بداية، وبقلوب خاشعة تلقى أحرار العالم ودعاة الحرية والكرامة نبأ التحاق الدكتور المهدي المنجرة بالرفيق الأعلى يوم الجمعة 15 شعبان 1435هـ الموافق لـ: 13 يونيو 2014م، وبهذه المناسبة، نسأل الله تعالى أن ينزله منازل الصديقين وأن يحسن ضيافته، وينمي حسناته وأن يَخلفَه في أهله وفي أمته وفي البشرية جمعاء خليفة خير. آمين.

ثم أما بعد، فالمهدي المنجرة، وكما يقال: أعرفُ من أن يعرف. فالرجل خبير وهرم من عيار عالمي، ويكفي أن يشار ـ من باب التذكير ـ أنه عمل أستاذا محاضرا وباحثا في الدراسات الدولية بكلية العلوم الاقتصادية بلندن في بداية سبعينيات القرن الماضي، وأنه انتخب رئيسا لـلاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية سنة1981، وأنه كان أصغر عضو سنا في نادي روما منذ تأسيسه سنة 1968؛ وتثمينا لقيمة بحثه عن النموذج الياباني التنموي قلده امبراطور اليابان عام 1986 “وسام الشمس المشرقة”، واعترافا بكفاءته العلمية والتدبيرية أسندت له عِمادة الجامعات اليابانية في التسعينيات، كما تولى رئاسة لجان وفرق بحث أنجزت مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية.

أما على مستوى المغرب، فقد عمل رحمه الله، سنة1957 أستاذا بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، وتولى في ذات الفترة إدارة الإذاعة والتلفزة المغربية ليكون أول مدير لها، وكان أول ممثل للمغرب في الأمم المتحدة.

هذا غيض من فيض، فالرجل شهد له العالم جامعاته المصنفة ومعاهدُه المتخصصة بعلو الكعب في الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، فتهُـوفِت للنهل من معين فكره الواسع وخبرته التي زادتها الأيام والسنون عمقا وثراءً، وقطع متنقلا بين بلدان المعمور على متن الطائرة ما مجموعُه خمسة ملايينَ كيلومترٍ، حتى قال: … أمضيتُ معظم عمري طائرا).

أجل، قضى معظم عمره طائرا متنقلا بين البلدان يُنير وينوِّر، يفيد ويدرب، يُنظر ويخطط، لكن بلده المغرب ظلت نقطة عبور ليس إلا، يعود إليها ليلتقط الأنفاس ويجدد الصلة بوطن تنكر لعلمه وجحد بخبرته، وتلكم بعض سمات الاستبداد المنتشي بتضخيم الذات، فلا يقدر الكفاءات الخارجة عن سرب المداحين؛ إذ كيف نرى تسابق الجامعات والمعاهد والشركات العملاقة لتُفيد مما أفاء الله على الرجل من معارف ثم “تزهد” فيه بلده / حكامه، بل لا يُتوانى في التضييق عليه، كلما سنح وقته، فيُمنع من إلقاء محاضرة هنا أو هناك مما يقع تحت نفوذ المخزن. أليس معيبا أن يكون المهدي المنجرة ـ وما أدراك ما المهدي المنجرة تخطيطا استراتيجيا ورؤية مستقبلية! ـ بين ظهرانينا، ثم نستورد خبرة تنموية غريبة عن بيئتنا، أو نقتني مخططاتٍ لتأهيل نظامنا التعليمي تكلف الخزينة مبالغ خيالية بالعملة الصعبة، والرجل ـويا للمفارقة العجيبةـ عضوٌ رئيسٌ في لجان تطوير منظومة تعليم من تَستهوينا محاكاتُهم وأقصى منانا أن “نرقى” لنكون تلامذتهم؟ ثم أليس من العار أن يُترك الرجل بهذا الإشعاع والحضور العلمي العالمي للإهمال يواجه مصيره وحيدا إلا من ثلة من الأصدقاء والمحبين يصارع ألم المرض العضال، دون أن تتحرك مشاعر المسؤولين لتسجيل التفاتة في شكل اعتراف ولو في الوقت بدل الضائع من حياة الرجل؟ أم أن ضيق حُويصلتهم لم تسْعِفهم لمثل موقف كهذا كانوا سيوظفونه وينمي رصيدهم الشعبي؟ وهل مثل هذه المبادرات تقتصر وحصريّاً على فئات معينة تُتقِنُ أداء: “قولوا العام زين”، أم أن هذه الجهات المسؤولة انتظرت أن تتوصل بنداء والتماس من المعني بالأمر يتسول ويتوسل الإحسان والعطف؟

المهدي المنجرة العالم الخبير المنظر الاستراتيجي هو مع كل ذلك صاحب مشروع تحرري، فقد ندب حياته، وسخر علمه ومعارفه لشن حرب بأسلوبه الهادئ على الاستبداد والاستكبار عالميّه ومحليّه، ولم يفوت فرصة دون فضح مخططات المستكبرين العالميين، وكشف تورط الحكام المستبدين الجاثمين على صدور الشعوب يحرسون مصالح الأسياد ويقدمون بين أيديهم مقدرات الشعوب وثرواتها قرابين خلودهم على كراسي الحكم.

الرجل صاحب مشروع تحرري، خبر النظام العالمي ووقف على دسائسه ومخططاته المكرية، وانبرى يفضح ازدواجية خطابه، ونظرا لما حازه تحليل الرجل من مصداقية وجد فيه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله ضالته في باب نظام الحكم 1 .. فبعد الثناء على صدق الرجل الذي رأى فيه أحد رجال هذا الشعب الذين تجري في عروقهم دماء إسلامية حارة)، ووجد فيه الخبير الدولي، المسلم المتدفقة فيه دماء حرة حارة) وهو في تقديره: مسلم صادق غيور يرجع إلى لِبَانٍ كان ارتضعها من أثداء الفطرة والمنبت ليجدد عهدا بأصول، مزوّداً بتجربةٍ عالميةٍ فريدةٍ، باحثاً عن لغة تَعبير، وعن نهج إسلامي صافٍ). وهو كذلك: رجل خبيرٌ بما يجري في العالم، لأنه تقلّب منذ فجر الاستقلال في مناصب دبلوماسية، … خبير بما يجري من حوله لأنه شارك وأسَّسَ وتجرع المرائِـر. فهو يعرف ما يقول. ومواقفه الشجاعة مَهْرٌ وسياق وبرهان على صدقه). ثم إن هذا الخبير لم يشغله برج التنظير ولا فتنة التحليق في السماء، بل هو مناضل أصيل، إذ هو الرئيس المؤسس للمنظمة المغربية لحقوق الانسان)، مثلما هو رئيس الفدرالية الدولية للدراسات المستقبلية اجتمعت في يده أدوات التحليل، وتطابقت في ذهن صورتان لما يكرهه عدونا لنا…).

بعد هذه الشهادات تعريفا بقيمة الرجل، أورد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين العديد من أقوال الدكتور الخبير ـ تولاهما الله برحمته ـ تبرز معالم مشروعه التحرري وتشهد على رفضه المشاريع الاستكبارية نهبا لمقدرات الشعوب ومصادرة لإرادتها، شعوب الجنوب عموما، والمسلمين منهم تحديدا.

ففي مجال ازدواجية خطاب الغرب، يقول الدكتور الخبير: إن المسؤولين السياسيين في الغرب يتكلمون عن الديمقراطية ويخشونها في نفس الوقت في بقية البلدان. لأنه إذا كانت هناك ديمقراطية حقيقية في بلدان العالم الثالث، فهي تمثل خطرا على مصالح الدول الغربية). ولم يفُت الخبير الدكتور في معرض حديثه عن الخطاب الالتفافي للغرب أن يسلط الضوء على مكون لا يقل أهمية في مخطط الالتفاف على الدمقرطة، إنها فئة مثقفينا في العالم الثالث، … أصبحوا يلعبون بكلمة الديمقراطية كنوع جديد من فاشِسْتِيَة المثقف والنخبة).

وانسجاما مع هويته ومرجعيته الإسلامية لم يتردد الدكتور الخبير في كشف الدور الصهيوني في مشاريع الهيمنة على مستضعفي العالم، والمسلمين تحديدا، يقول رحمه الله: هناك نوع من فرض الهيمنة على مفاهيم حقوق الإنسان بمرجعية واحدة : وهي مرجعية مَبنيَّةٌ ومنطلقةٌ من قِيم يهودية صهيونية، وليس من قِيَم إنسانية بمفهوم شمولي يخدُم الإنسانية جمعاء).

مقابل هذا التوضيح يعتبر المهدي المنجرة أسكنه الله فسيح جناته المكون الإسلامي أصلا أصيلا في بنية الشخصية المسلمة، لذلك، فـالصحوة ليستْ وليدةَ اليوم. بل كانت هي أهَمَّ عرقلَةٍ وجدها الاستعمار الأوروبي أمامه في البلدان الإسلامية. ولولا هذا الوعي بقيم روح الإسلام آنذاك، لتغيرت خرائط العالم كلها آنذاك. فالصحوة موجودة طبعا، والتخوف منها أصبح كبيرا … يأتي من أن تحدُث تغيّراتٌ في أنظمةٍ مثل هذه في بلدان مسلمة بتَشكُّل نهج إسلامي للديمقراطية…).

هذه بعض معالم المشروع التحرري الذي ندب له الدكتور الخبير حياته، وهو التوجه الذي “حاز” به عدم رضا الحاكمين فغدا غير مرحبٍ ومُنع من أن يحاضر هنا أو هناك أو هنالك على امتداد خريطة الوطن العربي والإسلامي لكي لا يُلهم الشعوب، والشباب خاصة، برؤاه التغييرية وتسري أفكاره التحررية في وعي الأمة.

ترجل الفارس بعد ثمانية عقود من العطاء والتألق، ترجل الفارس الخبير وأسلم الروح لبارئها مطمئنا على مستقبل أمة طالما بشر به، كيف لا يطمئن وقد عمّر حتى رأى شرارة الانعتاق تنطلق من تونس الكرامة ليعمَّ مدها وتزلزل بهدير صوت شعوب عروش ظن المتربعون عنها أنها خالدة لهم وللولد، فإذا للشعوب رأي آخر: “الشعب يريد إسقاط أنظمة الفساد والاستبداد”.

عاش الدكتور الخبير عزيزا حرا أبيا لم يجامل على حساب مبادئه، ولم يساوم على مواقفه، وتوفاه الله تعالى وليس في رقبته دَيْنٌ لأحد. عاش عزيزا ومات كريما، “ولله عاقبة الأمور”. فرحمك الله رحمة واسعة ونفعك بما يسرك الله لك من علم لم تبخل بنشره والسير به في الناس، كل الناس. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.


[1] اقتبست النقول جميعُها من الباب الخامس: للانسان مساق. ص:309 وما بعدها، من كتاب “الشورى والديمقراطية” للأستاذ عبد السلام ياسين\