لا يخفى على المتتبع الفطن أن هناك حراكا سياسيا غير مسبوق في الساحة السياسية، حيث شمل هذه المرة فاعلين جددا، ووصل مداه لقطاعات حيوية واستراتيجية مختلفة، قطاعات طالها الحيف وشملها الإقصاء نتيجة مختلف السياسات العامة والرسمية غير الرشيدة، حيث إن نتائج بعضها بدأ أثره فعلا وبشكل فوري ومباشر على فئات عريضة من البنية المجتمعية، خصوصا وأن الخطاب الرسمي سوق للاستثناء المغربي بشكل مفرط في الداخل والخارج، كما قام بالدعاية لدستور جديد “يقطع مع دساتير الماضي”.

كل هذا وغيره، يدفع المحلل الفاحص للمشهد السياسي برمته، إلى الوصول إلى نتائج منها، أن المغرب يعيش أزمة حكم وليست أزمة حكومة… حيث إن هناك جعجعة ولا أثر لطحين، وإن لغة الأرقام والوعود الانتخابية للمرة الألف لا تقنع حتى أصحابها لأنهم حقا ليسوا أصحاب قرار، ولأنهم فوتوا على المغاربة فرصة تغيير أثمرت نتائجه في دول ديمقراطية، رفضت الفساد ونبذت الاستبداد..

وحتى لا يكون كلامنا انطباعيا وعاما ومتجنيا، أقترح أن نتحدث بلغة الأرقام الحقيقية، نسلط سريعا الضوء على تجربة رائدة للنهضة الحقيقية، إنها التجربة التركية، تجربة تحاكي تجربتنا، طبعا في مظاهر الأزمة وعمق تجذر الفساد قبل مجيء حكومة السيد رجب طيب أردوغان وحزبه، حيث نجد أن تصنيف تركيا سنة 2002 بين الدول كانت في المرتبة 111، إلا أنها أصبحت سنة 2011 في المرتبة 16 عالميا، وتطمح الدولة التركية بمناسبة احتفالات الاستقلال في الذكرى المئوية سنة 2023 الوصول للمرتبة 10 ضمن أقوى الاقتصادات العشر عالميا، كما أن الدخل السنوي الفردي تضاعف أيضا، حيث إنه في سنة 2002 كان 2700 دولار أمريكي، في حين في سنة 2011 بلغ 11000 دولار أمريكي، في أفق أن يصل سنة 2023 لمبلغ 25000 ألف دولار، ونختم بالحديث عن التعليم – لأن الحديث قد يطول بنا حقا، وقد أفرد له بحثا خاصا قريبا – حيث إن تركيا كانت تتوفر سنة 2002 على 76 جامعة، لتصل سنة 2011 لما يناهز 176 جامعة، كما أن عدد الجامعات بمدينة اسطنبول يتجاوز 42 جامعة، وهنا نتحدث طبعا عن جامعات حقيقية ومصنفة ومتخصصة، هذا دون أن ننسى أن نتحدث أن الحكومة التركية تهدف بمناسبة الذكرى المئوية للاستقلال لسنة 2023 لتفرغ أكثر من 300 ألف باحث متخصص. نعم، ليس هناك أي خطإ، 300 ألف باحث متخصص، مع العلم أن الجامعات التركية مصنفة ضمن 400 جامعة المصنفة عالميا… هذا دون أن نغفل الإنجاز الكبير بتحرير القرار الاقتصادي التركي، وذلك من خلال تسديد جميع الدين الخارجي في ظرف عقد فقط من الزمن السياسي، لتتحول تركيا إلى دولة مقرضة للمؤسسات المالية الدولية…

بعد هذا التقديم، نجد للأسف الشديد، أن المعني بتحليل تفاعل المشهد السياسي لا يحسن قراءة مؤشرات المرحلة ولا الانعكاسات السلبية لسياسياته العامة، على جميع المستويات القريبة أو المتوسطة أو البعيدة. من هذا المطلق جاء تقدير الموقف السياسي هذا ليقارب الموضوع بكل هدوء وموضوعية. فما هي أهم معالم قصور الرؤية الرسمية؟ وما هي مخرجات الأزمة؟

1. رياح الربيع العربي لم تغادر المنطقة العربية، مع العلم أن توقعات مؤسسات الرصد الجوي، توحي جميع إحصاءاتها ومؤشراتها وخرائطها، بأن رياحا عاتية مصحوبة بأمطار عاصفية قد تلوح في الأفق لا قدر الله… وأن سحبا كثيفة من انعدام الثقة، ومصادرة الحقوق وتراجع الحريات، وضرب القدرة الشرائية، وصولا إلى تراجع قياسي في جميع مؤشرات النمو والتنمية.. يظل سيد الموقف..

2. ضعف الذاكرة الجماعية للمؤسسات الرسمية، وذلك نتيجة غياب القدرة على التوقع، وغياب القدرة على تقدير الموقف، بالإضافة إلى القصور التام في استخدام أدوات التحليل السياسي، أو قراءة مؤشرات التفاعل الدولية والإقليمية …

3. تغول الأجهزة الرسمية في مقابل مأسسة الانحباس السياسي وهيكلة الانسداد السياسي.. وهو جزء مما وقفت عليه جل التقارير الدولية الرسمية، سواء منها المتعلقة بحقوق الإنسان مثل تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2013 المتعلق بتنامي ظاهرة التعذيب في مؤسسات الاحتجاز الرسمية أو غيرها، بل انتقاله إلى مستوى التعذيب الممنهج الرسمي، أو التقارير المعنية بحرية التعبير والصحافة، آخرها قرار رفض تسلم الملف القانوني لجميعة “الحرية الآن” من قبل ولاية العاصمة الرباط بدعوى وجود تعليمات عليا بذلك، بالإضافة إلى تقارير مختلفة أخرى، مثل تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، أو تقرير الشفافية والفساد الدولي، والتي تكتفي بعض الجهات الرسمية بالتشكي والتبرير بالقول عنها إنها تقارير غير موضوعية ومجحفة..

4. فشل التسويق لدستور 2011، الذي أبرز بقوة فشل المقاربة الرسمية المبنية على الاحتواء والالتفاف والانحناء للعاصفة، حيث ظهر للعلن التوجه الرسمي المفرغ للوثيقة الرسمية من مضامنيها، فأصبح كل المعنيين بها، ومن بشر بها، ومن شارك فيها، أمام أزمة حقيقة، حيث تراجع سقف التوقعات من دستور ديمقراطي، إلى الاكتفاء بالمطالبة بتأويل ديمقراطي للدستور فقط..

5. إيجابيات الاصطفاف السياسي والحقوقي بين مكونات المشهد الحقوقي والسياسي وأبرز فاعليه، وذلك في أفق التهييء لأجواء ايجابية، لبناء الثقة وتقريب وجهات النظر، بخصوص طبيعة مدخلات الأزمة في المغرب ومخرجاتها. فرقاء يحسنون قراءة المؤشرات واستخلاص العبر من تجارب الحراك المغربي، مع استخلاص الدروس من تجارب الحراك والتغيير في المحيط والجوار بجميع تفاعلاته وانعكاساته ونتائجه…

6. لابد لكل الفاعلين من التخلي عن الذاتية والتقوقع في الحزبية الضيقة، كما عليهم التحلي بالرؤية الاستراتيجية، والأفق الاستشرافي…

7. النسق السياسي الرسمي معني بقوة باعتماد مقاربات جديدة في تدبير المشهد السياسي، كما أنه معني باعتماد التغيير الاختياري المبني على الحوار وحسن قراءة التحولات الاستراتيجية دوليا واقليميا ومحليا، حيث إن كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، لم تعد تسمح له كما كان الحال في الماضي، بربح مزيد من الوقت قد يصل لسنوات، في حين أنه معني بتدشين لحظة تاريخية تكون فيها المصلحة الأولى للوطن، وطن للجميع، وطن يحقق التنمية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية …

هذه القراءة ليست متشائمة ولا حالمة، إنها بكل بساطة قراءة واقعية وصادقة، قراءة تريد أن يكون الوطن لجميع أبنائه، قراءة تريد تغييرا حقيقيا، مشاركة حقيقية وتوافقية لتدبير المرحلة الانتقالية، وليس مغالبة مبنية على قوة عددية لهذا الطرف أو ذلك…

يا ترى من سيحظى بهذا الشرف الرفيع، وهذا القرار التاريخي؟ نسأل الله تعالى أن نكون من هذا الجيل… حفظ الله تعالى بلدنا وألهمنا جميعا الحكمة والسداد…