تُظلّنا هذه الأيام الذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد كمال عماري والذي توفي يوم الخميس 2 يونيو 2011 بعد أن تكالبت عليه أيادي المخزن الغادرة في مسيرة 29 ماي من السنة نفسها ذكرى نتذكر فيها صمود شباب كان يحلم بمغرب جديد، مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. كان يجوب شوارع المدينة جنوبا وشمالا، شرقا وغربا يصدح بشعار واحد: الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد)، لكن المخزن كان جوابه كالعادة تكسير الجماجم والعظام والاختطاف والتعذيب من أجل إرهاب هؤلاء الشباب ووقف زحفهم الهادر الذي فاق كل التصورات عندما خرج في أكثر من 100 مدينة وقرية..

من بين هؤلاء الشباب الذين خلدوا اسمهم في التاريخ بمداد العزة والمجد والخلود، الشهيد كمال عماري، الذي جسد باستشهاده معاني التحدي في زمن الرضوخ، ومعاني العزة في زمن الهوان، وجابه القمع والظلم وغطرسة المخزن بكل عزيمة وثبات وإيمان، لم يخرج لدنيا يطلبها ولا لوظيفة يعمل بها… وإنما خرج لنصرة المستضعفين من أبناء وطنه، شعاره في ذلك: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..).

واليوم، ونحن نخلد ذكراه الثالثة نقول إن المخزن قتل الشهيد كمال عماري مرتين:

الأولى في حياته، والثانية بعد مماته بإخفاء حقيقة مقتله والمماطلة في تطبيق العدالة الناجزة التي تتطلبها مثل هذه الملفات، إذ يراهن على عامل الزمن من أجل نسيان قضيته.

إن قضية الشهيد ستضل حية فينا ما بقي الفساد والاستبداد، وستضل شوكة في جوف المخزن لا يستطيع ابتلاعها أو انتزاعها وستظل عائلته وأصدقاؤه ومحبوه مصرين على حل هذا الملف من خلال ثلاثة مطالب أساسية:

1- الحقيقة

منذ استشهاد الشهيد وقضيته تلفها السرية، بداية بالتقرير الطبي الذي لم تتسلم العائلة نسخة منه وكذلك التقرير الذي أجراه المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي لا يعرف محتواه. واليوم وبعد مرور ثلاث سنوات، قاضي التحقيق يعمق البحث في ملف الشهيد بعد أن ظننا أن القضية قد أوشكت على النهاية بالاستماع لجميع الإطراف، وكأن لسان حال المخزن يقول: إن اللحظات المؤلمة في تاريخ المغرب لن يكشف عنها وستظل حبيسة التكتم والكتمان، وستظل خفاياها وحقيقتها بعيدة عن الجميع لأن المتضرر من كشف الحقيقة هو المخزن…

إن كشف الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء إلا الحقيقة، في مقتل الشهيد كمال عماري، هو الوجه الآخر لمفهوم رد الاعتبار للشهيد ولعائلته وأصدقائه وهو امتحان حقيقي للقضاء. إما أن يكون في موعد مع التاريخ أو يكون خارج التاريخ.

2- الإنصاف

إن المطالبة بإنصاف الشهيد كمال عماري ومعه شهداء المغرب وضحاياه هي أول لبنة من لبنات التغيير، لأن العدالة لا تقوم على أنصاف الحقائق، بل تقوم على معالجة دقيقة ومنصفة لهذا الملف، تقدم فيه الدولة اعتذارا رسميا على ما ارتكب من جرائم وتحدد المسؤوليات، وتقطع مع ظاهرة الإفلات من العقاب وتقدم ضمانات لعدم تكرار ذلك.

إن العدالة بمفهومها الواسع هي إحدى ركائز أي تغيير، وإنصاف الشهداء هو البرهان الأساسي والشاهد على تغيير بنية الأنظمة وفي غيابها ستتكرر مآسي وجرائم أخرى -لا قدر الله-.

3- جبر الضرر

لا يختلف اثنان في الآثار السلبية التي يخلفها فقدان شخص خاصة إذا كان هذا الشخص قد تعرض للاعتداء المفضي للموت. وعائلة الشهيد كمال عماري فقدت الابن والسند والمعيل لوالديه، لذلك فجبر الضرر هو بمثابة تصريح علني على أن الشهيد كمال من ذوي الحقوق، يحق لعائلته المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي من خلال توفير عيش كريم وتوفير الرعاية الاجتماعية والمادية والنفسية جراء ما لحقهما من أضرار…

رحم الله الشهيد كمال عماري وأسكنه فسيح جنته ورزق أهله الصبر والسلوان وجعل دماءه الزكية نبراسا لشباب التغيير والخزي والعار لمن قتله.