يعتبر المشهد المصري بعد ثورة 25 يناير، من أكثر المشاهد جدلا على المستوى الدولي نظرا لكثرة أحداثه وتعدد أطرافه وسيناريوهات حركاته، وانفتاحه على قوى إقليمية لها نصيب في إثارة مزيد من الجدل على المشهد.

وقد تعددت الآراء المختلفة التي تتناول المشهد بالقراءة والتحليل بين قراءة لما يطفو على السطح من أحداث ولاعبين وبين من يغوص في ما وراء المشهد وتعقيداته.

وسنحاول من خلال هذه المقالة أن نبحر إلى ما وراء المعلن لنستحضر سياق ومساق المخفي ودور الدولة العميقة (دولة مبارك) في إسقاط الثورة غير مكتملة الأركان.

المتتبع للمشهد بشكل هادئ ومتسلسل يعتقد أن نظام الطاغية حسني مبارك لم يسقط، وإنما سقط الرمز فقط وبقي نظامه المتمثل في “الدولة العميقة” متحكمة في مقاليد الدولة وأجهزتها الحساسة، وهناك مؤشرات تدل على هذه الحقيقة الخطيرة جدا نذكر منها:

– إعلان تنازل مبارك عن الحكم من طرف العسكر، وليس إثر إعلان شعبي يواكبه هروب الطاغية إلى دولة أخرى أو إلقاء القبض عليه من طرف الثوار.

– تسلم الحكم من طرف العسكر الذي صنعه مبارك وظل وفيا له لمدة سنتين وهي مدة كفيلة بإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب الوطني (الدولة العميقة).

– مرسي تسلم الكرسي، ولم يتسلم الحكم فكان رئيسا دون صلاحيات تليق برئيس ثوري انتخبته الجماهير الثورية.

– الماكينة الإعلامية ظلت وفية لخط مبارك ومنذ الوهلة الأولى شنت حربا شعواء على الثورة ورموزها وعملت على بث الفرقة وإشعال الصراع بينهم وهذا ما حصل. والجميع يعلم أن كثيرا من القنوات الإعلامية تابعة لرجل مبارك ساوريس وأخرى ممولة من الخليج درع مبارك ونظامه.

– استثمار طبيعة الصراع الإيديولوجي بين التيارات العلمانية والليبرالية وبين التيارات الإسلامية والعزف عليه ودعم التيار الليبرالي في معركته وصراعه مما سهل اقتناء “وجه شبه ثوري” للمعارضة (الدولة العميقة).

كل ما سبق يحيلنا إلى طريقة اشتغال الدولة العميقة بنوع من الذكاء والمكر الذي راكمته طيلة عقود من التحكم في مفاصل الدولة، ومعرفتها بمداخل ومخارج الدولة المصرية ونقط قوتها وضعفها، وهو ما سهل عليها، في اعتقادي، عملية الانقضاض التكتيكي المبني على نظرية “تآكل العدو”.

ناهيك عن ضعف التجربة للإخوان المسلمين في إدارة الصراع على مستوى الحكم وهنا لا أتحدث عن الصراع الوجودي بين تنظيم وبين دولة وإنما بين نظام مشلول وضعيف وبين دولة عميقة متنفذة ومتحكمة ومدعومة.

كل هذه السياقات والمؤشرات دفعت بالدولة العميقة إلى العمل بشكل يظهرها في العلن معارضة ثورية ليبرالية مقابل تيار إسلامي يريد سرقة مصر العظيمة وإشعال حرب أهلية وتهديد الأمن القومي، وهو خطاب وجد له آذانا صاغية إقليمية ودولية وداخلية، وبدأ التخطيط في تناغم قضائي (رجال مبارك في نادي القضاة) وعسكري “المجلس العسكري” إلى رجال أعمال وفنانين منتفعين وإعلاميين تابعين وأقلية سياسية ليبرالية (القناع الثوري لكل ما سبق)، كل هذا يقع في غفلة سياسية وإيمان ب”مظاهرية الأشكال” المخاطبة لود الرئيس ونظامه الصاعد.

واستغل المجلس العسكري (الذي يخطط له رجال مبارك) إيمان نظام الرئيس ب”مظاهرية الأشكال” فقدم له قائدا عسكريا “الثعلب الواعظ” يصلي ويصوم ويمشي في الأسواق، وترتدي زوجته النقاب، فغنى الثوار المضحوك عليهم “أغنية الصلاح” للقائد الهام.

هكذا عملت الدولة العميقة حيث لبست قناعا ثوريا “أقلية ليبرالية” مهزومة جماهيريا، ومجلسا عسكريا تابعا ونظاما قضائيا خادما وإعلاما مساندا وقوى دولية وإقليمية ممولة وقوى ثورية غير متمرسة ومتشتتة على نفسها أنهكتها الصراعات الميدانية والخلافات السياسية.

لتصل مصر إلى ما نراه اليوم من إخراج لمسلسل طويل، لكن المثير فيه أن البطل الحقيقي لم يكن هو البطل الذي ظهر في كل حلقات المسلسل أي عبد الفتاح السيسي، وإنما البطل كان هو نظام مبارك والبطل المزيف هو السيسي عبد الفتاح الذي قدمته دولة مبارك ليغسل عنها كل الجرائم التي ارتكبت في حق المواطنين المصريين من تقتيل واعتقال واختطاف وإقصاء ونفي.

في اعتقادي أن دور السيسي انتهى وأصبح ورقة محروقة والدليل هو تقديمه كرجل الانتخابات والمقصود من ذلك هو تقليم أظافره بعد أن أنجز المهمة بنجاح.