تقديم

السيرة النبوية مدرسة الأجيال المسلمة، يأخذ من معينها كل مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم، مدرسة الكمال في كل شيء، في الأخلاق والعلم، في الرجولة والشهامة، في القيادة والزعامة، في التربية وصياغة الإنسان، لأنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ما ودعك ربك وما قلى 1 ، ولأنه أولا وأخيرا محمد رسول الله 2 ، صلى الله عليه وسلم.

رحلة الإسراء والمعراج، فصل من فصول حياته الشريفة، نبراس ومعلم من معالم الطريق، تسترشد به الأمة، لتفقه حقيقة هذا الدين، وكمال صاحب الرسالة. فها هو الحبيب يذوق من لسعات الحياة ومرارتها ما يصيب البشر قل إنما أنا بشر مثلكم 3 ، هذه البشرية المشتركة بين صاحب الرسالة والمرسل إليهم، تحتاج إلى جريان نفس سنة الحياة على الطرفين، حتى تستقيم “القدوة” بينهما، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤيد من الله، معصوم من إذابة الخلق، والله يعصمك من الناس 4 ، لكن ما سر الأسباب التي يطرقها صلى الله عليه وسلم، كلما هم بعمل أو حركة، ولماذا تمتد إليه الأيدي الآثمة النجسة من بني قومه، فيسيل جسده الشريف المنيف دما زكيا، ترتج لهوله السماوات والأرض ومن فيهن؟

محنة بين يدي منحة

إنها أحداث جسام، سطرتها مدرسة النبوة قبل رحلة الإسراء والمعراج، تكاد تخر منها الجبال هدا، فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم، يطرق أبواب الأسباب الواحدة تلو الأخرى، بحثا عن ركن شديد وإيواء سديد، يضمن له الحماية لتبليغ رسالة الإسلام، يلتفت يمينا وشمالا فلا يجد إلا المستضعفين من أتباع رسالته الفتية عودها، فيقبل بحماية وكفالة جوار عمه “أبي طالب” رغم شركه، ويتزوج السيدة خديجة الشريفة العفيفة، ذات قدم في قومها، فيجد فيها خير مواس ومعين، وفي دفئ الزوجة النصوح والعم القوي الطموح ، يسير بخطى ثابتة يبلغ أمر ربه، وتطوي الأقدار الإلــهية أيام الرسالة الأولى، بين كر وفر، تزداد فيها الدعوة عزا وثباتا، والكفر ذلا وشتاتا، فيحدث ما لا يعلم سره إلا الله، حيث يلتحق بالرفيق الأعلى كل من عم النبي صلى الله عليه وسلم، أبي طالب، وزوجه الوفية خديجة رضي الله عنها، فيوسم بحق “عام الحزن” للدعوة والداعي، فتتكالب عليه طغمة الشرك وتكشر عن أنيابها، وتجمع أمرها في كرة جديدة، علها تنال من صاحب الرسالة هذه المرة، فتصم آذان مكة وأهلها عن سماع داعي الله ذات صباح، يعزم بعدها في إصرار للخروج إلى الطائف خارج مكة ، لكن لا تلبث قريش أن تلاحقه بمكرها هناك، فيغرون أهل الطائف برمي سيد الخلق بحجارة تدمي قدميه الشريفتين، فيرتج لهول الجرم سكان الأرض وملائكة السماء، فرحماك ربي وما كان ربك نسيا 5 ، وهو يسمع شكوى الحبيب وقلة حيلته، في ابتهال تتقطع من سماعه أوصال المحبين: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين. وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي ..غير أن عافيتك هي أوسعُ لي… أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلحَ عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحلّ عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك.. لك العتبى حتى ترضى… ولا حول ولا قوة إلا بك” 6 ، كادت هذه المناجاة أن تحل غضب الله بكفار قريش، فينزل ملك الجبال في عجلة من أمره، يستأذن الحبيب صلى الله عليه وسلم، في إطباق الأخشبين (جبلي مكة)، على منتهكي حرمة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الحريص الرحيم بالعباد يتصدق بعرضه على من عاداه، لأنه سيد مدرسة الكمال الخلقي، فيستحق من ربه كرامة الإسراء والمعراج.

حلت ليلة الضيافة، ليلة الإكرام الإلهي لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ينطلق الحبيب المصطفى مجيبا دعوة ربه سبحانه في رحلة لم تعرف لها البشرية مثيلا، وتكريم لم ينعم به إنس قبله ولوكان خليلا، ومقام لم يصل إليه ملك ولوكان جبريلا، فما أعز مقامك عند الله يا سيدي يا رسول الله، فعلى البراق فاركب ولا تسل، فيا لله كيف تلامس يد الأقدار مسيرة الأحباب، فتقلبها من محنة إلى منحة، من رب كريم يجزل العطاء، إلى عبد قائم لله يجيد المناجاة والأدب مع مولاه، فـسبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى 7 ، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى 8 .

فأية دروس وعبر كنت تلقنها، سيدي، أمتك من بعدك؟ والأرض تطوى لك كما السماء؟ بسرعة فقت فيها الخيال البشري، الذي توقف عند سرعة الضوء في أحدث ما توصل إليه عقله، المفتقر إلى قلب مغمور بالإيمان بالغيب حيث المعجزة الإلـهية، التي تدفعنا أن نسلم بالأمر تسليما، ونطرد الظنون التي تزيد القلب تيها وتعتيما.

الدرس الأول: العبودية سبيل النصر والتمكين

وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا 9 ، فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان قيام “عبودية” شهد الله له، وما سماه إلا عبدا، وأول عهده بالتكريم الإلهي، كان ابتهالا معبرا، تذرف له العيون وترتجف له القلوب، إثر محنة الطائف، حيث أسلم قلبه لله: “إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك… لك العتبى حتى ترضى… ولا حول ولا قوة إلا بك” 10 ، ومن ثم كانت الدعوة إلى الحضرة الإلهية حيث سدرة المنتهى باسم “مقام العبودية” سبحان الذي أسرى بعبده 11 ، ولا تمكين لورثة الرسالة إلا بتحقيق هذه العبودية، وبناء دولة الإسلام في القلوب أولا، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا وشرط الختام يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا 12 .

الدرس الثاني: تشدون الرحال إلى اثنين فأين الثالث؟

لم تكن بوصلة الرحلة الكريمة، لتتجه أولا نحو بيت المقدس، دون أن ترسم إلى أمة الحبيب معالم الطريق من بعده، فقد برق صلى الله عليه وسلم في عتمة الليل إلى هناك، ولم يبطئه ما ينتظره من إجلال وتكريم عند سدرة المنتهى حيث جنة المأوى، وذلك ليربط أواصر القدسية بين أول بيت وضع للناس بمكة، وأول قبلة اختارها الله لأمة الإسلام، مع ثالث بيت يخبئه القدر إلى حين بالمدينة المنورة بنور رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث تكتمل الرسالة النعمة، “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى” 13 . فكيف يطيب لأمة – حفظت عهد نبيها – أن يشد ملايين أبنائها الرحال إلى اثنين منهما، والثالث في غربة أليمة، وعزلة قاتلة؟ يدنس بنو صهيون أرضه وما حوله وقد باركها الله. ستة وستون عاما، وأمة المليار تقول ولا تفعل، وتعد ولا تفي، وتعاهد ولا تصدق، يرسو باكيا تحت سهام غادر، لا يكاد يصمد إلا بقدرة قادر، وبأنات حراس الثغور الساجدين بين أركانه من الرجال والحرائر، فيا ويح أمة نكثت عهد نبيها، ونسيت أولى قبلتيها…

الدرس الثالث: إمامة الأمم ولا فخر

ويتقدم الحبيب صلى الله عليه وسلم، ليدخل المسجد الأقصى لأول مرة، ليعلن من هناك تسلم قيادة هداية العالم، برسالة عالمية رحيمة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 14 ، ويحضر مراسم التسليم هذه، قادة الاستخلاف من بداية أول نبي على البسيطة آدم، إلى آخرهم سيدنا عيسى عليهم صلوات ربي أجمعين، وهل هناك أبهى صورة للإجماع والاعتراف بالسمو والكمال، أسمى من إمامة الصلاة بكوكبة يغشاها الخليل إبراهيم، وكليم الله موسى، وغيرهم من أولي العزم من الرسل؟ تلكم الرسالة المختومة بقوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام 15 ، لتضع على عاتقكم – معشر المسلمين – أمانة بسط رسالة الإسلام إلى العالم بصفائها ووسطيتها وأخوتها وعدلها، لأن قوتها في نباهة عرضكم، وقوة حجتكم على الأرض، فلا تدعوها رسالة ناجحة في أيد سائبة فاشلة!

الدرس الرابع: الصلاة معراج إلى الله

يشرفنا، نحن أمته، هذا التكريم الإلهي لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لم يدركه بشر ولا ملك مقرب، هذا المعراج إلى المقامات العلا، حيث سدرة المنتهى، وحيث رأى من آيات ربه ما رأى، من نار وأهوال وجنة المأوى، وكانت الخاتمة العظمى والنعمة الكبرى، تجلي الحق سبحانه وتعالى بنوره، وكرامته ورحمته، ليفرض على أمة الحبيب، ما به يوصل العبد بربه ليلا ونهارا على الأقل خمس مرات، ليبقى المعراج إلى الله موصولا، ولتبقى الأمة ما بقيت صلاتها، وصدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة […] فإذا انتقضت عروة الصلاة فقد تودع منها” 16 ، سلام عليك يا سيدي يا رسول الله، طبت حيا وميتا، وطاب ورثتك من بعدك، ما دامت سيرتك فينا، نبراس الطريق وعلم الهدى.

خاتمة

الدعاة اليوم أحوج ما يكونون، إلى الاغتراف من النبع الصافي، سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، مواساة لهم، وهم يعانون من تكالب وتآلب قوى الخارج، متآزرة بأنظمة الداخل. فها هي ذكرى الإسراء والمعراج، تلقي علينا بنفحاتها وظلالها، والمستضعفون في محنة من أمرهم، أرواح بالآلاف تصعد إلى ربها شاهدة على طغيان الأنظمة، شهيدة ترسم من جديد سبيل عزة الأمة، وأخرى بأعداد مضاعفة وراء القضبان، أو لاجئة في البلدان، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا 17 ، منهم العجائز والأرامل واليتامى والرضع. فلتكن عبرة الذكرى وأسوتها، أن هاهو نبيكم، المؤيد بالوحي، حبيب الله ومصطفاه، يصيبه من القرح والظلم ما تضرعت من هوله ملائكة السماء، ليرسم لنا طريقا بيضاء لاحبة، خاتمتها وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم 18 والعاقبة للمتقين 19 .


[1] سورة الضحى الآية 3.\
[2] سورة الفتح من الآية 29.\
[3] سورة الكهف 110.\
[4] سورة المائدة 67.\
[5] سورة مريم 64.\
[6] رواه الطبراني وغيره.\
[7] سورة الإسراء من الآية 1.\
[8] سورة النجم 13.\
[9] سورة الجن 19.\
[10] رواه الطبراني وغيره.\
[11] سورة الإسراء من الآية 1.\
[12] سورة النور الآية 23.\
[13] رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.\
[14] سورة الأنبياء الآية 107.\
[15] ءال عمران الآية 19.\
[16] الإمام أحمد والطبراني من حديث أمامة الباهلي رضي الله عنه.\
[17] سورة النساء الآية 75.\
[18] ءال عمران الآية 126.\
[19] الأعراف الآية 128.\