من الذي يريد أن يعرف الحقيقة؟ ومن منا يعترض على محاسبة ومساءلة قتلة الأبرياء؟ كمال عماري مغربي أبيّ تفاعل مع حراك بلاده، آمن بتحقيق شيء مما يتطلع إليه أبناء هذا البلد الحبيب من حرية تكسر قيود الاستبداد، وكرامة تنسجم مع ما جُبل عليه بنو البشر، وعدالة اجتماعية تضمن تقسيم الأرزاق بالعدل.

لا يحصل المرء، دائما، على كل ما يريد ويأمل، على الأقل في دنيا الخلق، أما في دار الحق، فقد اختار البارئ عز وجل عماري ليكون في موكب الشهداء ولا نزكي على الله أحدا. لقي ربه يوم الخميس 2 يونيو 2011 متأثرا بإصابات وجروح تعرض لها بعد إصرار من يؤرقهم الصوت الأبي العاشق للعزة التي جعلها الله عنوانا لخلقه، بل أكثر من ذلك لا يزال يزعجهم صوت هذا الرجل – من منطوق القرآن – الذي لم يبدل تبديلا، بالرغم من انتقاله إلى عالم البرزخ، بعد أن قرّر أصدقاؤه وأحبابه تخليد الذكرى الثالثة لمقتله بمدينة آسفي حيث تلطخت أيادي الجبناء بدمه الطاهر، وحيث أصدر السلطات المحلية قرارا كتابيا يقضي بمنع وقفة احتجاجية تطالب بالكشف عن هوية القاتل، في خرق صارخ للقانون المنظم للحريات العامة، ولا أدري إن كانت هذه الجهات لا تعلم أن هناك حكما قضائيا نهائيا نص على أن الوقفة لا تستلزم التصريح المسبق، بدل تعمدها إلى التدخل العنيف ضد مناصري القضية من المسفيويين الذين حجّوا بكثافة للمطالبة بالحقيقة ومحاكمة الجناة.

ولعل ما يفسر هذا الإجراء الأرعن في ملف إنساني وحقوقي بامتياز، هو ارتباك الدولة وتخبطها الواضح في ملف قد يبعثر أوراقها بأروقة المؤتمرات الحقوقية بالخارج، خصوصا وأن المغرب ما فتئ يروج لصورة وردية لحقوق الإنسان ترمي إلى تنميق المشهد الحقوقي ومن ثمت الاختباء وراء ستار من دخان.

إنها ترسبات وتراكمات أفرزت مخزونا من ثقافة الكراهية السوداء والتوجسات غير المبررة من أصوات نشاز – في قاموسها – تأبى الخضوع والخنوع للذل والمهانة.

أعتقد أن ملامح الدولة المنشودة التي تعمل على تحقيق مطالب شعبها هي مؤسسة تحافظ على أرواح أبنائها، تحترم اختياراتهم ما داموا لم يدعوا إلى عنف. هي دولة تؤمن بالعدالة الاجتماعية والاستجابة لتطلعات الشعب، أيضا هي نظام يؤمن بدولة التوازنات الاجتماعية لا بدولة الفوارق الاجتماعية والتراتبية المطلقة.