بعض مضامين الأطروحة

أنتقل بكم إلى حديث آخر، أٌطلعكم من خلاله في فقرات وجيزة خفيفة على الفصول التسعة للأطروحة. ورجح لدي أن أقسمها إلى محورين أساسيين:

• محور أول: تحدث فيه الكاتب عن ظروف نشأة جماعة العدل والإحسان، وسأركز فيه على ما ورد في الفصل الأول.

• ومحور ثان: تحدث فيه الكاتب عن العوامل الكامنة وراء سرعة تطورها حتى بزت قريناتها من التنظيمات وفاقتهن. وسأركز فيه على ما ورد في الفصل التاسع.

تقسيم مضامين الرسالة إلى محورين أساسيين إنما جاء بقصد التوضيح، وإلا فالمحوران متدخلان إذ يصعب أحيانا فصل ظروف النشأة عن العوامل المساعدة على سرعة الانتشار، وقابلية التطور التنظيمي التنظيري. والتركيز على فصلين اثنين إنما هو بغرض الاختصار، وإلا فما بينهما من الفصول غني بالمعارف والتفاصيل التي لا غنى عنها لمن يريد أن يفهم الموضوع فهما أكثر عمقا، ويستزيد من المعلومات والبيانات استزادة أكثر إشراقا.

المحور الأول: نشأة جماعة العدل والإحسان

في هذا المحور استعرض الباحث مختلف النظريات التي حاولت الإحاطة بأسباب ظهور الحركة الإسلامية وأهدافها. وصنفها إلى نظريات أربع وهي:

نظرية الأزمات المتتالية Dekmejian

ومفادها أن الصحوة الإسلامية جاءت نتيجة لفشل النخب السياسية والفاعلين الاقتصاديين في حل أزمات العالم الإسلامي وما تلا ذلك من نكبة ونكسة في حروب العرب مع الكيان الغاصب لأرض فلسطين.

نظرية المكتسبات الإيجابية John L. Esposito

ومفادها أن الصحوة الإسلامية نشأت مع سلسلة من المكتسبات الايجابية التي توالت على الأمة في تاريخها المعاصر بعد قرون من الاستعمار والفقر والقهر كالثورة والإيرانية وملاحم المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الروس وحرب 73 والمقاطعة النفطية. مجموع هذه الأحداث حسب أصحاب هده النظرية شكلت مصدرا للاعتزاز والفخر لدى كثير من أبناء الحركة الإسلامية ومحفزا للصحوة وللنهوض من جديد.

طالع أيضا  قراءة في أطروحة الدكتور عبد الواحد المتوكل الموسومة بعنوان:العدل والإحسان.. ظروف نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب (3)

نظرية الصدام Bernard Lewis

ترى هده النظرية أن الحركة الإسلامية جاءت كتحد مسعور للغرب وبدافع مواجهة النفود المسيحي واليهودي. هذه النظرية تدق طبول الصراع والصدام وقد رفضها Espiso وHalliday باعتبارها تلغي دور البنيات والسلوكيات الغربية في بروز الصحوة وتزكي الإسلاموفوبيا.

نظرية الفقاعة Oliver Roy وElie Kedouri وGille Kepel

يزعم أصحاب هده النظرية أن الأصولية لا تقدر على الإبداع وتنطوي على تناقضات داخلية ولها طبيعة عتيقة، وقد وصلت مداها وبلغت قمة عطائها فهي إذن ستعود وتتراجع وتنكمش مع مطلع التسعينات وتتحول إلى لبرالية أو عقلانية أو ديمقراطية.

لم ينف الكاتب عن هذه النظريات كونها تحمل نصيبا من الصحة. عملا بالمنهج الإسلامي الأصيل الذي لا ينفي ما عند الناس من حق مصداقا لقول الله تعالى: ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من تأمنه بدينار لا يؤده إليك. غير أنه أوضح أن الحركة الإسلامية من الناحية التاريخية ظهرت قبل هذه الأحداث بكثير وكان ذلك في العشرينات من القرن الماضي.

لكن أهم انتقاد يوجهه لهده النظريات هو كونها تعاني من خلل منهجي فظيع. فهي في الغالب تنطوي على تفسيرات للظاهرة الإسلامية بعيدا عن نسقها المعرفي، ومن خارج سياقها التاريخي، ومتوسلة بجهاز مفاهيمي قاصر عن وصف الظاهرة بكل أبعادها المركبة. ثم ينتقل بعد ذلك ليحدد الإطار النظري الذي من خلاله سيسعى لتفسير الأسباب الكامنة وراء ظهور الحركة الإسلامية. وقبل ذلك يبدأ بملاحظة قيمة مفادها أنه ليس من السهل إيجاد نظرية بديلة لتفسير ظهور الحركة الإسلامية وذلك نظرا للاعتبارات التالية:

• كون الحركات الإسلامية تمر بمرحلة انتقالية على المستويين النظري والعملي.

• كون الحركات الإسلامية تعمل في ظروف سياسية وأوساط اجتماعية متباينة.

طالع أيضا  قراءة في أطروحة الدكتور عبد الواحد المتوكل الموسومة بعنوان:العدل والإحسان: ظروف نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب (1)

• معظم الدراسات عن الحركة الإسلامية تركز على الحركات البارزة والنشطة سياسيا وتهمل الحركات الإسلامية المبتعدة عن المجال السياسي.

وتضيف الباحثة Roxanne Euben بأن عدم قدرتنا على فهم الظاهرة الإسلامية يرجع إلى الخطاب النظري الغربي الذي يستبعد المعطيات الميتافيزيقية عما يجري في المجال السياسي. وتؤكد أن التعاطي مع المعطيات السياسية وفق هذا المنهج الدي يصر على العقلانية الإبستمولوجية يحجب عن المحلل الرؤية، ويعيقه عن فهم التصرفات الموجهة بمثل دينية، والمبنية على أسس اعتقاديه وإيمان بالله، قد لا تحيط به الوسائل البشرية.

وبناء عليه تقترح Roxanne Euben منهجا تفسيريا يناسب الظاهرة الإسلامية ويستحضر خصوصيتها أسمته بنموذج التأويل التحاوري Dialogic Model of Interpretation. وينبني هذا النموذج على اعتماد المفاهيم الإسلامية ذاتها لتحليل الظاهرة الإسلامية وعليه يجب أخد الخطاب الإسلامي بجدية والكف عن اعتباره غير عقلاني وغير ممنهج.

وإذا اعتمدنا هذا المنهج تحصل لدينا أن ظهور الحركة الإسلامية إنما يأتي في سياق الدورة التجديدية التي تشهدها الأمة على رأس كل مائة عام، وفي سياق القيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ما هنالك من أسباب مرتبطة بواجب الدعوة إلى الله ذكرها الباحث وفق ما يناسب عقلية القارئ الغربي ووفق ما تسمح به الأبحاث الأكاديمية.