أصدر المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات) تقريره السنوي لعام 2013 المغرب في سنة 2013)، ليقدم فريق الرصد والتشخيص الذي يتجاوز 50 باحثا صورة عن الواقع المغربي خلال السنة المنصرمة.

التقرير، الذي أشرف عليه الدكتور إدريس شكربة، توزّع، بعد التقديم الذي ينفرد موقعه الجماعة نت بنشره اليوم، على أربعة أبواب، تنقسم بدورها إلى فروع عديدة حرصا على تغطية الجوانب المختلفة لـ”مغرب 2013″.

خُصّص الباب الأول لـالمجال السياسي والدستوري)، وتطرق لثلاث محاور رئيسية : الفاعلون، والسياسات، والرهانات. أما الباب الثاني فتطرّق لـالمجال الاقتصادي والمالي)، عرج على: الوضع الاقتصادي العام، والأداء القطاعي، وتمويل الاقتصاد. الباب الثالث ركزّ على المجال الاجتماعي)، فشرّح: قطاع الصحة، ووضعية الشؤون الاجتماعية. في حين شخّص الباب الرابع مجال التعليم والثقافة)، من خلال: التعليم، والمشهد الثقافي.

ونظرا لأهمية التقرير وقيمته البحثية والعلمية، وبعد أن نشر الموقع خبر تقديم التقرير، ينشر “الجماعة نت” المقدمة الكاملة للتقرير، التي وقّعها مدير المركز الدكتور عمر احرشان، والتي تؤكد أن سنة 2013 لم تختلف عن سابقاتها، سوى بتأكيد المسار التراجعي عن الوعود التي تقدمت بها السلطة الحاكمة إبان الحراك الشعبي لسنة 2011)، كما أنها شكلت عام إقرار بالفشل في مجالات عديدة).

تقديم

لم تختلف سنة 2013 عن سابقاتها، سوى أنها أكدت المسار التراجعي عن الوعود التي تقدمت بها السلطة الحاكمة إبان الحراك الشعبي لسنة 2011 والتي أسفرت عن مراجعة للدستور في فاتح يوليوز وانتخابات مبكرة في نونبر من نفس السنة.

رصد فريق العمل، المتخصص في الرصد والتشخيص، التابع للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات مجمل أحداث هذه السنة ووقائعها في كل المجالات، وحركة مختلف الفاعلين في المشهد المغربي ورهاناتهم بحثا عن الخيط الناظم والعناوين الرئيسية لهذه السنة، وسيلمس القارئ الكريم تفاصيل ذلك بين صفحات هذا التقرير الذي يصدر للسنة الخامسة على التوالي لنساهم من خلاله في إغناء المكتبة التي ما تزال في حاجة ماسة إلى هذا النوع من الإصدارات.

لن نمل من التذكير بالصعوبات والإكراهات التي تواجه عملا بهذا الحجم في ظل منظومة قانونية تضيق على الحق في الوصول إلى المعلومة، وفي ظل قلة الإمكانيات المتاحة لإنجاز عمل يتطلب ما لا نتوفر على الحد المتوسط منه، ولكن الدعم والقبول اللذان حظيت بهما كل النسخ السابقة يجعلانا أكثر إصرارا على الاستمرار، بل الزيادة في كمية السحب بعد الطلبات الكثيرة التي تلقيناها بسبب نفاذ كل النسخ المعروضة في الأكشاك في أقل من شهر.

لقد شكلت سنة 2013 عام إقرار بالفشل في مجالات عديدة، مثل التعليم حيث حمل الملك المسؤولية للحكومة، وعام ورطة للمغرب الرسمي في ما يخص طريقة تدبير ملف الصحراء بعد مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بمراجعة مهمة المينورسو لتشمل أيضا مراقبة حقوق الإنسان، وهو ما تم تجاوزه بعد مفاوضات وضغوط اللحظة الأخيرة لصدور القرار 2099 يوم 25 أبريل. واعتبرت هذه السنة عام فضح للنظام الانتخابي المعمول به في المغرب بعد الشلل الذي أصاب الحكومة بسبب خلاف بين المكونين الرئيسيين لها، وهو ما أسفر في النهاية عن انسحاب حزب الاستقلال وإعادة ترميم الأغلبية، مع ما واكب ذلك من جمود وتعطيل للعديد من المشاريع. وهو ما يؤكد صحة تلك التحليلات التي تنتقد النظام الانتخابي الذي يساهم في البلقنة وفرز أغلبية غير منسجمة وحكومة ضعيفة وبرلمان مشلول أقرب إلى قاعة تسجيل وبعيد عن وظيفته الأساس، أي التشريع والرقابة.

وشكلت هذه السنة كذلك عام استمرار في التأويل غير الديمقراطي لدستور اتضحت الآن عيوبه وثغراته في ظل إصرار غريب على عدم نشر الأعمال التحضيرية التي تساعد في فهم ملابسات إصداره.

وشكلت هذه السنة عام تأجيل وتسويف للكثير من المشاريع المؤسسة، مثل إصدار القوانين التنظيمية ومراجعة طريقة عمل صناديق التقاعد ومراجعة نظام الدعم المخصص للفقراء والذي لا يستفيد منه إلا الأغنياء والنظام الضريبي لتحقيق مطلب العدالة الاجتماعية الذي كان مطلبا رئيسيا لكل الوقفات والاحتجاجات الشعبية في الشارع.

عرفت هذه السنة كذلك منحى مغايرا للخطب الملكية بتركيزها هذه المرة على المنحى النقدي للحكومة ومجالس المدن، وهو ما جعل البعض يصف الملك بالمعارض ويستغرب من هذا المنحى طالما أن الملك جزء أساس من السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق حمل الملك المسؤولية للحكومة في فشل المخطط الاستعجالي للتعليم في خطاب غشت، وانتقد طريقة تدبير الشأن المحلي لمدينة الدار البيضاء والدبلوماسية البرلمانية في الخطاب الافتتاحي للدورة التشريعية، واستمر غياب الملك عن الملتقيات الدولية إلا من رسائل تقرأ نيابة عنه، واستمر غياب الملك عن التواصل مع وسائل الإعلام، وتميزت هذه السنة بالارتباك داخل المحيط الملكي في قضية الإفراج عن “دانيال كالفان”.

عرفت هذه السنة كذلك تدبير العمل الحكومي بثلاث حكومات برأس واحدة، الأولى استمرار لحكومة 2012 برئاسة حزب العدالة والتنمية إلى حدود خروج حزب الاستقلال تنفيذا لقرار مجلسه الوطني بتاريخ 09 يوليوز 2013، والثانية هي حكومة تصريف الأعمال والتي استمرت إلى حدود 10 أكتوبر 2013 تاريخ تنصيب حكومة بنكيران في نسختها الثانية، والثالثة هي حكومة بنكيران في نسختها الثانية بعد التحالف المفاجئ مع حزب التجمع الوطني للأحرار والذي شكل ضربة أخرى للعمل السياسي النبيل المحترم للرأي العام. وبالمقابل، لم تكن المعارضة أحسن حالا من الحكومة لأنها كذلك بقيت ضعيفة ومشتتة وغير مبادرة. أما المعارضة، غير الرسمية، التي تشتغل من خارج البرلمان فقد ظلت مشتتة في غياب فضاء جامع لها أو استثمار للقضايا الميدانية الجامعة بعد أفول نجم حركة 20 فبراير. أما الخيط الناظم في كل ذلك فهو أيادي خفية، يشار إلى أن للمخزن دور فيها، تعبث بالمشهد الحزبي وتتحكم في صناعة الخرائط الحزبية وتحديد المواقع والأولويات وتساهم في تبخيس دور الأحزاب، وقد كانت هذه السنة مناسبة لتأكيد هذا السلوك في مناسبات عديدة.

عرفت هذه السنة كذلك ضربا للسيادة المغربية بعد السماح للقوات الجوية الفرنسية باستخدام المجال الجوي المغربي دون علم الحكومة أو سابق مناقشة في البرلمان أو تشاور مع الهيئات السياسية، وعرفت هذه السنة استمرار التضييق على الإعلام بعد اعتقال علي أنوزلا وإغلاق الموقع الإلكتروني lakome.com، واستمرار العمل بالمفهوم الأمني الضيق والتعامل مع الاحتجاجات بعنف مفرط وتغييب للاحترافية.

على مستوى تدبير الشأن الديني، شكلت هذه السنة تعرية للمقاربة الجديدة التي دشنها الوزير الصوفي أحمد التوفيق، حيث تم منع الكثير من الخطباء وتم إصدار فتوى إقامة الحد على المرتد من قبل المجلس العلمي الأعلى وهو ما وضع السلطة الحاكمة في حرج حقيقي. ولذلك، يمكن الجزم بأن السنة القادمة ستشهد تحولا جذريا في طريقة تدبير هذا المشهد اتضحت بعض معالمه بالتحول نحو الاستنجاد بالتيار السلفي، مرة أخرى، بعد قبول الملك الصلاة خلف الفيزازي.

في المجال الاقتصادي، استمر التراجع رغم تحسن بعض المؤشرات بسبب اللجوء إلى المقايسة الجزئية والاستدانة والهبات وإلغاء 15 مليار درهم في أبريل كانت مخصصة للاستثمار ووقف التزامات الاستثمار في أكتوبر، واستمر بالمقابل التراجع في مؤشر مدركات الفساد، من الرتبة 88 إلى 91، وتراجع المغرب ب 7 درجات في مجال التنافسية، وب 4 درجات في المؤشر العالمي للابتكار، واستمر تفاقم العجز التجاري مع كل الدول التي تربطها مع المغرب اتفاقيات تبادل حر، ويبقى المستغرب له دائما هو عدم قدرة بلد فلاحي على تلبية حاجات الاستهلاك الوطني أو الرفع من القدرة التصديرية.

في المجال الاجتماعي، ما يزال المغرب يقبع في آخر الترتيب في سلم التنمية البشرية مع تراجع في مؤشر التنمية المرتبطة بالمرأة والطفل والهشاشة والفقر ووفيات الأمهات الحوامل وارتفاع معدلات الجريمة والبطالة واستهلاك وترويج المخدرات.. والخصاص المهول في قطاع الصحة، سواء في الموارد البشرية أو الأدوية أو الأجهزة.. واستمرار انتهاك حقوق المهاجرين دون الأخذ بعين الاعتبار التحولات التي نقلت المغرب من دولة مصدرة للهجرة إلى دولة عبور إلى دولة إقامة.

في مجال التعليم، استمر التخبط في مرجعيات القرار التربوي، وتزايدت نسبة الهدر المدرسي، والخصاص في الأطر، وارتفعت نسبة المتمدرسين على حساب الجودة، وعدم الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، مع ضعف الميزانية المرصودة للبحث العلمي، دون نسيان أن المدرسة لم تعد منتجة للقيم ولا حامية أو حاضنة لها، بل صارت مشتلا لإنتاج مختلف الظواهر السلبية (العنف، المخدرات…).

وفي المجال الثقافي، يلحظ كل متتبع استمرار التراجع في القراءة، واستمرار الاستهداف الممنهج للغة العربية بافتعال موضوع الدارجة وجعله محط نقاش عمومي مفروض على الرأي العام، وطغيان الطابع الكمي على النوع في المهرجانات الثقافية والفنية مع غياب الشفافية والمحاسبة حول مصادر التمويل والجدوى والنجاعة.

هذه بعض الخلاصات التي طبعت سنة 2013، وهي كلها تؤكد فشل المبادرات والسياسات العمومية والقطاعية المتبعة، سواء تلك المرتبطة بالمناظرات أو الحوارات أو المخططات، وهو ما يقودنا إلى ضرورة مراجعة شاملة لمنهجية تدبير الشأن العام ببلادنا إن كنا نبحث عن تصحيح للمسار التنموي والديمقراطي لنضع المغرب في السكة الصحيحة ليكون في مصاف الدول الصاعدة.

عمر احرشان، مدير المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات

الدار البيضاء في 28 جمادى الثانية 1435 الموافق 28 أبريل 2014