في بداية هذا المقال وجب التأكيد على مسألة مهمة تتمثل في أن الحملة المخزنية على جماعة العدل والإحسان بتاريخ 24-5-2006، لم تكن سوى استمرار لحصار مخزني ابتدأ مع مؤسس الجماعة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله منذ سنة 1974، حيث يتم تجديد وتنويع الأساليب القمعية ليس إلا.

صحيح أن درجة الحصار المفروض تتفاوت بين فترة وأخرى، ولكن ذلك لا يعدو أن يكون تراجعات تكتيكية فرضتها قوة وفعالية الجماعة والإحراج الحقوقي التي أصبحت تتقنه عبر ذراعها الحقوقي المتمثل في الهيأة الحقوقية.

سياق الحملة

كأي تنظيم مجتمعي يعاني من حصار إعلامي ممنهج وحملات تشهير رهيبة، نظمت جماعة العدل والإحسان سنة 2006 أياما تعريفية تحت شعار “الأبواب المفتوحة” في جل مدن وقرى البلاد، في شكل أنشطة علنية تعريفية تواصلية مع عموم شرائح المجتمع لتحقيق التعارف عن قرب ودون وساطة ولعرض تصورها التغييري وأساليب عملها.

حيث نظمت عشرات الأروقة والندوات ووزعت عشرات الآلاف من المطويات والأقراص التعريفية، وقد عرفت هذه الأنشطة نجاحا مميزا وإقبالا جماهيريا قويا لمختلف فئات الشعب وهيآته. رغم محدودية الإمكانيات، وضغط التضييق المخزني.

ليطلع علينا المخزن بقاعدته العجيبة في علم اللامنطق عبر تصريح لوزير الداخلية السابق شكيب بنموسى يقول فيه: بتكثيفها لأنشطتها تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج القانون).

اشتاطت السلطات المغربية التي ما فتئت تتغنى بعهد الحريات والديمقراطية، غضبا من نتائج التواصل البناء والمباشر الذي حققته مؤسسات الجماعة مع مختلف فئات المجتمع، فحشدت ترسانتها القمعية يوم 24 ماي 2006 لتباشر حملة مخزنية شعواء عليها وعلى مجالسها وأعضائها.

حصيلة الحملة المخزنية بلغة الأرقام

في تقرير للهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان في الفترة الممتدة من 24/05/2006 إلى 25/04/2010) تم رصد ما يلي:

– عدد المعتقلين “6481 معتقلا، من بينهم 1026 امرأة.

– عدد المتابعين أمام القضاء 1268، من بينهم 73 سيدة.

– الغرامات المالية 5527215.00 درهما.

– عدد الجمعيات المتابعة أمام القضاء: 12.

– عدد الأيام المحكوم بها بالحبس النافذ والموقوف على أعضاء الجماعة: 7620 يوما.

– اختطاف السيدة حياة بوعيدة.

– الحكم على السيد عمر محب المتهم زورا وبهتانا بـ10 سنوات.

– البيوت المشمعة:

* بيت السيد الأمين العام محمد عبادي بمنطقة وجدة بتاريخ 26/05/2006 والذي لا يزال مشمعا أسيرا لحد الآن.

* بيت السيد جمال بوطيبي بمنطقة الناظور بتاريخ 07/06/2006.

* بيت السيد سعيد جناح بمنطقة تمارة بتاريخ 14/06/2006.

* بيت السيد فريد زروال بمنطقة زايو بتاريخ 15/06/2006.

* بيت السيد لحسن عطوان بمنطقة بوعرفة بتاريخ 13/09/2006، والذي لازال مشمعا أسيرا لحد الآن.

* بيت السيد الحسين مرجاني بمنطقة العروي بتاريخ 17/02/2007.

أضف إلى ذلك توقيف عدة أئمة ومرشدين دينيين وواعظات والتضييق على الأرزاق، والحرمان من الوثائق الإدارية وكذا تعرض بعض أعضاء الجماعة للمساومة والتهديد ومحاولة تشويه السمعة والاختطاف والتعذيب، وغير ذلك من الانتهاكات المتعلقة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعجز المقال عن حصرها، والتي عانى ويعاني منها عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة وأقاربهم.

وقد تمثلت التهم الجاهزة الواهية في: عقد تجمعات غير مرخص لها والانتماء إلى جماعة محظورة، رغم أن هذه التجمعات لم تكن في أغلبها إلا مجالس يُذكر فيها الله ويُتلى ويُتدارس فيها القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقبل هذا وذاك فجماعة العدل والإحسان جماعة قانونية شهدت بشرعيتها محاكم القضاء المغربي.

فبركة ملفات للي ذراع الجماعة

لكون الجماعة اختارت العمل السلمي المدني العلني لفضح مخططات الاستبداد والفساد، والسعي بمعية شرفاء الوطن نحو بناء مستقبل واعد لكل المغاربة، ولرفضها دخول بيت الطاعة الذي زين مشهده بالمصفقين للباطل، توالت سلسلة المتابعات وفبركة الملفات ضدها، حيث تفننت الدولة المغربية في خرق كل المواثيق الدولية والمعاهدات والالتزامات المتعلقة بحقوق الأفراد والجماعات مستمرة في خنق الحريات الأساسية لأعضاء الجماعة، نورد هنا بعض الملفات على سبيل المثال لا الحصر:

– اختتاطف وتعذيب 08 قياديين للجماعة بفاس من طرف أجهزة الاستخبارات المغربية صبيحة يوم الإثنين 28 يونيو 2010.

– ملف الأستاذ منير الركراكي عضو مجلس إرشاد الجماعة: الذي يحاكم بسبب نظمه لقصيدة شعرية تضامنية مع مختطفي فاس.

– متابعة الأستاذة ندية ياسين بتهمة سياسية واهية.

– اختطاف الأستاذة هند زروق منسقة عائلات مختطفي العدل والإحسان بفاس.

– ملف الفنان رشيد غلام الممنوع المتهم.

– الحكم على طلبة فاس بثلاثة أشهر نافذة وغرامة 500 درهم على خلفية ملف مفبرك عقب أحداث الحي الجامعي سايس.

– استمرار الحرمان من الحق في الإعلام والتضييق على الإعلام الإلكتروني.

– التضييق على حق ممارسة العمل الجمعوي…

رسائل على درب الصمود

أربع رسائل من بين العشرات، كانت كافية لتؤكد صمود وتماسك الجماعة وقوة عزيمتها التي لم تفلها عوادي الاستبداد والطغيان:

1. محورية الجماعة في حركة 20 فبراير، حشدا وتنسيقا واقتراحا.

2. مؤتمر تركيا حول فكر الإمام المرشد: نوعية الحضور، عالمية فكر الإمام.

3. حدث وفاة الإمام المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله: الجنازة المليونية، التأبينات، الشهادات…

4. التواصل الحقوقي القوي مع منظمات حقوق الإنسان الدولية، من أمثلة ذلك استماع السيد خوان منديز، المقرر الخاص للأمم المتحدة عن التعذيب بمقر الجماعة، إلى بعض ضحايا التعذيب البشع لأعضاء الجماعة، من الطلبة وقياديي الجماعة السبعة المختطفين بفاس، ولعائلة الشهيد كمال العماري رحمه الله وأرملة الشهيد عبد الوهاب زيدون رحمه الله، وأصحاب البيوت المشمعة.

لقد خابت كل محاولات التضييق على مشروع العدل والإحسان، فكل المؤشرات تشير إلى قوة حضور وفعالية الجماعة وإلى إضافاتها النوعية في مجالات الفعل المجتمعي، وسداد مواقفها من مهزلة خداع الشعب، ولم يستفزها عنف وعسف الدولة للوقوع في ردود الأفعال وفخ العنف، بل واصلت دعوتها الصادقة الرحيمة السلمية المبشرة بمستقبل وطن الحرية والكرامة والعدل، مسترخصة ما تملك في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

نختم بهمة إمامٍ لم تفل عزمه سياط الجلاد، جاء في كتاب طبقات الحنابلة أن أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي قال: دخلت على الإمام أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله، عليك عيال ولك صبيان وأنت معذور. كأني أسهل عليه الإجابة. فقال لي: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت) (طبقات الحنابلة).