تقديم: غربة في الوطن

أن تحس بغصة الغربة وأنت خارج أحضان الوطن، أمر عهده كثير من الناس، الذين اعتذر لهم الوطن لأنه لم يجد لهم مكانا آمنا يضمن كرامتهم بين جحافل المنتهزين، لكن ما لا تستسيغه الإنسانية السليمة، أن تكون غريبا وأنت في وطنك، وبين أهلك وأبناء وطنك، تلك هي قضية كل داعية شريف يا سادة، أبى أن يستظل تحت أي عباءة غير عباءة الإخلاص للوطن والأمة.

فالمواطنة كما تعارفت عليها البشرية منذ الحضارة الإغريقية والرومانية إلى الآن، هو انتماء إلى أمة ووطن، بعضوية كاملة ومتساوية، لها حقوق وعليها واجبات، بدون أدنى تمييز يقوم على معايير دينية أو جنسية أو سياسية أو فكرية.

لكن العجب العجاب، ويا للمفارقة، أن يطرد أقرب الناس إلى هوية الأمة – الأمة المسلمة – الدعاة، من كل المنابر، التي تخولها لهم قوانين الأرض والسماء، لا لشيء شيء، إلا لأنم، أبوا أن يلبسوا عباءة، لا تناسب عزة مبادئهم، وسلوك مدرستهم النبوية. عباءة اسمها “الإسلام الرسمي”.

أخرجوهم من أحزابكم

إن كنت داعية حرا، في وطننا، تتقدم لتأسيس حزب، وقد استوفيت شروطا نصت عليها قوانينهم، رغم علتها ومقاسها، لم يستوف من سبقوك من أحزاب الولاء حتى عشرها، فيستفتونك عن ملف من نوع خاص، كأن يسألونك مثلا عن فصيلة دمك، هل هي من النوع الحار أم البارد، وعن هوية جدك العاشر، لأن العرق دساس، وعن المدرسة التي تتلمذت فيها، وعن درجة ولائك طبعا… ثم ختاما، بما أنك صادق لا تعرف الكذب، يصدرون حكمهم العاجل أن: أخرجوهم من لائحة أحزابكم!

أخرجوهم من إعلامكم

ولحسن إخلاصك ووفائك للوطن، تطرق باب الإعلام، مؤمنا بشرعية مقصدك ونبل رسالتك، لعلك تجد زاوية تفرغ فيها كبت قلمك، وما يخالج سويداء قلبك من آهات الوطن وأبنائه، الذين أخذوا على غرة، لعلك تجد نافذة تطل منها على الناس، تبلغهم رسالة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولعلمك المسبق بأن وسائل الإعلام العمومية لا حظ فيها للمناوئين، ولو اقتطعوا رغما عنهم، جزءا من عرق جبينهم، لأداء رسوم إعلام الوطن، وأن إذاعة أو قناة حرة من رابع المستحيلات، فلتلجأ إلى صحيفة ورقية، فيسألونك: من أي مدرسة خرجت؟ وهل حصلت على شهادة حسن السلوك، اسمها الرقابة الذاتية؟ وما الهوية المتوقعة للمشاركين في التحرير؟ وما هي الموضوعات التي تنوون إثارتها في نشرتكم هذه؟ وما هي الأبواب والنوافذ والممرات و… و… التي صممتموها لوليدكم الجديد؟ وهل تنوون إجراء تحقيقات في أحداث مثلا؟ نحن في زمن التخصص، لماذا لا تخصصون صحيفتكم للبيئة الوديعة مثلا؟ وبما أنك تصاب بالدهشة والارتباك من أسئلة لم تتوقعها، يحكم عليك بالإخفاق في الاختبار الشفوي، فيأتي أمر لا راد لقضائه أن: أخرجوهم من إعلامكم!

أخرجوهم من جمعياتكم

ويلتف حولك المستضعفون ثالثة، يستنجدون بك لتلم شعثهم في جمعية خيرية، تحمل كلهم، وتكسب معدومهم، وتعينهم على نوائب الدهر، وقواصم الجهل، وبعدما تقضي أياما على أعتاب المقاطعات، تجمع الوثائق بأشكالها وألوانها، مؤديا رسومها المجحفة، فتغدو وتروح، وتصبح وتمسي، وقد أوشكت على فقدان صبرك، من كثرة الاستدراكات، والتأجيلات، والتغييرات، والتنقلات، فتحزم حقيبة أوراقك أخيرا، وبمجرد دخولك حرم الإدارة المعنية، تشعر بذبيب غربة الوطن تلاحقك وأنت بين أحضانه، يقلبون الأوراق في مسرحية هزلية، وبعدما يشخصون أبصارهم في طلعتك، تجد المسؤول يضرب كفا بكف، ويعتذر عن إمساك الملف ضدا على القانون وحق المواطنة، وبمجرد مكالمة هاتفية من هنا وهناك، يجمعون أمرهم أن: أخرجوهم من لائحة جمعياتكم!

أخرجوهم من مساجدكم

تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتحس بأنك في سجن كبير، اسمه الوطن، فتلجأ إلى بيت الله، توقظ قلوب العباد بالحكمة والموعظة الحسنة، فيأتيك نبأ قران هجين بين الأوقاف والداخلية، فيغدوا مصبحين لـــ (تطهير) المساجد من كل من ثقل لسانه عن المدح والتبجيل، ومباركة الفساد، فيجلبون عليك برجلهم وخيلهم دون هوادة، وبحسن (نيتهم)، و(نبل قصدهم)، يستفتونك بداية بأدب جم:

– أحاصل على تزكية؟

– فترد بحسن نية: ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى، فتعلو وجه السائل ابتسامة صفراء، يحسبها الجاهل صدقة من أخ في وجه أخيه.

– فيستدرك مفسرا: حرصا على التأهيل الأفضل للوعاظ والخطباء، وإتاحة فرصة أكبر للعاطلين والعاطلات، من ذوي شهادات (الثقافة الإسلامية)، وطلبة القرآن، وحرصا على استفادة أكبر قدر ممكن من (رواد المساجد)، فقد تقررمنحكم وثيقة (تزكية)، من المندوبية التابعة لوزارة الأوقاف، ولا يلزمك غير تقديم نفسك، وإبداء رغبتك.

فتشد الرحال إلى حيث أشاروا عليك، إبداء منك لحسن نية، وصدق طوية، وبمجرد وقوفك أمام المسؤول، تحس أنك طالب إحسان، ويتطلع إليك بنظرات كلها ريب وشك، فتعرف المصير والجواب من اللقاء الأول أن: أخرجوهم من مساجدكم!

إنهم أناس يتطهرون

أوقفت طوافي، لأنه أضحى عبثا في عبث، وتقصيت الخبر عن علة هذا الإقصاء الممنهج لخيرة أبناء الوطن، سلوكا وفكرا ومنهجا ووطنية؟ لماذا يستهدف الدعاة الصادقون؟ أليس هذا تلاعب بمصير الوطن؟ وحق المواطنة؟ لكنني أدركت دون عناء، وفقا لسنة الله الجارية، أن كبرياء الفساد، يأبى أن يخدش بين يدي الحق، وأن المناوئين لدعاة الرسالة السمحة في صفائها وسماحتها، يعلمون صدقهم، وبراءتهم، وإخلاصهم لوطنهم، كما يعلمون مكانتهم في قلوب شعوبهم، وصناديقهم الانتخابية – التي بدأوا يكفرون بها – خير دليل، لكن اختلفت الغايات والمبادئ، فتضاربت المصالح الشخصية مع مصلحة الأمة، والنزوات الحيوانية مع مطالب العدل والعفاف، فليس من سبيل للغالب بسطوة السلطة والمال، إلا أن ينهج، سنن من قبله، من قوم لوط عليه السلام، يوم أن دعوا لطرده من بينهم، ويا لغباوة حجتهم، إنه والمؤمنين أناس يتطهرون، ليكون المسكوت عنهم ضمنا، ونحن قوم مفسدون، فكان القرار:

أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون.

فنعمت الطهارة هي، رضينا بالخروج إلى حين، وسحقا للفساد والمفسدين.