ماهية المشروع المخزني

يملك النظام المغربي/المخزن مشروعا استراتيجيا هو البقاء إلى الأبد جاثما على صدر الشعب المغربي، يحتكر السلطة والثروة، ويتحكم في الصغيرة والكبيرة، ويتخذ القرارات المصيرية، ويتغلغل وسط الناس رغبا ورهبا. وهذا المشروع يستمد قوته من ضعف الشعب وغفلته وانشغاله بالقضايا الهامشية. وكل ما يمكن أن يخدم هذا المشروع يسعى المخزن إلى استدعائه وتوظيفه حلالا كان أم حراما، فيضفي عليه المشروعية ويكسبه الأهمية ويصنع له جمهورا ومدافعين ومحتضنين ومعبئين ومنتفعين. ومن الآليات الأساسية التي تلهي الجماهير الشعبية عن قضاياها المصيرية ومطالبها الملحة كالحرية والكرامة والعدالة، يوظف المخزن المهرجانات، ومنها على وجه الخصوص مهرجان “موازين” الذي اكتسب “المشروعية” وأصبج من “المقدسات” من خلال ارتباطه المباشر بأعلى سلطة في البلاد رعايةً “سامية” وعناية حانيةً على الضيوف والمدعوين، فضلا عن تنظيمه من قبل جمعية يترأسها شخص يشغل منصب رئيس الكتابة الخاصة للملك، مما يثبت أهميته في المشروع المخزني.

“موازين” آلية من آليات خدمة المشروع المخزني

لطالما وقفت فئات من الشعب المغربي تندد ب”مهرجان موازين” وتدعوا لإلغائه بحجج أخلاقية واقتصادية رافعة شعار “فلوس الشعب فين مشات في موازين والحفلات”، لأنه مصدر لإفساد أخلاق المجتمع المغربي وخصوصا الشباب وإلهاء المتعلمين منهم في أيام الامتحانات، ما دام مرتعا لكل من نال الشهرة “العالمية” باسم “الفن” تتردد معظم البلدان العربية في استقبالهم، لكنهم يجدون عندنا المحضن والاستقبال والحظوة ومكافآت بملايين الدولارات التي تُؤخذ من جيوبنا، ويكون بذلك مصدرا لتبذير الأموال الطائلة في ظروف تشتكي فيها الحكومات المتعاقبة من قِصر ذات اليد مبررة ذلك بالجفاف تارة وبالأزمة العالمية تارة أخرى. ويتساءل الناس البسطاء: لِم كل هذا التبذير، وماذا نستفيد من مثل هكذا مهرجانات، ولماذا يتجاهل المخزن تذمرنا؟

“ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”؛ هذه قاعدة فقهية يعمل بمقتضاها المخزن، فإلهاء الشعب – الشباب خاصة – وتغفيله وتجهيله وإبعاده عن التفكير في القضايا الأساسية “واجب” لا يتم إلا بتوظيف آليات من قبيل هذه المهرجانات “الواجبة” التي يسعى الواقفون من ورائها إلى تحقيق هدفين أساسيين:

هدف داخلي: يتمثل في ما تمت الإشارة إليه سلفا من كون هذا المهرجان جزء من سياسة الإلهاء الممنهجة لإبقاء الشعب في “دار غفلون” ولهذا يحاط “موازين” بهالة إعلامية وإشهارية كبرى قبل وطيلة أيام تنظيمه، تصل إلى حد توظيف رسائل الsms.

إلهاء الشعوب لم يعد لعبة يلعبها حكام الجور بل أصبح صناعة يخطَط لها وتُرصَد من أجل نجاحها الأموال وتقام لها الدراسات والإستراتيجيات بعيدة المدى.

هدف خارجي: مرتبط بالترويج لـبالونات “الحداثة المغربية” و”تعدد الثقافات” و”التسامح والانفتاح” و”الانتصار للفن والإبداع” وإرسال رسائل “إيجابية” للخارج الغربي مفادها أن المغرب بعيد عن ثقافة “التطرف” ومنفتح على ثقافات العالم، وهذا – في اعتقاد المخزن – يضمن للمغرب صورة حضارية نموذجية في محيطه العربي والإسلامي. إلا أن التقارير الصادرة عن هذا الخارج تضع المغرب في أسفل الترتيب في كل ما له علاقة بالتنمية وحقوق الإنسان.

فهل بمثل هذه المهرجانات يمكن تحسين صورتنا في الخارج؟

لكن يبقى الهدف الأساس من مثل هذه المهرجانات هو إلهاء الشباب وتكريس الميوعة والانحراف الفني والأخلاقي ليسهل التسلط والاستبداد.

أما بعد…

إن الاهتمام بالفن والثقافة والترفيه جزء لا يتجزأ من التنمية الشاملة لكل أمة من الأمم، لكن في إطار مشروع مجتمعي متكامل منبثق عن هوية هذه الأمة وإرادتها الحرة، يهدف إلى تكريم الإنسان روحا وعقلا وجسدا. لكن القائمين على أمرنا في هذا البلد لا يسعون سوى للبقاء مهما كان الثمن وبأية وسائل، لكن “لا يدركون” أنهم يخربون الإنسان ويدمرون البلد، ولا يرون أن الفساد إذا استفحل سيعم الجميع ويبدأ بالمستبدين أولا. يقول عبد الرحمان الكواكبي في كتابه الشهير (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): ﻗﺪ اﺗﻔﻖَ اﻟﺤﻜﻤﺎء اﻟﺬﻳﻦ أﻛﺮﻣﻬﻢ ﷲ ﺗﻌﺎلى ﺑﻮﻇﻴﻔﺔ اﻷﺧﺬ ﺑﻴﺪ اﻷﻣﻢ في ﺑﺤﺜﻬﻢ ﻋﻦ المُهلكات والمُنجيات، ﻋلى أن ﻓﺴﺎد اﻷﺧﻼق ﻳُﺨﺮج اﻷﻣﻢ ﻋﻦ أن ﺗﻜﻮن ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺨﻄﺎب… وذَﻛَﺮوا أن ﻓﺴﺎد اﻷﺧﻼق ﻳَﻌُﻢ المستبد وأﻋﻮاﻧﻪ وﻋﻤﺎﻟﻪ، ﺛﻢ ﻳﺪﺧُﻞ ﺑﺎﻟﻌﺪوى إلى ﻛﻞ اﻟﺒﻴﻮت، ﻻﺳﻴﻤﺎ ﺑﻴﻮت اﻟﻄﺒﻘﺎت اﻟﻌﻠﻴﺎ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﺑﻬﺎ اﻟﺴﻔلى. وﻫﻜﺬا ﻳﻐﺸﻮاﻟﻔﺴﺎد وﺗُﻤسي اﻷﻣﺔ ﻳَﺒﻜﻴﻬﺎ المحب وﻳَﺸﻤﺖ ﺑﻬﺎ اﻟﻌﺪو، وﺗَﺒﻴﺖ وداؤﻫﺎ ﻋَﻴﺎءٌ ﻳﺘﻌﺎصى على اﻟﺪواء)” نسأل الله العافية.