مناطقُ شاسعة من إقليمي زاكورة وطاطا المعروفة بندرة التساقطات وشح الفرشة المائية، وبالخصوص في هذه السنوات الأخيرة العجاف، باتت الآن قاب قوسين أو أدنى من موجات من الهجرة الجماعية هروبا من الجفاف.

سكان هذه المناطق معروفون بجلدٍ وتحملٍ منقطع النظير لقساوة الظروف وشظف العيش، إذ يُمضي رب الأسرة وعائلها معظم حياته مكابدا في مدينة الدار البيضاء أو الناضور أو أكادير أو غيرها من المدن التي يمكن أن توفر له فرصة شغل، لكي يستخلص من بين مخالب الشقاء والعناء لقمة عيش للوالدين العجوزين والزوجة والأبناء القابعين في العزلة والحرمان. ولا مجال للحديث هناك عن الاستمتاع بلذيذ الفواكه وأنواع الخضروات، ولا عن جودة الخدمات الصحية والتعليمية ولا عن الدواء والسكن الكريم، فبالأحرى عن الكماليات، ومع ذلك فقد ظل الصمت والصبر سيد الموقف إلى أن استبشرت هذه المناطق بتقاطر مستثمرين مغاربة وأجانب أتوا لزراعة البطيخ الأحمر مستفيدين من أراض شاسعة خصبة ويد عاملة رخيصة، وبدأ إنتاج ألذ أنواع البطيخ في المغرب واكتسبت شهرة واسعة، فسارع مئات التجار وأرباب الشاحنات إلى تسويقه شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، بل وعرفت هذه الفاكهة طريقها إلى خارج البلاد أيضا.

ولأن زراعة البطيخ الأحمر تستهلك كميات هائلة من المياه تفوق التصور، فاكتمال نضج بطيخة واحدة يتطلب المئات من الليترات من الماء! فما هي إلا سنوات قليلة حتى امتصت المضخات التي لا تتوقف عن العمل ليل نهار ما تبقى من أغلى ثروة في باطن أرض هذه المناطق الحارة الجافة، وهي فرشتها المائية، وأضحى السكان يعيشون صعوبة بالغة في الحصول على قطرة ماء تروي عطشهم وظمأ ماشيتهم وما تبقى من مزروعاتهم. فعلام يصبر الناس بعد هذا الذي حصل وعلام يحرصون؟ ماذا يحرسون من بلداتهم غير مباني وأطلال لم تعد تجدي نفعا بعد جفاف السواقي والأنهار وغور الآبار ونضوب مصدر الحياة، قال الله عز وجل في كتابه العزيز: وجعلنا من الماء كل شيء حي.

في شهر ماي 2014 عاينت بنفسي انقطاع الماء باستمرار عن مؤسسات ثانوية تعليمية إعدادية وتأهيلية في إقليم طاطا، وكان هذا الانقطاع أشد فداحة في الداخليات التي تؤوي المئات من التلاميذ والتلميذات، فلكم أن تتصورا أيها القراء الكرام حال الصنابير والمرافق الصحية ومصير النظافة، خاصة في أشد مناطق المغرب حرارة، وهناك دواوير وأحياء في كل من إقليمي تنغير وزاكورة تعيش أوضاعا مزرية مشابهة.

في ظل هذه الأوضاع الكارثية يستحيل الثبات ودوام الحياة، وهو ما ينذر بالنزوح الجماعي لمن لا يزال متشبثا بالمرابطة في تلك الثغور نحو المدن المكتظة أصلا.

تُرى من المسؤول عما يحدث؟

إذا كانت الظروف الطبيعية قدرا لا مفر منه، فلا شك أن النظام المغربي يتحمل مسؤولية حماية الثروة المائية عن طريق الترشيد الزراعي والتنظيم الفلاحي للحيلولة دون وقوع هذه الفوضى البيئية والإنسانية؛ فهو الذي يستحوذ على مناجم إميضر وبوازار وألنيف وغير ذلك من الثروات التي تختزنها أقاليم تنغير وورزازات وزاكورة ويستغلها شر استغلال، ثروات هائلة كان بالإمكان استثمارها لإرساء التنمية المستدامة في هذه المناطق المهمشة المنكوبة، لكن لا يُعرف حجمُها الحقيقي ومصيرها في دولة ترفع زورا شعارات “الشفافية” و”الحق والقانون”!