قبل إثارة واحدة من أخطر سمات الاستبداد، يحسن أن نقدم لها بحقيقة تستيقنها قلوب المستبدين، وتصدقها حياتهم، هي أن أيامهم المعدودات تمر دوما على عدَّاد الزمان في حالة من الفزع والذعر. فلا راحة لمستبد في نفسه وحياته، ما دام على حاله، وما دام بعيدا عن وسم السيد الفاروق عدلت فأمنت فنمت يا عمر)… لهذا فبدل العدل والاستقرار والأمن والكفاية المعاشية، والوضوح في التدبير مِنْ على سُدة الحكم، تلجأ الأنظمة الاستبدادية الشمولية إلى “تأمين مرحلي” يحقق لها نوعا من الديمومة الوقتية في تسلطها على الرقاب، وبأية وسيلة.

وفي فعْلات الاستبداد في التاريخ العربي أكثر من مثال على هذا الصنيع. تكفي الإشارة في ذلك، عندما وقع في نفس حاكم دمشق إسماعيل – أحد السلاطين الأيوبيين – الخوف من أخيه سلطان مصر نجم الدين أيوب، اختار بمنطق “التأمين المرحلي” وبأي ثمن، التحالف مع الصليبيين والاستعانة بهم على تصفية أخيه وقتاله. وتذكر المصادر التاريخية أن إسماعيل أعطاهم في مقابل ذلك مدينة صيدا، ومكنهم من القلاع، وشراء السلاح من دمشق… وهو الصنيع الذي تصدى له سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله، بإنكار هذه الخيانة العظمى في موقفه التاريخي القوي الشهير والشجاع.

وفي الظرفية السياسية العربية المعاصرة الأمثلة التي لا تنتهي على “التأمين المرحلي” في سيرورة حياة المستبدين، وفي ذلك قد يتحول الشيطان إلى حليف مقرب في سلوكهم. فلا عبرة بالمبادئ، ولا قيمة لطبيعة الحليف وهُويته. ففي أرض الكنانة على سبيل المثال، اختار الانقلابيون هذه الأيام التقارب المكشوف مع الكيان الصهيوني على الوفاق مع القضية الفلسطينية ورجالها… فغلق المعابر ومحاكمة النشطاء السياسيين الإسلاميين وغيرهم، بتهمة التخابر مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، وتأمين الحدود مع الصهاينة في سيناء، وهدم الأنفاق… كلها رسائل وُد، ووسائل تأمين، ودعوات دعم ومساندة لتمرير الانقلاب عبر بوابات البيت الأبيض والكريملين والكنيست الإسرائيلي، وردهات البرلمان الأوروبي.

ومن جانب آخر، تكشف المعاينة الميدانية للمزيد من حالات الاستبداد في سيرورتها، أداةً أخرى من أدوات “التأمين المرحلي”، وهي “القدرة” على التكيُّف والممانعة والتحول في لحظاتٍ تسنح فيها فُرص تغييرٍ حقيقية وجادة… وفي حالة المغرب الأقصى سجل المتتبع – كما هو معروف – مع عواصف الربيع العربي هرولةَ المخزن المغربي إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة وسريعة سنة 2011، رافقها “تعديل” دستوري، في خطوة لم تكن “تدبيرا” سياسيا أملته مبادئ الديمقراطية والمصلحة، بل “تأمينا مرحليا”، وخوفا عكسته إنجازات الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. مما حتم على الاستبداد وفق منطق “المرحلية” البحث عن المزيد من الوقت، لإعادة ترتيب الأوراق التي اختلطت على أصحابها، وإخراج ما كان مؤجلا منها، والبحث عن وجوه المرحلة وصورها المناسبة، انتظارًا لمرور العاصفة، وخفوت ارتدادات الربيع العربي، الذي حاصر الاستبداد في مربعه الضيق.

في ضوء ما سبق يمكن القول، إن سمة “التأمين المرحلي” للاستبداد التي تقوم في جوهرها على التدبير غير النظيف لسيرورة الحكم في الأنظمة الشمولية، هي أولا سمة جديرة على نحو ملح بالتأمل والتنبيه والتحذير. وهي ثانيا أداة من أدوات استمرار الهيمنة والسيطرة في تلك الأنظمة. بل يجب من ناحية ثالثة التعامل معها باعتبارها آلية من آليات التحليل؛ إذ هي محدد أساسي في قراءة طبيعة الحكم، والإحاطة بواحدة من أخطر “طبائع الاستبداد”.