وهو يقف منافحا عن حقه وحق المحرومين من أبناء بلده في وجه غطرسة الفساد والاستبداد، ارتقى الشهيد المحبوب كمال عماري رحمه الله إلى ربه بعد أن هوت على جسده هراوات الغدر الآثمة محاولة إخماد همة سامقة وتنكيس علم رفراف وقتل إرادة لا ترضى عن الحق بديلا، لم يجد الجلادون من حل للدفاع عن مناخهم الفاسد سوى تسليط زبانية القهر والاعتداء على المطالبين بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية وهي المطالب التي وجب أن تتوفر بالضرورة في كل بلد يحترم القائمون عليه أنفسهم ويولون أهمية بمن هم أمانة في أعناقهم.

كان قرار منع الوقفات والمسيرات السلمية للحراك الاجتماعي بالقوة قد وصل وعزم المسؤولون على التنفيذ بمدينة أسفي، وذلك بجعل مسيرة الأحد 29 ماي 2011 مسرحا للتطبيق. هذه المسيرة التي انطلق جزء من المشاركين فيها من جنوب أسفي بحي “دار بوعودة” حيث اصطف المحتجون ليقف أمامهم جيش عرمرم من عناصر التدخل السريع بكل ألوانها ويبدأ الاعتداء الذي طال العشرات من المتظاهرين السلميين وكان من بينهم الشهيد كمال عماري رحمه الله الذي استهدفه الغادرون بعصيهم في كل نقطة من جسده الصامد حتى أردوْه مغشيا عليه قبل أن يتركوه لمصيره بعد تأكدهم من إنجاز المهمة.

هذه التفاصيل لسوء حظ الغادرين كانت على مرأى ومسمع من عموم المواطنين المشاركين في الاحتجاج والواقفين على الجنبات (…) لكن الغريب أن تطلع علينا الدولة بكل ما أوتيت من انعدام ضمير وتقوم بمحاولات يائسة لطمس معالم الجريمة مستعملة بذلك أبواقها البئيسة التي شرعت في إعداد القصص والسيناريوهات البديلة لصنع مشهد مجانب للحقيقة وكأن الشهيد ليس مواطنا شريفا كان قلبه على وطنه يتشوق أن يراه حرا كريما يسع كل أبنائه لا يُفرق بينهم حسب ولا نسب، اختلفت الروايات المؤلفة لكنها توحدت في بلادتها وانكشافها للقريب والبعيد فلم تُجد بذلك نفعا وبقي الحق ساطعا ناصعا لم ينفع في طمسه تدليس ولا بهتان.

فأصبحت قضية الشهيد كمال عماري رحمه الله شاهدا على الاغتيال المفضوح للمواطنين في واضحة النهار ووصلت تفاصيلها إلى أعلى المستويات في التداول حيث عرضت الملابسات على أكبر الهيئات الحقوقية الدولية وتبنت الملف جل المنظمات الوطنية والعالمية. لكن الغريب أن السلطات في وطن الشهيد بعد محاولة التنكر له ابتداءً بالتزييف الذي لم يُجْد نفعا انتقلت إلى استراتيجية الإبطاء حيث، ونحن على بعد أيام من الذكرى الثالثة للاغتيال، لا يزال الملف يراوح مكانه في أدراج محكمة الاستئناف بأسفي. بل إن الأدهى أن يبقى التقرير الطبي حبيس القاعات المظلمة لا يصل إلى العائلة والمتتبعين منه إلا ما جاد به مصدر من داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالقول إن التقرير إيجابي!!.

نتساءل هنا عن مدى احترام الدولة للقوانين التي يجب أن تُطبق والحقوق التي لا ينبغي أن تُجزّأ، فقتل مواطن تعذيبا بهراوات أجهزة الداخلية لا ينبغي أن يكون مُسوّغا للإفلات من العقاب بل على العكس وجب أن يُعتبر عنصر تشديد على الجناة باعتبار أنهم المؤتمنون على حفظ الأمن ونشر الأمان لا ترويع المواطنين وتعذيبهم إلى حدّ الوفاة.

نقف على مشارف الذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد كمال رحمه الله؛ فإلى متى التماطل والتباطؤ في محاسبة الجناة وجبر الضرر؟ وهل المُعوّل على تمديد الزمن لفرض النسيان؟ سياسة يعلم الجميع أنها لم تنسنا من قضى قبل الشهيد عماري من الأحرار فكيف تنسينا شهيد الحرية كمال؟

اعلموا أن أمام سياساتكم المكشوفة سيقف شعارنا الخالد لن ننساك يا كمال ولا بديل عن محاكمة الجناة).