عقدت مجموعة من أطر جماعة العدل والإحسان، وكوادرها العلمية والأكاديمية، لقاء تواصليا مع الدكتور عبد الواحد المتوكل، رئيس الدائرة السياسية، حول موضوع أطروحته التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه. وتميز هذا اللقاء بقراءة في هذه الأطروحة تقدم بها الدكتور محمد الغازي، وتعميما للفائدة ننشر هذه القراءة على ثلاثة أجزاء.

تقديم وانطباعات أولية

تتناول الأطروحة 1 التي بين أيدينا ظروف نشأة جماعة العدل والإحسان في مطلع الثمانينات، وتوضح مواقفها من بعض القضايا المعاصرة المطروحة على الساحتين السياسية والفكرية. وتبرز العوامل المفسرة لسرعة تطورها حتى أضحت أكبر قوة إسلامية بالمغرب بالرغم من كونها تشتغل في ظروف حقوقية صعبة، وتحت استبداد نظام سياسي شمولي منغلق، وتتحرك في مجال اجتماعي سبق إليه فاعلون إسلاميون آخرون قبلها. ثم بعد ذلك تعرض الأطروحة استراتيجية جماعة العدل والإحسان للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب. مبرزة مميزات هده الاستراتيجية، ومبينة الخطوات العملية الكفيلة بوضعها موضع التنفيذ.

وقد اختار الباحث لنفسه منهجا تحليليا علميا أكاديميا يسمى منهج التأويل الحواري)، منبثق عن منهج الهرمينوطيقا العريق في الفلسفة الإغريقية، والتراث المسيحي. والذي تطور مع مارتن هايدغر Heidgger وهانز جورج غادامير Gadamer في إطار النقد الأدبي الأوروبي. ومدار هذا المنهج حول فكرة منطقية مؤداها أن فهم أي ظاهرة اجتماعية على حقيقتها، يستوجب على الباحث أن ينظر إليها ويدرسها من خلال أدبياتها ومفاهيمها التي تعكس نظرتها للعالم من حولها، لا من خلال نظرة الدارس وخلفيته الثقافية. وبناء عليه ففهم أي ظاهرة إسلامية يتطلب استحضار البعد الديني في عملية التحليل باعتباره عاملا محركا أساسيا.

مصادر ومراجع الأطروحة

اعتمد الدارس في بحثه على ترسانة متنوعة وغنية بالمراجع والمصادر. إذ لم يكتف بما هو مكتوب ومنشور من الوثائق، بل تعداه إلى ما هو شفهي ومسجل ومصور. وتعامل مع مراجعه ومصادره بمنهج دقيق حدده لنفسه. هذا المنهج يذكر بطريقة علماء الجرح والتعديل في رصانته، وتمحيصه، وترتيبه لما يقع بين يديه. فالكاتب جمع وقمش ما وسعه ذلك، ثم لما أراد أن يكتب ويحلل نخل وفتش، فأبقى على المفيد الصحيح ورد السقيم الطريح. ونظرة سريعة على قائمة المصادر والمراجع لديه تشهد على ما ذكر.

طالع أيضا  قراءة في أطروحة الدكتور عبد الواحد المتوكل الموسومة بعنوان:العدل والإحسان.. ظروف نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب (3)

وبالإضافة إلى ذلك أورد الباحث مجموعة من الاعتبارات المنهجية للتعامل مع المراجع، الهدف منها حفظ الدارس من الخلط وسوء الفهم وهي كما يلي:

• ضرورة مراعاة التسلسل التاريخي للمصادر من أجل الوقوف على مراحل تطور فكر الإمام ومعرفة آخر موقف له من قضية معينة، بل يدعو الباحث إلى أهمية الانتباه إلى الفروق الموجودة بين طبعات الكتاب الواحد.

• ضرورة الإلمام بالجهاز المفاهيمي للإمام، لأنه رحمه الله يعتمد مفاهيم خاصة حملها مضامين أصيلة معتمدا في ذلك على الأصول الإسلامية.

• ضرورة التمييز بين الثابت والمتغير في أدبيات العدل والإحسان.

• معرفة اللغة العربية لكون أغلب المصادر مكتوبة بها.

هذه النقطة تسوقني مباشرة إلى الحديث عن لغة الأطروحة وأسلوبها.

لغة الأطروحة وأسلوبها

لغة الأطروحة جذابة شيقة، عبارتها علمية واضحة دقيقة، ممزوجة بلغة أدبية رقيقة، لا تخلو من أساليب بلاغية رائقة، بعضها مأخوذ من الأساليب البلاغية المعروفة في الكتابة الإنجليزية، وبعضها الآخر – وهنا مكمن الإبداع – مقتبس من الأساليب البلاغية العربية الأصيلة أدرجها الباحث في الأساليب البلاغية الانجليزية إدراجا سلسا متجانسا.

أصدقكم القول، ليس هذا إطراء ومجاملة للكاتب، ولكنها الحقيقة التي وقفت عليها، واللغة التي استفدت منها. فقد اكتشفت أن الدكتور عبد الواحد المتوكل دو نفس طويل في مناقشة الأطروحات وتحيلها، وتفكيك النظريات وإعادة تركيبها، وتلخيص كل ذلك واستخلاص المفيد منه، فلا يتركك إلا وقد اتضحت لديك الرؤية وبلغك مقصده من الكلام. يسعى جاهدا لإفهامك مراده، ولا يسعى لإقناعك أن تتبنى رأيه.

بعد هذه النظرة الإجمالية نعرج على الأطروحة بما تيسر من التفصيل.

أولا- عنوان الأطروحة

الترجمة الحرفية لعنوان الأطروحة هو: العدل والإحسان: تفسير نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب).

قد تلاحظون أن كلمة سقطت من العنوان، وتلك الكلمة هي “جماعة”. فالأطروحة تتحدث عن العدل والإحسان باعتبارها تنظيما دعويا لا باعتبارها شعارا لحركة إسلامية. وأظن أن الكاتب أسقط كلمة جماعة من العنوان لصعوبة إيجاد مقابل لها بالإنجليزية. فترجمة كلمة جماعة ب Movement كما هو متداول في كثير من المراجع يعد في نظري وربما في نظر الدكتور المتوكل ترجمة غير مناسبة وتعطي إيحاء بتنظيم هلامي غير منظم، عكس ما هو متضمن في كلمة “جماعة”.

طالع أيضا  قراءة في أطروحة الدكتور عبد الواحد المتوكل الموسومة بعنوان: العدل والإحسان..ظروف نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب (2)

وترجمتها بعبارة Group يوحي بأنها مجموعة صغيرة، والجماعة أكبر من ذلك. وترجمتها بكلمة Association يجعلها كأي جمعية من جمعيات المجتمع المدني. كل هده الترجمات إذن لا تعكس المعنى الحقيقي لكلمة “جماعة” ولذلك فضل الكاتب إسقاطها من العنوان المترجم بالكل.

ثانيا- دوافع الكتابة عن العدل والإحسان؟

أورد الباحث هذا السؤال في مستهل رسالته، فأجاب عنه بأن ما كتب عن جماعة العدل والإحسان قليل، وهذا القليل تشوبه كثير من النقائص سببها ظروف الكتابة، أو زمنها، أو المصادر المعتمدة. فبعض الدارسين يكتفون بما كتبه المغرضون. والبعض الآخر لا يتقن اللغة العربية فيلجأ إلى ما يكتبه الأجانب ولا يكلف نفسه عناء الرجوع إلى الأصل، أو يكتفي بما هو مترجم من كتب الإمام وهي قليلة، فلا تكتمل لديه الصورة عن الموضوع الذي يدرسه.

ثم التعميم المخل الذي تعاني منه الدراسات السابقة، إذ كثير من الباحثين ينظرون إلى الحركات الإسلامية على أنها كتلة بشرية متجانسة وحركة تغييريه متشابهة. تمتح مت نفس المصادر وتعتمد نفس المناهج ولها نفس الأفهام، وتسعى لتحقيق نفس الأهداف، ولا تختلف في شيء ما خلا الأسماء والعناوين. وبذلك يكتفي الباحثون بالاعتماد على عينات من الحركة الإسلامية بالمشرق فيسحبون ما يصلون إليه على المغرب.

وسبب آخر لم يفصح عنه الكاتب في أطروحته بل ذكره لي مرة حين طرحت عليه السؤال نفسه فأجاب حفظه الله قائلا: لا نريد أن نحرث في أرض غيرنا). ولعمري فهذه عبارة معبرة. تنبئ عن معنى من معاني الأنفة والاعتزاز لدى “عَبْدِيٍّ” (نسبة إلى منطقة عَبْدَة) يعرف معنى الحرث، واختلطت بلحمه ودمه رائحة أرضه، ويقدر عاليا معنى أن يحرث المرء في أرضه وأرض أجداده، لا أن يكون عالة على غيره.

الباحث

وهنا أخلص إلى الباحث، فالأستاذ عبد الواحد المتوكل رجل ملحاح، إذا هم بشيء اتخذ له كل الأسباب. رجل كله طاقة ويقدر الطاقات، ولا يُعد رجلا في نظره (كما قال مرة) من لا يقدر الطاقات ويشجعها.

طالع أيضا  قراءة في أطروحة الدكتور عبد الواحد المتوكل الموسومة بعنوان:العدل والإحسان.. ظروف نشأتها واستراتيجيتها للتغيير الاجتماعي والسياسي بالمغرب (3)

الباحث أب لخمسة أبناء وجد لستة أحفاد. وهو رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. لكن مع كل علائقه الاجتماعية، وارتباطاته الأسرية، ومهامه التنظيمية الدعوية سعى بكل جد لاستكمال دراسته. هل كانت رغبته تلك طمعا في ترقية إدارية، أو حظوة اجتماعية، أو وظيفة جديدة؟ لو كان شابا يافعا لجاز أن نظن به ذلك، لكنه حفظه الله في مرحلة عمرية لا تسعفه لتحقيق هذه المآرب وإن أراد. والسبب إذن وراء خوض غمار هاته التجربة (كما ذكر في فقرة الشكر والتقدير لرسالته) السبب هو طلب العلم والمعرفة. ذكر هذا السبب في معرض إجابته عن سؤال سأله إياه أحد أساتذته لما لاحظ فرق السن الذي بينه وبين بقية الطلاب. ابتسم الأستاذ ابتسامة عريضة لجواب سيد عبد الواحد، وابتسم الأستاذ عبد الواحد لابتسامة الأستاذ. ترى كيف ينبغي أن تكون ردة فعلنا نحن؟ هل بابتسامة ثالثة ثم نمر؟


[1] أعدت هذه الأطروحة من قبل الأستاذ عبد الواحد المتوكل لنيل شهادة الدكتوراة بجامعة Exeter ببريطانيا. ونظرا لأهمية الموضوع ولجودة العمل الأكاديمي الذي قام به الباحث فقد أوصت لجنة المناقشة بطبعها.\