندة الأحزاب اليسارية المناضلة ظل محدودا… ومن ناحية أخرى، فإن مساهمة الطبقة الوسطى في الحركة أخذ يتراجع على إثر خطاب 9 مارس 2011 الملكي وإجراء الانتخابات التشريعية قبل أوانها في 25 نونبر 2011… ويضاف إلى التراجع المذكور انسحاب مناضلي جماعة العدل والإحسان. ومن ناحية ثالثة: هناك بعض التداعيات السلبية التي عرفتها الحركات الجماهرية في كل من مصر وليبيا، بعد القضاء على رموز النظام السابق في كل من الدولتين وكذلك التطورات المأساوية التي عرفها الاقتتال في سوريا، بين فرق المعارضة والنظام من جهة، وبين الفرق المعارضة ذاتها من جهة أخرى…

ويمكن القول، بصفة عامة، أن حركة 20 فبراير، في أوجها، الذي وصل، على المستوى الجغرافي، إلى أكثر من 51 مدينة وقرية، وعلى المستوى الحجمي وصل، في بعض المدن إلى أكثر من 70 ألف مشارك في المسيرات فإنها (الحركة) لم تصل إلى مستوى حجم وديناميكية ما وصلت إليه الحركات التي أسقطت رموز النظام في كل من تونس واليمن ومصر وليبيا.

وبهذه المناسبة يجب التنبيه إلى شيئين:

الأول: أن عوامل وأسباب ظهور حركة 20 فبراير، سواء في جوانبها السياسية والاقتصادية، أو في جوانبها الاجتماعية والحقوقية لا زالت قائمة، وتبعا لذلك فإن عودة هذه الحركة للظهور والتوسع والصعود لازالت قائمة.

والثاني: إن حركة 20 فبراير لم تكن هي الوحيدة في الساحة النضالية، فبجانبها كانت ومازالت وستبقى حركات اجتماعية أخرى لها مطالب فئوية تتعلق بالشغل والتعليم والصحة والسكن والأسعار والأمن وغير ذلك من المطالب المشروعة.

إن قوة أية نظام، لا تتجلى في تواجده في السلطة وبقائه بأي شكل من الأشكال فيها، وإنما قوته في أن يتواجد في السلطة وفي بقائه فيها بإرادة من الشعب وبرضاء من الشعب وهي إرادة ورضاء لا يمكن أن تتحقق وتستمر إلا إذا كان النظام مستجيبا للرغبات الحقيقية للشعب ولحاجياته الأساسية، المادية والمعنوية، وفي مقدمتها الديمقراطية الحقة، في شموليتها السياسية والاقتصادية والمدنية والاجتماعية والثقافية، الديمقراطية، كما هي متعارف عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وفي الدول الديمقراطية والتي محورها الأساسي هو أن الشعب يجب أن يكون هو مصدر جميع السلطات والاختيارات.

وضعف النظام السياسي في المغرب هو أن بنيته وتوجيهاته واختياراته وتصرفاته لا تمت إلى الديمقراطية بصلة، وإنما تعرقل، بكيفية مباشرة وغير مباشرة، الوصول إلى تحقيق الديمقراطية…

العالمون بطبيعة النظم وآليات تحكمها يقولون أن النظام المغربي يتسم بالمرونة والقدرة على التأقلم مع الأوضاع الجديدة؛ فيمنح هوامش من الحرية الحقوقية والإعلامية والممارسة السياسية دون أن يتنازل عن جوهره الاستبدادي. كيف يشتغل النظام وفق منطق “الاستبداد الناعم”؟ وكيف يمكن استخراج ممارساته الاستبدادية رغم “تحايلاته الماكرة” التي يتخفّى وراءها؟

كل المواصفات التي نسبتموها للنظام في سؤالكم حقيقية، والجواب الجوهري المطروح هو كيف نكشف ونثبت للجماهير استمرار جوهر النظام الاستبدادي رغم وعوده البراقة وتنازلاته الظاهرة في أوقات الأزمات، ثم تراجعه عن هذه التنازلات النسبية عند تجاوزه لتلك الأزمات السياسية والاجتماعية، عن طريق التحايل والتفرقة والوعود ومنح الامتيازات؟

إن الكشف عن طبيعة النظام الاستبدادية والمخادعة يتم بفضح وتعرية وإثبات:

– مواقفه التراجعية وممارساته السلطوية والتذكير بحقيقة الدساتير الممنوحة من قبله على مستوى إعدادها ومحتواها وما تمنحه، للمؤسسة الملكية، من صلاحيات واسعة أشرنا إليها.

– وبحقيقة الانتخابات التي يخطط لها، والتي تكون نتائجها دائما لصالح الأحزاب التي يصنعها.

– وبخرقه للمقتضيات الدستورية والقانونية من قبل أجهزته الأمنية والاستخباراتية.

– وباستيلاء النظام المخزني على جميع مقدرات الشعب الاقتصادية والمالية والسياسية وذلك بدون حسيب ولا رقيب.

وبكون جميع تلك التجاوزات، وأمثالها كثير في ميدان الفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بقيت، مع بعض الاستثناءات التي لا يعتد بها، بعيدة عن أية محاسبة أو مؤاخذة أو عقاب، وظل القضاء، غير المستقل وغير النزيه، عاجزا عن حماية الحقوق والحريات والأمن والأمان وتحقيق العدل والعدالة.

فكيف تستطيع القوى المعارضة للنظام مواجهة هذه الألاعيب؟ وما آلياتها الناجعة في ذلك؟

إن وضع حد للتجاوزات والألاعيب التي كان ومازال يمارسها النظام، يكون عن طريق تشكيل جبهة وطنية واسعة للنضال الديمقراطي:

جبهة تتشكل من التنظيمات والمنظمات التي تبث إخلاصها للديمقراطية في شموليتها، سواء على مستوى المبادئ والأهداف والأدبيات أو على مستوى المواقف والممارسات والمواجهات والفضح والتضحيات…

جبهة تناضل من أجل تحقيق دستور ديمقراطي في إعداده وفي محتواه.

جبهة تتصدى، بالقول والفعل، للفساد والاستبداد وخرق القانون والمساس باستقلال القضاء.

وبصفة عامة جبهة تكافح من أجل تحقيق دولة الحق والقانون والعيش الكريم.

اليسار والحوار والديمقراطية

باعتباركم كاتبا وطنيا لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، هل لحزب الطليعة رؤية مستقبلية بشأن التقارب والتفاهم مع الإسلاميين؟

إن حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي كان ومازال مستعدا للحوار والتعاون والكفاح المشترك، من أجل بناء الديمقراطية الحقة مع جميع التنظيمات السياسية والنقابية والاجتماعية وذلك بغض النظر عن وجهة نظرها المذهبية، ولكن بشرط أن تكون مؤمنة، نظريا وممارسة، بالديمقراطية بأبعادها الإنسانية، وبمتطلباتها على مستوى التوعية بمزايا الديمقراطية والتعبئة للنضال من أجل تحقيقها ومواجهة وفضح خصومها…

بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة تقاربا بين قوى اليسار والقوى الإسلامية بالمغرب عبر مجموعة من المنتديات واللقاءات الحوارية، إلى أي مدى يمكن أن تقرّب هذه اللقاءات من وجهات النظر بين الطرفين؟ وهل يمكن أن نقول بأن الظروف قد توافرت للحديث عن جبهة موحدة لمواجهة الفساد والاستبداد؟

إن الفساد والاستبداد لا يمكنهما، بأي حال من الأحوال التعايش مع الديمقراطية الحقة، وإنما هما على العكس من ذلك ينتجان وينموان في أحضان أنظمة التسلط والديكتاتورية..

وتبعا لما ذكر فسيكون من أولويات مهام الجبهة الوطنية الواسعة للنضال من أجل تحقيق الديمقراطية، هو محاربة الفساد والاستبداد…

سجل كثيرون أن الربيع العربي أحرج العلمانيين والحداثيين حينما تحالفوا مع العسكر والدولة العميقة فقط لأن لهم خلافا سياسيا مع الإسلاميين. لماذا انحاز “دعاة الديمقراطية” إلى “أعداء الديمقراطية”؟

إن الأحزاب اليسارية الديمقراطية المناضلة، وضمنها، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، كانت ومازالت تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ومحور المصير السياسي هو الديمقراطية التي تعني في جوهرها كون الشعب هو مصدر جميع السلطات والاختيارات.

وتبعا للتأكيد المذكور، فإن تنظيمات ومنظمات اليسار المناضل ساندت انتفاضات الجماهير المطالبة بالديمقراطية في كل من تونس ومصر وسوريا واليمن، لكن الإمبريالية الغربية وحليفتها الرجعية العربية، المعادية للديمقراطية، دخلت على الخط، لتحويل تلك الانتفاضات عن مسارها الديمقراطي من ناحية، وإسقاط النظام السوري من ناحية أخرى. وتحويل الانتفاضات العربية عن مسارها الديمقراطي والحيلولة دون نجاح هذا المسار يجد سببه في كون نجاح المسار الديمقراطي، في دول الانتفاضات، يعني اتساعه ليشمل دول الجوار الرجعية التي كانت وما زالت أنظمتها تعيش مقومات وصفات أنظمة القرون الوسطى.

ودوافع إسقاط النظام السوري لا تحركها طبيعته الدكتاتورية ولا ممارسته اللاديمقراطية مع شعبه ولا الرغبة في إقامة بديل ديمقراطي له، وإنما لأنه: لا يخضع للتوجيهات الأمريكية والغربية من ناحية… ويعتبر من دول الممانعة للصلح مع إسرائيل، ومن المدعمين، سياسيا وتسليحيا، لحزب الله، والمتحالفين مع النظام الإيراني من ناحية أخرى.

ولأن إسقاط النظام السوري، يعني: إنهاء حزب الله، العدو اللدود لإسرائيل والذي حقق انتصارات عسكرية عليها عجزت العديد من الجيوش العربية الرسمية عن تحقيقها في معاركها مع الكيان الصهيوني من جهة، وإضعاف النظام الإيراني فتحييده فإسقاطه من جهة أخرى لأنه النظام المتحالف مع سوريا والمساند لحزب الله، والساعي إلى ملكية قدرات نووية وعسكرية قد تغير من موازين القوى في الشرق العربي لغير صالح إسرائيل، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.

إن النظرة المذكورة نحو الانتفاضة الجماهيرية السورية وتداعياتها وفي علاقتها مع مفهوم الديمقراطية من ناحية، ومع مخططات ومؤامرات الإمبريالية والرجعية العربية من جهة أخرى، هو الذي كون موقف اليسار المناضل، وضمنه حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حيث أعلن مرارا وتكرارا، مساندته للشعب السوري في انتفاضته لتحقيق الديمقراطية وفضحه وإدانته لتدخلات الإمبريالية الغربية والرجعية العربية، بالتسليح والتمويل وإرسال المتطوعين، وذلك لتحريف الانتفاضة عن مسارها الديمقراطي وإسقاط النظام السوري، وإقامة نظام ديني رجعي مكانه…

ونفس الموقف كان من الثورة الليبية ضد نظام القدافي الاستبدادي، وهي الثورة التي تدخل فيها الحلف الأطلسي، بالمساندة المسلحة المباشرة، لينهي النظام القائم ويسلمه إلى فرق دينية مسلحة يسعى كل واحد منها إلى إقامة دويلة خاصة به لا علاقة لها بالديمقراطية، وذلك كله من أجل أن يتكرر في سوريا وليبيا ما سبق أن حدث في العراق بعد إسقاط نظام صدام الحسين بها (تفتيت الوطن وإضعافه وإحداث الاقتتال والتفرقة بين مكوناته)…

أما في جمهورية مصر العربية، فلم يسبق لليسار المناضل أن ساند حكم العسكر بها سواء في عهد حسين مبارك أو في عهد عبد الفتاح السيسي، وما حصل أنه بعد إسقاط نظام حسني مبارك، ووصول جماعة الإخوان المسلمين إلى أغلبية انتخابية بمجلس الشعب وإلى رئاسة الجمهورية، في شخص محمد مرسي، تنكرت نظريا وموقفا وممارسة للعديد من المبادئ والمطالب التي ساهمت جميع مكونات الانتفاضة، بمختلف توجهاتها، في النضال من أجل تحقيقها بعد إسقاط نظام مبارك، الأمر الذي نتج عنه قيام ثورة جماهيرية تصحيحية جديدة ساندتها العديد من القوى الديمقراطية داخل مصر وخارجها، وهي الثورة التي استغلها العسكر من أجل العودة إلى السلطة أو ترسيخ وجودهم بها…

إذا اعتبرنا أن الإسلاميين أخطأوا في ممارسات معينة، ولكن هل يبرر ذلك الارتماء الكامل للعلمانيين في أحضان العسكر، إننا نشهد عودة كاملة للدولة العسكرية في مصر وصناعة تامة للديكتاتور وكل ذلك جرى ويجري بتبرير “الديمقراطيين”؟

بطبيعة الحال، فإن أخطاء الإسلاميين في مصر، عند وصولهم إلى السلطة، لا تبرر التنكر لمبادئ الديمقراطية ولا مساندة خصومها أو مساندة من يصل إلى السلطة عن غير طريق الوسائل الديمقراطية المتعارف عليها عالميا في المواثيق الدولية بحقوق الإنسان…

وتبعا لما ذكر فإن أية ممارسات لا ديمقراطية في عهد السيسي، وأي تجاهل من قبله لمطالب الشعب المصري في العيش الكريم، لا بد وأن ينتج عنه قيام ثورة تصحيحية ثانية ستلقى كل التأييد من طرف قوى اليسار المناضل… وجميع الديمقراطيين…

ما تصوّر اليسار لطبيعة المجتمع والعلاقات التي يلزم أن تنظم أفراده، ولطبيعة الدولة ومؤسساتها؟

إن اليسار الحقيقي هو اليسار الذي يناضل ويضحي من أجل تحقيق مجتمع الديمقراطية والاشتراكية:

الديمقراطية التي تعني، في جوهرها كون الشعب هو مصدر جميع السلطات والاختيارات التي يقررها ويمارسها بواسطة ممثليه الحقيقيين المنتخبين انتخابا حرا ونزيها…

والاشتراكية: التي تعني التوزيع العادل للثروة…

وكلا الهدفين المذكورين لا يمكن أن يتحققا إلا في ظل دستور ديمقراطي في إعداده وفي محتواه، ومؤسسات منتخبة انتخابا حرا ونزيها وحكومة تفرزها صناديق الاقتراع…

ماهي السناريوهات المستقبلية الممكنة في المغرب، وكيف يمكن الفكاك من الاستبداد والفساد؟

إن السناريوهات المستقبلية الممكنة في المغرب، هي اتساع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتصاعد الحركات الاجتماعية المناهضة للحكم وعودة حركة 20 فبراير إلى الانبعاث والصعود، والاتجاه إلى تشكيل جبهة مواطنة واسعة للنضال من أجل تحقيق الديمقراطية الحقة ومناهضة الفساد والاستبداد…