المحور الثاني: منطلقات أساسية

أذكر بعض المنطلقات التوجيهية والمؤطرة لفقه التجديد في الفقه السياسي الإسلامي المنحبس منذ قرون، وعلى علماء الأمة ومفكريها التأسيس لمشروع جهادي تنظيري يقيم ما اعوج من تاريخ الأمة، ويؤسس لمستقبل الإسلام والمسلمين .

1 – إن من مقتضيات الإيمان الكامل، الإيمان بالغيب، وهو أحد أركانه الأساسية، ولا يستقيم إلا بتحقيقه، فلزام علينا أن نؤمن إيمان الواثق بنصر الله الذي لا يخلف الميعاد، وبموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بعودة الخلافة الثانية، التي تحقق للأمة الإسلامية مجدها وجمع شتاتها، وتقود الإنسانية والأمم المستضعفة المتعطشة للكرامة والحرية والعدالة من جديد. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين: في عالم عولمي ظالِم مستكبروه، موزّعة قوَى مستضعفيه وفي مقدمة موكبهم المسلمون، ينادي منادي الإسلام على المسلمين ليحملوا رسالة الإسلام بشرى للإنسان وتخليصا له من ربقة ما يستعبده من دون الله، ويُضله، ويظلمه، ويحقره) 1 .

2 – يلزم على العلماء والدعاة والعاملين للإسلام، في الفترة المفصلية الحالية من تاريخ الأمة، وأكثر من أي وقت مضى، التسلح بالتفاؤل وحسن الظن بالله تعالى الحنان المنان، والاستبشار خيرا بمستقبل الإسلام والمسلمين، والمشي في الناس بخطاب التبشير، رغم ما تعانيه الأمة من ذلة وهوان، فعلماء الأمة هم الملاذ الأخير للأمة، وهم بمثابة صوى الطريق نحو النصر، وهم نجوم مضيئة في سماء هذا الظلام قبيل صبح الخلافة الثانية، فهمهم الأول حاليا هو جمع جهودهم وتوحيد كلمتهم لاستنهاض الأمة نحو غد الخلافة، فإن استسلموا وقعدوا فماذا تنتظر من العامة؟ يقول الإمام: كما أمسكت أيدي الصحابة المباركين زمام الأمر في الخلافة الأولى، وحافظوا على البناء بعدما أقاموه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تمسك إن شاء الله أيدي “إخوان ” صلى الله عليه وسلم المباركين زمام الأمر في الخلافة الثانية بعد أن يعيدوا رصَّ البناء من انتقاض) 2 .

3 – ينبغي في هذه الفترة الأخذ بالعزيمة وتعبئة الأمة من أجل الجهاد بمعانيه البناءة والإيجابية، جهاد يعيد للأمة عزتها وكرامتها، ويستنهض هممها ويشحذ قواها لكي تقوم بواجبها المنوط بها، والابتعاد عن خطاب الرخص والقعود، فأولى الأولويات في المرحلة الآنية، جمع شتات الأمة وتوحيد صفوفها، وإحياؤها بعد موت طال أمده، إذ أننا خير أمة أخرجت للناس، فمهمتنا الأساسية دعوة الناس إلى ربهم الرحيم الكريم، الغفار التواب .يقول الإمام: يُشَكِّل أهل العلم الفقهاء في بلاد الإسلام ذُخرا للمستقبل، نأمل أن يُمدّوا الحركة الإسلامية الناشئة بالأطر اللازمة، وأن ينعتقوا من أسباب العجز التي تعوقهم اليوم كما عوّقت أجيالا منهم منذ اختصم السلطان والقرآن) 3 .

4 – الخلافة الثانية مصير هذه الأمة، وهذا حافز لنا عظيم على العمل، ونفض سنوات وقرون من القعود والذل والمهانة، وهذا يقتضي الالتزام بالسنن الإلهية التي لا تحابي أحدا، وقراءة آيات الله تعالى المبثوثة لاستخلاص قواعد النصر، والاستعداد له بالقوة القرآنية والنبوية الحكيمة الرحيمة والعمل الجاد، كل ذلك باستمطار النصر بالدعاء من الملك الوهاب الذي يؤتي ملكه من يشاء وينزع ملكه ممن يشاء. يقول الإمام: العدل المنشود من الإسلاميين يوم يتسلمون مقاليد السلطان هو عدل يستقر به المجتمع، وتتضافر به الجهود، وتتوحد عليه الأهداف، وتسخر له الوسائل) 4 .

5 – الخلافة الثانية هي بشرى نبوية ومصير محتوم ينتظر الأمة الإسلامية، وهي وسيلة لتوحيد الشتات الشنيع الذي تعانيه الأمة الإسلامية منذ اغتصاب الحكم من طرف الملك الأموي “سيدي” معاوية بن أبي سفيان، روحها العدل والإحسان والشورى والكرامة الإنسانية، أما شكلها فموكول لأهل الاختصاص وحسب الظروف التي نحياها.

طالع أيضا  الخلافة والملك (3)

6 – يجب التحرر من اجتهادات من سبقنا من الصحابة ومن تبعهم بإحسان من التابعين، فهم رضي الله تعالى عنهم قاموا بواجب الاجتهاد حسب الظروف السياسية التي عاشوها وعايشوها، فاجتهادهم فرض وتقليدهم بدعة، ذلك أن الفتوى تتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص، هذا في الأحوال الشخصية، فما بالك باجتهاد يهم أمر الأمة جمعاء، فينبغي التأسيس لاجتهاد جماعي جديد ينظر للمستقبل السياسي للأمة الإسلامية. يقول الإمام: إنما الذي فيه مطمع هو أن نساعد أهلَ العِلم والدين من رجال الإسلام على الخروج مِن رِبقة التقليد الفكري لفتوى قرون خلت حتى تتغير لديهم النظرة الثبوتية التي تتصور التاريخ امتدادا بلا نهاية للظلم الوراثيِّ. وأن نساعدهم على تخطي اجتهاد زيد وعمرو ممن سبقونا بإيمان ليقلدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أنها ستكون بعده الخلافة ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عاضا) 5 .

7 – إن جميع الاجتهادات في الفقه السياسي الإسلامي إنما أتت إلينا من واقع سياسي مليء بالصراعات السياسية والدينية والمذهبية الخطيرة، والتي أثرت تأثيرا سلبيا على حياة الأمة الإسلامية ومستقبلها، مما زاد الاجتهاد صعوبة وغموضا وتناقضا. يقول الإمام: هكذا يتمسك بعض الإسلاميين بمقطوع منقوض، يتمسكون بنموذج المجتمع المنحل والنظام الحُكْمي المذموم شرعا، فلا هم تمكنوا من النقد الضروري المتبصر للذات، ولا هم استطاعوا عرض مشروعهم المستقبلي على النّمَوْذج النبوي القرآني متجاوزين إغراء البريق الحضاري المجيد الذي اقترن بالملك العاض ثم الجبري. هذا التمسك بالأصالة الغامضة زيغ عن الخط المنهاجي واختزال وتعمية للأمراض التي كانت سبب تفتت الأمة وهزيمتها وضعفها و”لا شيئيته” و”لا وزنيته” في عالم اليوم) 6 .

8 – انحدر إلينا الاجتهاد في ظروف اصطدمت بقدر الله تعالى، الذي كان يسير نحو اغتصاب الحكم وإذلال الأمة، علمائها وعامتها، فمن قاوم الحكام الظالمين، كتابة ومجاهدة، قلة محسوبة، أما في الفترة الحالية، فنحن نسير بإذنه سبحانه وتعالى نحو قدر الأمة الموعود، فكل حركة، مهما صغرت، إنما تفتل في حبل الوصول إلى شاطئ الخلافة الثانية. يقول الإمام: كل ذلك والعلماء الدعاة استكانوا طوعا وكرها إلى تساكن مع الحكم العاض والجبري انفتحت للدعاة العلماء واجهةٌ لمقاومة عدو متسلل إلى العقول والعقيدة فتفرغوا لجمع الحديث وتفريع الفقه وتأصيله، وانبرَوْا لتعليم الأمة ودفع التيارات الفلسفية الإلحادية المنحرفة تاركين لِمَلَةِ السيف مهمة قتال العدو الخارجي، ومهمة إطفاء نار الفتن التي ما فتئ يؤججها في أنحاء المملكة المسلمة المتواسعة طوائف البغاة وأهلُ الأهواء من خوارج وزط وزنج ومزدكية زنادقة وخُرّمية وغير ذلك) 7 .

9 – يتترس مجموعة من العلماء، رغم صدقهم، بفتاوى من سبقونا، ويؤسسون لفقه الطاعة ل “أولي الأمر”، ولو ظلموا (مصر نموذجا)، مرجعهم في ذلك حقن دماء المسلمين، ودرء الفتنة، وجمع كلمة الأمة، لكن الأسئلة المطروحة: هل تعيش الأمة استقرارا وعزة، أم أن الفتن تحيط بها من كل جانب، إن داخليا أو خارجيا؟ هل دماء المسلمين مصونة، أم أنها أرخص الدماء وأكثرها سيلانا؟ هل أولي الأمر من المسلمين، أم انهم ممن باعوا خيرات المسلمين وشرفهم وأعراضهم للأعادي؟ والأسئلة تطول وتتناسل. يقول الإمام: وما انتهى القرن الرابع حتى كانت قضية الاعتراف بحكم السيف الغالب مسألة فقهية مفروغا منها، وضرورة لا محيدَ عنها) 8 .

نداء من مسلم صادق لمن ابتلاهم الله تعالى بتعليم الأمة وتربيتها، إلى كل عالم وداعية وعامل في حقل الدعوة، بتحمل المسؤولية التاريخية في تعبئة الأمة وتبشيرها بالنصر المبين القريب، فهي أمانة في أعناقهم إلى أن ترجع للأمة عزتها وكرامتها، فأكبر بدعة يجب محاربتها هي الأمر بغير ما أنزل الله تعالى، وأحسن عمل ينبغي العمل له هو إرجاع الخلافة الثانية والعمل لها، فهي أكبر الجهاد في الوقت الحالي، ومتى قامت صلح أمر الأمة، فهي اقصر طريق لسعادة الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله القوي العزيز.

طالع أيضا  الخلافة والملك (1)

[1] كتاب العدل، الإسلامين والحكم، ص 12.\
[2] نفس المرجع، ص 67.\
[3] نفس المرجع، ص 89.\
[4] نفس المرجع، ص 204.\
[5] نفس المرجع، ص 89.\
[6] نفس المرجع، ص 40.\
[7] نفس المرجع، ص 83.\
[8] نفس المرجع، ص 85.\