ثانيا: الفقه التقديري وحكمه

المقصود بالفقه التقديري تبيين حكم الشيء قبل وجوده على تقدير أنه موجود كمّاً وكيفاً، ويسمى بفقه التوقع أو الافتراض، من توقع الشيء أي إمكان وجوده، ويسمى أصحاب هذه المدرسة بأصحاب الفقه التقديري أو الافتراضي.

1- حكمه

انقسم علماء الأمة قديماً في جوازه، فذهبت طائفة من علماء الأثر إلى ذمه وذم أهله وسموهم بالأرأيتية وأهل الرأي، وعلى رأس من ذمه البخاري وأهل الحديث كالدارمي والشعبي، والزهري والثوري وابن أبي شيبة والأوزاعي، وغيرهم.

وذهب الحنفية وكثير من فقهاء المالكية والشافعية وغيرهم إلى جواز تفريع مسائل فقهية لم تقع لتفقيه الطلبة وتقعيد القواعد وتفريع الفوائد من باب الاستعداد للبلاء قبل وقوعه كما عبَّر أبو حنيفة لقتادة لما دخل الكوفة وسأل عن رجل غاب عن أهله أعواماً فتزوجت امرأته ظناً منها أنه مات ثم رجع زوجها الأول ما تقول في صداقها فقال له قتادة: ويحك هل وقعت؟ قال: لا، قال :لم تسألني عن شيء لم يقع؟ فقال أبو حنيفة: إننا نستعد للبلاء قبل وقوعه.

2- الأدلـة

أ – أدلة المانعين

الأول: عن ابن عباس قال: ما رأيت أفضل من أصحاب محمد (صلى الله عليه و سلم) ما سألوه إلا ثلاث عشرة مسألة، قال: ما كانوا يسألونه إلا عما كان ينفعهم.

الثاني: قال ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يقول: لا تسألوا عما لم يقع، وعن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: أحَرِّجُ بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن فإن الله بين ما هو كائن. وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إلا تفعلوا أوشك أن يكون فيكم من إذا قال سدد أو وقف فإنكم إن عجلتم تشتت بكم الطرق ها هنا وها هنا”.

ب – أدلة المجيزين

1- ما ثبت في الصحيح من أن حذيفة بن اليمان كان يسأل رسول الله عن الشر مخافة أن يقع فيه.

طالع أيضا  الإفتاء في فقه الإمام الشاطبي.. الأحوال والأقسام والأحكام (3)

وجه الدلالة: أن حذيفة سأل النبي عن أمور لم تقع ولم يعنفه النبي أو يقل له لا تسأل عما لم يقع.

2- واستدلوا بما روي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أخذ مالي، قال:” لا تعطه مالك”، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال:” قاتله”، قال: أرأيت إن قتلني، قال:” فأنت شهيد”، قال: أرأيت إن قتلتُه، قال:” هو في النار”.

فقد سأل الصحابي النبي عن حالاتٍ أربع وأجابه عليها ولم ينكر عليه لكونها أموراً لم تقع بعد.

وفيه السؤال: أرأيت فليست الأرأيتية مستنكرة.

قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم في الحديث التاسع: وقد كان أصحاب النبي يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها).

ج – الرد على أدلة المانعين

أجاب الحنفية عن أثر ابن عباس بجوابين:

الأول: قالوا إنه ضعيف فقد أعلَّه الهيثمي في مجمع الزوائد بعطاء بن السائب.

الثاني: هو أن وجه الحصر هنا حصر إضافي ومعناه ما سألوه إلا ثلاث عشرة مسألة في القرآن، أما في السنة فأكثر من أن يحصى. قال ابن القيم: ومراد ابن عباس بقوله ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة المسائل التي حكاها الله في القرآن وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيَّنها النبي في السنة لا تكاد تحصر).

أما أثر عمر فقد وجهه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله بأن الرأي المذموم في كلام عمر هو البدع والأهواء. وقال آخرون هو القول بالاستحسان المبني على التشهي والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات.

وأما ما ورد عن عمر من تحرجه عن السؤال عن الشيء قبل وقوعه فالمراد من ذلك أن لا ينزل بسبب السؤال عن ذلك تحريم فكان ذلك رحمة منه بالأمة وهذا أصل أصيل في الشريعة.

طالع أيضا  الإفتاء في فقه الإمام الشاطبي.. الأحوال والأقسام والأحكام (1)

مثاله أن النبي صلى الله عليه و سلم حرَّم المدينة بما حرَّم به إبراهيم مكة ولم يجعل في صيدها فداء رحمة بأمته.

ومنه صلاة التراويح لم يصلها النبي جماعة رحمة بأمته كي لا تفرض، فلما مات النبي صلى الله عليه و سلم وأمن أن تفرض، جمعهم عمر على قارئ واحد.

فقه التوقع عند أبي حنيفة

اشتهر فقه أبي حنيفة بأنه فقه أهل الرأي وأنه فقه التوقع أو الافتراضي بسبب توسع أبي حنيفة في التفريع على المسائل وبسبب توسعه في القياس والاستحسان وتصديه لمسائل لم تقع في عصره. وقد أكثر أبو حنيفة من هذه المسائل الافتراضية إذ أكثر من القياس واستخراج العلل من ثنايا النصوص. وقد سلك كثير من الأئمة بعد أبي حنيفة هذا المسلك حتى قال ابن القيم: إن كان في المسألة المفروضة نص من كتاب أو سنة أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو متعذرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون بها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لا سيما إذا كان السائل يتفقه بمثل ذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى.

هذا وإن كان لفقهاء الحنفية باع كبير في استعمال الرأي والقياس الذي نشأ عنه هذا النوع من الفقه فلا يعني أن بقية الفقهاء لم يستعملوا الرأي والقياس والاستحسان والعرف والمصالح وسد الذرائع التي هي في الحقيقة آليات للفقه التقديري بل أكثر الفقهاء قد اتجه هذا الاتجاه، في المذاهب كلها.