بمناسبة مرور ثلاث سنوات على استشهاد كمال عماري رحمه الله، وتفاعلا مع الذكرى وبرنامجها، انتقل موقع الجماعة نت إلى بيت عائلة الشهيد كمال بالبادية نواحي أسفي، وأجرى هذا الحوار -الذي طغى عليه البعد الإنساني والاجتماعي- مع والد كمال السيد عبد الرحمان عماري.

فيما يلي نصّ الحوار:

أولا السيد عبد الرحمان والد الشهيد عماري، إذا سألناك عن مكانة كمال رحمه الله في الأسرة. ماذا تقول؟

(استجمع أنفاسه وقال بتأثر).. “الله يرضي عليه” هو كل شيء، ضاع لي وضاعت معه نصف حياتي بل حياتي كلها، لم أكن أقف على خدمة إلا قضاها أو كلّف من يقضيها، لم يكن يتركني محتاجا لشيء، كان لي السند في كل صغيرة وكبيرة، ووصاياه لا زالت تحضرني لا تقم بعمل شاق وكل ما يصعب عليك أعلمني وسآتي لقضائه في الحال).

بقيت كالشجرة التي ضاع فرعها الأصلي، نعم لدي أبنائي الآخرين “الله يرضي عليهم”، ولكن كلهم أبعدتهم ظروف العمل لكن كمال كان ذراعي الأيمن، يتابع كل أعمال الفلاحة ويجلب الحاجيات الضرورية، كان المعيل لي ولأمه وأخواته، ابني لا يُعوّض ولن أنساه ما دمت حيّاً.

نريد أن نعرف منك ما الذي حدث بالضبط لكمال قبل وبعد الاعتداء؟

لقد حكى لي كمال كل شيء بالتفصيل وهو طريح الفراش، قال لي: اعتدى علي البوليس في وقفة سلمية بعد أن سألوني هل أنت مع المتظاهرين فقلت نعم، مباشرة انهالوا علي بالضرب وهذا بعد أن فرقوا بالقوة كل من في الوقفة، مجموعة من الأمنيين انهالوا عليّ بهراواتهم وسحلوني إلى زقاق ضيق ليكملوا تعذيبي، لم أفعل شيئا ولم أقاوم حتّى، بقيت لدقائق أتلقى الضربات حتى ظننت أني سأموت بين أيديهم.

(يبكي الأب ويسترسل في الحديث).. قال لي أنه سوف يموت رغم العلاج لأنه يُحس بآلام الاعتداء الشديدة التي لا تقاوم، وقد عاينت ما تعرّض له من تعنيف لا يمكن أن يكون وراءه بشر، ضرب في الرأس والصدر والأرجل وكل أنحاء الجسم. ما الذي فعله ابني ليعامل بهذه الهمجية، لو حضرت هناك لَمِتُّ قبله فلن أستحمل أن أرى كمال يتعرّض لهذا العنف من دون سبب.

ثلاث سنوات على استشهاد كمال هل تمكنتم من تخطي ألم الفراق؟

أبداً، فكلما ذكرنا اسمه إلا وتحول البيت إلى عزاء، ألمٌ وبكاء، لم نقدر ولن نستطيع أن ننسى كمال، ثلاث سنوات.. وكأنه مات بالأمس، نراه في كل زاوية وركن ونفتقده كلما مررنا بجانب حقل الزيتون الذي غرس أشجاره بنفسه، ونراه في كل الجَنَبات في أرضنا هنا بالبادية التي له فيها بصمات خالدة لا تُنسى.

أفتقده بمسجد القرية الذي كان لا يفارقه أثناء الصلوات عند حضوره إلى هنا، ولا تزال جدرانه شاهدة على ما بذله في بنائها وترميمها، لقد سلبوا مني كمال بالقوّة ويراهنون أن أنساه، ولكن هيهات فلن أنساه ما حييت “وأنا راضي عليه في الدنيا والآخرة”.

أين وصلت قضية كمال قضائيا؟ وبم تطالبون أنتم عائلة الشهيد؟

كلما سألنا عن الملف إلاّ وكان الجواب: البحث جاري، وقد أُخبرنا بأن قاضي التحقيق قرر إنهاء البحث ثم فوجئنا به يواصله! ولا أعلم على ماذا يبحثون فالحقيقة ظاهرة لا لبس فيها اعترف بها حتى النصارى -في إشارة إلى الهيئات الخارجية التي تتابع الملف-، نطالب بمحاسبة المسؤولين عن دم كمال، وأنا على يقين أنهم يعرفون من هم بل ويجب أن يتابع الذي أعطى الأوامر بالتدخل والاعتداء على ابني وقتله ظلما.

لقد ساوموني بالمال وأنا لن أتنازل عن حق ابني ولو أعطوني الأرض بما فيها وسأتابع حقه في الدنيا والآخرة.

أليس لهؤلاء المسؤولين أولاد؟ إذا قُتل أحد أبنائهم ماذا سيكون ردّ فعلهم؟ أم لأني رجل ضعيف الحال يريدون هضم حقّي ويغرونني بطمع الدنيا.. لا والله لن يكون هذا ولن أنسى أو أتنازل عن حق ابني ما حييت.

هل من رسالة تريد توجيهها من هذا المنبر؟

أولا أتساءل عن المعنيين بحقوق الإنسان في البلاد أين هم من قضية ابني؟ أين الجمعيات الحقوقية؟ أدعوهم جميعا لمساندتنا في القضية دون تباطؤ ولا أقبل سكوتهم أمام ما يجري من تماطل وتسويف في قضية ابني كمال. وأشكر كل الجمعيات الحقوقية التي تهتم بقضيتنا داخل وخارج البلاد. كما أشكر بالمناسبة جماعة العدل والإحسان فأنا لم أجد في صفّي سواهم منذ الوهلة الأولى، يتابعون معي ملف ابني الشهيد، ولولاهم بعد الله لكانت قضية ابني الشهيد مدفونة تحت الأرض ولا أجد المواساة الدائمة إلا منهم وَوَالله إني لأفرح عندما أتذكر أن ابني كان معهم وهم أهل قرءان وإيمان ومطالبة بحق العباد.

أقول وأؤكد أننا سنتابع المعنيين عن هدر دم كمال مهما كانت الظروف، وحقنا سنطالب به في كل الأحوال ولن نتوانى أو نتراجع لأننا فقدنا كل شيء بفقدان كمال فقد كان المرافق والمُعيل والابن والصديق رحمه الله، ولن أفرّط في دمه طال الزمان أو قصر.