بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرحمة المهداة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وبعد، فإن المقرئ الإدريسي أبا زيد هو جبل يحبنا ونحبه تشرب خلق الرحمة تجريدا فأنزله تجسيدا وخطابة ووعظا وتحريرا وتحبيرا ودعوة وتحاورا لاسيما مع المخالف… والحق أن بعث خلق الرحمة من وأد الاندراس ولحد الانطماس والأفول من بعض الناس خاصة في وقت اشتد فيه أوار القسوة والعصبية والأنانية والطائفية والحروب المتسعرة واستئصال المخالف ونبذ المستضعف عالميا لهي صرخة حقيقية من عالم الصفاء والقيم والإنسانية بحيث إنها تعالت عن أزمنة العنف والرهاب والعصاب والاستلاب الإنساني …

ذلك أن الرحمة إنما هي عماد نسق الرؤية القرآنية للوجود، بل هي عنصر مركزي في نسق الدين تتوزع صفحات القرآن لتصل ثلاثمائة وأربعين موقعا لتكاد تكون بعدد أيام السنة كما قال المفكر الإدريسي… ولكم استهوانا عرض الرحمة على بساط التحقيق لها مبنى ومعنى، بل هي إن ثمرة الخير أو المصلحة إنما تتأسس على الرحمة تعليلا، لاسيما وإن المعاني السامية في القرآن إنما هي دائرة في فلك الرحمة بحيث إنها تنبري أملا للعصاة ونجاة للتائبين المقصرين …

ثم إن هذه الرحمة غير مقتصرة على الذات المسلمة فحسب بل هي متعدية إلى الطوائف البشرية كلها على اختلاف توجهاتهم وتصوراتهم وأعراقهم… لتكون الرحمة الإلهية شاملة للإنسان كل الإنسان.

هذا على مستوى التأصيل النظري لذلك الخلق الرفيع… لكن الرحمة عند مفكرنا عند التنزيل قد اصطدمت مع الجهاد العسكري المشوب بالقسوة في مواجهة سافرة مع الصائلين والمعتدين، ولطالما ولغ المستشرقون والحاقدون في شبه واستندوا على بعض الأحداث لوسم التصور الإسلامي بالابتعاد عن خلق الرحمة مدعين أن الإسلام إنما انتشر عن طريق القوة والقسوة والسيف وإجبار المغلوب على الرضوخ لدين الغالب… لكنه رجوعا إلى ماهية الإنسان وفطرته المركوزة في نفسه تأبى أن يتوحل الإنسان في خضخاض العنف والدماء خاصة وإن الأحكام الشرعية قد أسست في جوهرها على تلك الفطر السليمة ولم تضادها أو تعاكسها بل إنها قد تناغمت معها اتساقا وتساوقا.

وفي السياق التاريخي واعتمادا على الأصح من الروايات يتبين لنا أن الإذن بالقتال إنما كان دفاعا عن سطوة الصائلين العابدين للقوة في زمن حضارة القوة فكان بداهة رد الاعتداء على الاعتداء وطرد الصائل بالمثل…

والمتأمل في خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من بعده في ديدن الجهاد يلفيهم مسجين بمرط الرحمة والتودد للخلق والتعامل الكريم مع الأسرى وإيجاد حلول لأعراف عالمية وضعت أركانا للتعامل العسكري في تلك اللحظات كالسبي والاستعباد… والمستقرئ للنصوص القرآنية تجدها محفزة الناس للتحرر وتحرير الأرقاء من أغلال وقيود الاستعباد التي فرضتها تلك الأعراف العسكرية العالمية… لذلك خلص الإدريسي إلى حقيقة ناصعة في جبين التصور الإسلامي وهي أن مشروع الإسلام إنما هو مشروع مدني سلمي ولم يكن أبدا مشروعا عسكريا… بخلاف ثقافة الغرب التي بنيت على الاستئصال والإبادة والتضحية بالآخر إن على مستوى نصوص يشوع والأساطير الصهيونية أو على مستوى نزعة مادية داروينية مبنية على إبادة الأضعف وفرض سطوة بلشفية بسكاكين طويلة …

وهذه الرحمة الربانية كانت سببا حقيقيا في أن يغذو الدين الحامل لها عالميا متناغما مع الفطر السليمة ومتماهيا مع القيم الإنسانية وهي على الغالب قيم كونية… بل هي الكابحة لجماح المفسدين بحيث إنهم إذا أرادوا نشر قسوتهم وعنفهم وإرهابهم فإنهم لابد وأن يستندوا على قيم إسلامية كونية مبثوثة في القرآن والسنة كتحرير الشعوب وحمايتها وإسعادها …

وتجلي تلك العالمية تكون عند مفكرنا بأن الإله إنما هو إله واحد مباين لما دأبت عليه الديانات التي أرادت قصره على طائفتها وجعلت الشأن الديني رهينا بفكرها وتصورها ومن ثم تعالت على المخالف ونظرت إليه نظرة ازدراء وانتقاص واحتقار.

ثم إن النصوص القرآنية إنما هي نصوص عامة في الغالب مترفعة عن تخصيص فرد أو قوم بشيء دون عامة الناس وكليتهم بل إنه مخاطب للإنسان كل إنسان، فجاءت السياقات القرآنية متوجهة للناس كل الناس وفي ذلك انعتاق من ربقة التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا ليسبح في فضاء المواقف والأعمال والاختيارات…

إنما هي ثلاث مجموعات كما يقول تؤطر الصنف الإنساني سواء كان في الزمن الغابر أو الحاضر وهم الذين آمنوا والذين كفروا والذين نافقوا كما فصل في ذلك الشهيد صاحب الظلال في تفسيره لبداية سورة البقرة…

والعالمية سعة الإنسان للآخر بقبوله وقبول الاختلاف معه… وإن حصل التمايز بين الديانات ذاك التمايز لن يؤسس أبدا على الإقصاء والتهجير والتعالي والحكم على المخالف بل إنه مبني على التصحيح الحقيقي لما اعوج عند الآخر ولفعل الانسان التحريفي للأصول التي صدقها القرآن …

ثم إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفهوم مختلفة من بعض أصحابه لهو دليل على استيعاب الاجتهادات المتعددة للنص سواء كان استنباطا حرفيا أو مقاصديا… لأن الاجتهاد هو دائر بين ثنائية الصواب والخطأ لا دائرة الحق والباطل…

لاريب أن الآخر هو حاضر في التصور الإسلامي وواقع ولن يلغى، لذلك كان التدبير التعايشي معه قائما على التفاهم، والتحاور والتعاون…

وبعد الطرح الرصين الذي بسطه مفكرنا بين أيدينا فإن هناك تساؤلات ملحة تنثال علينا لنطرحها وهي أسئلة جعلناها تدور في فلك ثنائية: الذات والآخر فقط.

– ففيما يخص الذات المسجاة بخلق الرحمة لن تقبع في ذاتها بل إنها ترنو إشاعتها إلى الآخر، ذاك الآخر المراد تحريره من أغلال الأرباب والكبراء والأسياد برؤية سيد قطب رحمه الله للجهاد، إذ هو ينظر رحمه الله دوما إلى الآخر ومدى التزامه بالحاكمية وسريانها في الوجود… مما يفضي حتما إلى أن الجهاد بمعناه القتالي هو متعد إلى الآخر الباغي وهاجم عليه مما يناقض مسألة الحرب الدفاعية، لذلك كيف يمكن التوفيق بين حروب دفاعية لازمة وحروب تحريرية متعدية. بتصور أن الجهاد شرع من أجل أن يتحرر الإنسان ويتمتع باختيار عقدي لإعطاء فرصة الاختيار بعيدا عن نظام مستبد يحرمهم من ذلك.

– ولم لا تفتح مغاليق الاختيار العقدي عن طريق وضع الأفكار على بساط الجدل والتناظر والحكمة والتحاور، وهي وسيلة أرقى من وسيلة الجهاد التحريري للمستضعفين من قبل الأرباب المتسلطين…

– ثم إذا تحدثنا عن الآخر وتحريره من قبل ذات فإن ذلك يعني بداهة قيام ذات في الوجود بخصائصها وأصالتها وحركتها التاريخية… لكن حينما نتوجه إليها رأسا لطبعها بمنظور نسبي كانتفائها كلية بدعوى العموم القرآني… ألا يصيرها ذلك كما هلاميا لا جغرافية له ولا تاريخ… إذ ليس هناك قبائل ولا أشخاص ولا مناطق ولا دول ولا طوائف ولا نحل ولا أجناس ولا ألوان ولا شعوب ولا جماعات ولا أقوام ولا سلالات….

– ألست الذات التي أرادت أن تنشر الرحمة إلى الآخر ذات كائنة مستقلة، بل الذات التي حكمت أوروبا إنما كانت هي ذات مجاهدة قائمة بذاتها… مما يستدعي التفكير في إقامتها وترسيخ المبادئ والقيم فيها لتغذو محررة للبشرية عن طريق المحبة والحوار واللطف؟

– ثم إذا كانت عبادة القوة لم تنقطع أبدا منذ قرون فائتة ومازالت وما طرأ في هذا العصر من استعمار لبلدان ونهب لخيراتها وتغيير لمعالمها وتاريخها وعمقها القيمي في الوجود… ألا يستدعي ذلك بناء ذات وإن كانت منزوية في مكان: بناء عام يطول مجالات الحياة كلها تربية وسياسة واقتصادا واجتماعا وقوة عسكرية تحافظ على الذات وجودا وعدما.

– تلك الذات ألا يجب إحكامها قبل التوجه إلى الآخر، ونحن نرى أن الرحمة قد ذوبت من قبل أرباب مستبدين داخل الذات ناقمين على شعوبهم فكان ديدنهم الذي يسرحون فيه إنما هو التقتيل والإبادة ورمي القنابل على رؤوس الأمة سواء من قبل الإرهاب الأسدي أو البلادة السيسية أو العته القذافي… مما يدفع باللبيب أن يفكر في بناء الذات سياسيا لاسيما وإن المشكلة الدستورية واختيار الأمة لحكامها مشكلة عويصة ضاربة في الزمن السحيق ابتداء من موقعة الحرة إلى مذبحة رابعة.

– وألا يحق لنا التشكيك في حركة التحرير الجهادية التي حركتها عقلية استبدادية وراثية لم تتوان في انتهاك حقوق المسلمين بله حقوق آخرين… ونحن نرى سطوة هؤلاء وشراستهم حين يهددون في مصالحهم وسلطتهم وجاههم.

– تلك الذات ألا يجب إحكام تصوراتها ونحن نرى المدرسة الحرفية السطحية الظاهرية التي تنتهج مسار التعسير والتنفير وكذا المدرسة الطرقية الانزوائية المباركة للاستبداد فضلا عن المدرسة الرافضية الطائفية المتشنجة مهيمنة على عدد كبير من فهوم الناس وتصوراتهم…

إن قبول الآخر ونشر قيم الرحمة والسلام العالمي التجريدي لا يكون إلا بإقامة ذات وصياغتها وإحكامها سياسة وإنهاضا وشهودا حضاريا وتربية على القيم الخالدة وإنشاء للقوة نعم القوة الحامية من عباد القوة الذين لا يؤمنون إلا بحضارة القوة لا قوة الحضارة…

ونحن نأمل أن يذاع التصور في الآفاق دون صراع مادي بسبب قوة الفكرة الإسلامية والخلق الإسلامي وافتضاح حضارة القوة والإرهاب.

بارك الله في عالمنا المفكر المقرئ الإدريسي في وقته ورزقه ثباتا من أجل الإنبات… إنبات مصنفات وكتب وأبناء خالدين يجعلونه منغرسا في صفحات التاريخ التي لا تنسى… والحمد لله رب العالمين.