“يايُوه يايُوه فرحات أمُ وبُوه”… على إيقاعات هذه الهتافات كان يحتفى بطالب العلم المتخرج من دور القرآن أو بخريجي الشهادة الابتدائية في صيغتها القديمة، أو حتى القادمين بشهادة دراسية من الخارج، في مجتمعنا المغربي آنذاك، احتفاء بالمجهود المبذول وتعظيما للعلم ولأصحابه. أما الآن فقد أصبح طالب العلم رمز التهميش والتفقير، وبالتالي أصبح البحث العلمي في مهب النسيان على آهات حسرة واستنجاد من يدقون ناقوس الخطر لما آلت إليه أوضاع ركيزة أساسيةلن يستطيع أي مجتمع أن يتجاوزهاإذا أراد أن يكون في مستوى التقدم والتطور الذي يشهده العالم.

وفي هذا الإطار، تتهافت أقلام بالجملة لتكتب حول معضلة البحث العلمي بالمغرب، مقدمة مؤلفات حولها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، إن افترضنا أن مثل هذه المؤلفات شخصت وبشكل دقيق أزمة البحث العلمي ببلادنا، هل بمقدور بلدنا الخروج من أزمته هاته؟ أم إن البلاد تخضع لتأثيرات دولية تحول بينها وبين إيجاد حل ناجع لها؟ أم إننا وسط إشكال داخلي، إشكال أننا في دولة تتخذ من الخطابات الملكية قوانين دستورية؟ وفي ظل هذه الأخيرة، هل نحن محظوظون لكي يجود علينا خطاب ملكي تاريخي بوصفة سحرية تشخص الداء وتصف الدواء؟ أم إن الهوة تزداد بعدا بين طموح الخطاب (إن كان طموحا بالفعل) وواقع الممارسة؟ إشكالات بالجملةتعكس ما آل الوضع إليه من تشعبات لا يسع المقال للإحاطة بها. ويبقى الضحية وكبش الفداء مجتمعنا المغربي الذي تتوالى التصنيفات الدولية لتضعه في مؤخرة لوائح دول جعلت من البحث العلمي بوابة لتقدمها. فبلدنا الحبيب لا يكلف نفسه عناء للخروج بسفينة البحث العلمي إلى بر الأمان، حيث ينظر إليه من زاوية الكماليات. لذا فأزمته هذه متوقعة، في ظل غياب مشروع للدولة يتبناه البحث العلمي ويسهر الباحثون المغاربة للمضي به قدما نحو الأمام. فلنلاحظ مثلا كيف خدم المشروع السياسي البحث العلمي، دولة إيران لتصبح من الدول التي حققت اكتفاء ذاتيا في جل حاجياتها، وكيف خدم المشروع الاقتصادي البحث العلمي، الدولة اليابانية بما أوصلها إليه من تقدم تكنولوجي، وما لنا نرى الولايات المتحدة الأمريكية وهي تسبح في الفضاء، وروسيا وهيتغوص في أعماق البحار، ونحن في المغرب لا نملك إلا الهراوات لتطويع كل من يخالفنا قراراتنا. أي أنه في غياب مشروع واضح المعالم لبلادنا، سنكون من الحالمين إن قلنا إننا ننتظر المضي ببحثنا العلمي خطوة إلى الأمام. ولعل المتمعن في السير العام للبحث العلمي ببلادنا سيقف عند مجموعة من الملاحظات:

– غياب فلسفة ناجعة تكون أساسا لبحث علمي صلب ومتين.

– هزالة الميزانية المرصودة للبحث العلمي المحصورة عند سقف 0,8 في المائة من الناتج القومي.

– تهميش مختلف المتدخلين في المجال.

– نقص في تحديد الأولويات وضعف الإمكانيات.

– قلة التدابير التحفيزية للباحثين طلبة وأساتذة.

– ندرة البحوث التي تصب في صالح الحاجيات الملحة للمجتمع والتنمية …

في ظل هذه الوضعية، تبرز أزمة ومعاناةطلبتنا الباحثين، ومستقبل البحث العلمي ببلادنا، وخلَفُ الأساتذة الذين سيحالون على التقاعد في غضون السنوات الخمس القادمة. فوسطالجو العام للبحث العلمي السائد يعاني الطالب الباحث الأمرين في بلادنا، فبين الإشكال المادي المتمثل في هزالة المنحة المخصصة للطلبة الباحثين (هذا لمن يتوفر عليها أصلا)، وبين النقص المهول في الوسائل اللوجستيكية والتقنية داخل مختبراتنا العلمية، وكذا شح الجهة الوصية في العمل على توفير المراجع،والإنفاق على الندوات الوطنية والدولية، والقيام باستضافات لأساتذة باحثين يستفاد من علمهم وباعهم الطويل في البحث العلمي، يطفو إشكال آخر، يتمثل في التبعية العمياء للمنهج الفرنكفوني الذي أصبح شبحا تسارع عدد من الدول النامية في قارتنا السمراء للتخلص منه، وفي بعض البروتوكولات المملة في الأداء والإنجاز، من قبيل انتظار الطالب الباحث سنة أو ستة أشهر مقاله ليرى النور بحجة المراجعة العلمية والعمل الفني والإداري للمجلة.

حقائق ومعاناة تشعبت بطالبنا الباحث وقيدته بعقال سياسات مخربة للبحث العلمي، كانت سببا في النقص المهول في عدد الباحثين والمفكرين الذين دأبت الجامعات على إنجابهم، في حين لسان الحال يقول: إن الحرم الجامعي أصبح يخرج موظفين (هذا إن لم يخرج معطلين) أكثر من تخريج كوادر باحثة ومفكرة تساهم في التنظير وبناء نقلة اقتصادية، سياسية واجتماعية لمجتمعنا المغربي.