من العجب العجاب الذي يتعجب منه كل متعجب، هو أن نرى بعض الفاشلين بدل الاعتراف بفشلهم يسعون بكل الطرق والسبل إى تعليق فشلهم على الآخرين، فحسبي أن أقول لهم ليس العيب أن نخطئ في التدبير والتسيير أو في التقدير، ولكن العيب كل العيب هو أن نتمادى في الخطإ.

إن هذه العقلية التبريرية لن تدفع بنا إلى التغيير والفعل والإنجاز، بقدر ما ستدفعنا إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي وخلق صراعات هامشية، المستفيد الوحيد منها هم منظروومهندسو الفشلبأوطاننا.

فشل وفاشل

ذهب بعض المفكرين إلى التمييز بين نوعين من الفاشلين، فاشل ذكي وفاشل غبي. فالفاشل الذكي هو الذي يستفيد من تجربته ومن علاقته مع الفشل، حيث يجعلها وسيلة لتطوير ذاته وإمكاناته دون أن يتباكى أو يلقي باللوم على الآخرين والظروف أو أشياء أخرى غير قابلة للتعريف والتشخيص والتجسيد. أما الفاشل الغبي فهو ذلك الذي يعتبر فشله وكأنه مقصود من خصومه، وممنهج من طرف من يعتقد بأنهم يعملون بمشروع دقيق، ومحكملتصفيته وإنهاء رصيده السياسي وماضيه الحزبي والنقابي والثقافي وتاريخه النضالي أو ما شاء وشئنا من أسماء ومسميات، حيث نجده يبكي، ويبحثبلا هوادة عن خصوم مفترضين، وحتى إذا تعتذر عليه إيجادهم سعى إلى صنعهم أو افتراضهم، ومن ثم توجه إليهم بصواريخ لفظية وتصريحات صحافية معنّفة، وبكلمات هزلية ساخرة.

هناك من يعتقد بأنه ليس هناك فشل بقدر ما هناك تجارب وخبرات من الفشل، ورغم ذلك أجدني أميل للقول: نقبل بهذا الطرح والزعم، فقط إذا كان الأمر يتعلق بذاتية الفرد، وبعلاقته بذاته ومشاريعه الشخصية، وبمدى سعيه المتواصل نحو تطوير إمكاناته وقدراته، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأغيار ومهاجمتهم دون سبب يذكر، أو بسبب رفض النقد، وتنزيه النفس عن الخطإ، والغلط، فهذا موضوع آخر يحتاج إلى بيان وتوضيح أكثر.

مأسسة الفشل

لعل أخطر ما نعيشه الآن، هو سعي الجهات الرسمية إلى مأسسة الفشل، وترويجه بين فئات شبابنا وشيبنا ومجتمعنا، حيث نرى أن جل تصريحات المسؤولين والذين يتصدون إلى الشأن العام، ومن ينصّبون أنفسهم من صنّاع القرار، كلها تصريحات تشي بالفشل وتبرره، من قبيل الإرث الثقيل، السعي إلى إفشال التجربة، والتماسيح والعفاريت، أو من قبيل كنا نعول على هطول المطر، مشكل الجفاف، تهريب العملة، قطاع التعليم غير منتج… إن خطابا كهذا يذكرني بما يذهب إليه كثير من الناسعندما يعجزون عن تحمل مسؤوليتهم في الفعل والسلوك، وكمثال على ذلك قولهم ذهب عني القطار، صدمتني حجرة على مستوى رجلي، “ضربني البرد”… عقلية تبريرية بامتياز تستمد قوتها من مؤسساتنا الحاكمة.

برامج فاشلة لصناعة الفشل

المتأمل في طبيعة البرامج التي يقدمها لنا إعلامنا “إعدامنا”، يلحظ بوضوح وبدون مواربة ما يسعى إليه إعلامنا، فهو يقدم لنا النماذج الفاشلة في المجتمع، ويصورها بمثابة أبطال للاقتداء والاقتدار، ويكفي هنا أن نشير إلى بعض من تلك العناوين لتتقرب الصورة إلى “ذهنيتنا”: أخطر المجرمين، مسرح الجريمة، الخيط الأبيض، 45 دقيقة، قصة الناس، أضف إلى ذلكم البرامج المدبلجة التي تشدّد على الفشل العاطفي وتروج للفشل الأسري، وتستبيح الفساد القيمي والمنكرات الأخلاقية… أليست مرة اخرى هذه مأسسة إعلامية للفشل؟

لله ثم للتاريخ أقول إنه للأسف الشديد، المواطن مسؤول عما يجري، وعما يمارس عليه من جرائم الفشل، ومن جرائم سياسية وأخلاقية، بحيث لم يتحرك ولم ينتفض ضد هذه المهازل التي تمارس عليه، ولم يمارس هو الآخر ضغطا على المؤسسات الاعلامية، ولم ينتفض ضد محتكري الإعلام ومسؤوليه، بل أكثر من ذلك لم يتحمل مسؤوليته في رفض هذا الفشل الإعلامي، ولهذه السياسة الإعلامية المعاقة.

ما زلت أتذكر إحدى المُسنات الفرنسيات، ممن رفعن دعوة قضائية ضد إحدى القنوات الفرنسية، وعللت ذلك بأن التلفزيون الفرنسي قدم لها الرئيس الفرنسي جاك شيراك أكثر من مرة في أسبوعواحد، فذهبت إلى القول بأنها تعرف شيراك جيدا وهي من انتخبته، وقالت أنا أسدد نقود الضرائب ليس من أجل مشاهدة الرئيس الفرنسي، بل من أجل مشاهدة برامج هادفة. فأين نحن من هذه المرأة؟

فالحاصل إذن: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.