أعترف الآن أن خطاب الدكتور المهدي المنجرة في محاضراته فعل فعله الساحر في الوعي الذي تشكل لي، مثلما فعلت ذلك وقائع عظيمة عاشرتها ذاكرتي منذ شبابي؛

خطاب الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله الصادق والمفحم بروح التفاعل المباشر يجعلك لا تمل بل في شوق إلى تتبعه، لأنه يتجول بك عبر حقول معرفية وعلمية وثقافية وسياسية بشكل مندمج يؤدي رسالته لبناء الوعي المطلوب في المرحلة؛

وهو بذلك لا يبخل أن يجعل من مناسبة المحاضرة المباشرة أن ينقل كل أفكاره في ظرف وجيز وبعفوية المثقف المهموم بقضايا بلده وأمته وشعوب الجنوب عموما؛

طوال تتبعي لخطاب عالمنا الشامخ على امتداد سنين منذ أواسط التسعينات يمكن أن أجمل أهم الأفكار المتنورة والنوعية المؤسسة لوعي التغيير الإيجابي المنشود الملتقطة من خطابات الراحل علينا رحمه الله في التالي:

• النهضة الحضارية تبدأ بالرؤية والحلم، والحلم لا يتحقق بدون حرية ومشاركة واسعة لصناعة هذه الرؤية المجتمعية؛

• مركزية القيم في تشكل وتميز وتعدد الحضارات؛

• محورية التعليم وقيمة المعرفة وضرورة العناية المركزة بالبحث العلمي؛

• استقلالية القرار الوطني عن كل مؤسسات الهيمنة الدولية سواء النقدية أو الاقتصادية أو السياسية؛

• ضرورة حفظ الذاكرة الجماعية للبلاد لأنه لا مستقبل بدونها؛

• استقلالية المثقف عن السلطة الحاكمة؛

• دمقرطة الدولة ومؤسساتها؛

• التعددية الثقافية أساس البقاء؛

للأسف لم يستفد المغرب من خبرة الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله، في الوقت الذي استفادت منها بلدان تفوقنا تقدما في كل المجالات، وهو الذي كانت محاضراته في المغرب في كثير من الأحيان تلقى المنع والعرقلة لمجرد أنه رحمه الله لا يقول سوى الحقيقة ويشرحها حول وضع المغرب الاقتصادي والثقافي والسياسي والمجتمعي ويركز على قيمة المعرفة والقيم والذاكرة للنهوض الحضاري،

هو نفسه رحمه الله الذي كان يلقى الترحيب في دول أخرى ويكرم بجوائز وتقدر مجهوداته وخبراته الواسعة، كان رحمه الله مكافحا بالكلمة والكتابة من أجل تعددية ثقافية وقيمية تحفظ هويات الشعوب وأنماط عيشها وقيمها، ومن أجل عدالة اجتماعية لصالح دول الجنوب ومن أجل أنسنة العلاقات الدولية…

رحم الله فقيد الأمة والمغرب، وكما كان شامخا بمحاضراته وكتاباته ومواقفه في حياته سيظل شامخا بما تركه من إرث فكري وثقافي وعلمي ومعرفي…

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أستاذنا الدكتور المهدي المنجرة لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون، تغمده الله بواسع رحمته.