أضحى من المسلمات أن الحوار ليس ترفا تواصليا تجنح إليه مكونات المجتمع عندما يسمح الفراغ بذلك، بل هو على النقيض تماما من أولى الأولويات وآكد الضروريات لمواجهة تراجيديا اليأس من إصلاح المنظومة التربوية وتحمل الجزء من المسؤولية المباشرة عن فشل التعليم المغربي والسماح أو المشاركة الفعلية في إفشاله إلى درجة مزمنة من قبل من يتربص به الدوائر. ولعل من بين مداخل الإصلاح الأساسية وضع رؤية ومشروع مجتمعيين يسطران الأهداف الكبرى من المنظومة التعليمية، ووجود إرادة سياسية قوية وإدارة حكومية نزيهة وشجاعة، ونظرة إصلاحية شمولية واستلهام الأفكار المناسبة من التجارب العالمية الناجحة، وتصحيح وضعية نساء ورجال التعليم بمراجعة الأجور الزهيدة التي تسبق بالمن و تتبع بالأذى، وإلا كنا كمن يبحث في غرفة ظلماء عن قطة سوداء ولعلها غير موجودة.

ولعله من أحمد المحامد أن تعترف الدولة بعدم قدرتها على مواجهة معضلة فشل التعليم وحيدة وأن تستشعر ضرورة مشاركة مكونات المجتمع وخصوصا الفاعلين المباشرين في تشخيص مكامن الداء والخلل وتوجيه بوصلة الإصلاح واقتراح الحلول العملية واعتماد منهجية تشاركية تشاورية موسعة ما فتئ الغيورورن المخلصون ينادون بها ويدعون إليها. ومعلوم أن المشورة لقاح العقول، وأنها أول الحزم، وأن الرأي قبل شجاعة الشجعان. وقد قال الشاعر ناصر الدين الأرجاني:

اقرن برأيك رأي غيرك واستشر *** فالحق لا يخفى على اثنين
للمرء مرآة تريه وجهه *** ويرى قفاه بجمع مرآتين
شاوِرْ سِواكَ إذا نابَتْكَ نائبةٌ *** يوماً وإن كنتَ من أهلِ المشورات
فالعَيْنُ تَلْقى كِفاحاً ما نأى ودنا *** ولا تَرى نَفْسَها إلا بمِرآة
ومن أسباب نجاح الإصلاح عدم الخلط المتعمد بين الغاية والوسيلة، فمن التفت عن غايته ضل الطريق وتفرقت به السبل، والوسيلة ليست مقصودة لذاتها فإن تعطلت أو فشلت فدونها وسائل أخرى كثيرة لذلك لا يفترض أن تكون مثل هذه اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية التي لا تعقد – بالمناسبة – في المغرب وحده بل في أغلب الدول العربية في فترات مختلفة وذلك بإيعاز من منظمة اليونسكو لاستثمار تقاريرها في اللقاءات الدورية التي تعقدها المنظمة كل سنتين. وكان اللقاء الثاني قد عقد في مسقط عاصمة سلطنة عمان في أكتوبر من سنة 2012 باسم اللقاء التشاوري الإقليمي للجان الوطنية العربية بشأن إعداد الاستراتيجية متوسطة الأجل (2014-2021) والبرنامج والميزانية للفترة (2014 – 2017)، لا يفترض في هذه اللقاءات أن تكون غاية في ذاتها بل وسيلة لما بعدها، وإذا لم تكن كذلك فلن ندرك غاياتنا حتى ينقر في الناقور ويلد البغل العقور .

والداعي إلى هذا الكلام ما رأيناه من تجاهل للإصلاحات المتراكمة منذ فجر الاستقلال إلى اليوم وآخرها ما حدث مع منتديات الإصلاح وتقرير المجلس الأعلى للتعليم والبرنامج الاستعجالي في منحى معاكس لما جاء في خطاب 20 غشت 2013 من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد خلال كل خمس سنوات متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله نظرا لقصر مدة انتدابها).

غير أن الخلل لا يكمن في فشل التعليم بل في فشل الساسة وسياساتهم. وما التعليم إلا أثر لهذا الفشل الذي عم مختلف القطاعات وخص قطاع التربية والتعليم، ومما يؤكد ذلك مثلا أن تجد في مقال بعنوان العرب في ذيل التصنيف العالمي للتعليم) أنه من خلال دراستين أجراهما باحثون في كلية بوسطن الأمريكية أن العديد من الدول العربية تتذيل التصنيف العالمي لأداء التلاميذ في العلوم والرياضيات والقراءة. وقد تفوقنا – نحن المغاربة – على الأتراب والنظراء فكان أسوأ أداء في القراءة للمغرب وعمان وقطر، وأسوأ أداء في الرياضيات للمغرب واليمن والكويت، وأسوأ أداء في العلوم للمغرب واليمن وتونس، فيما سجلت أحسن النتائج عند فنلدا وروسيا وسنغافورة وهونج كونج وكوريا لجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية.

فهل تكون هذه اللقاءات التشاورية المبشرة مظهرا والمنفرة جوهرا بداية صحيحة لتلمس طريق الحلول الناجعة أم إنها ستنتج سيلا من الكلام الإنشائي المعتاد الذي لا تحده حدود ولا تقيده قيود والذي سيزيد المشهد التربوي ضبابية وارتباكا؟ وهل ستنتج هذه اللقاءات سنوات سمانا تنسينا سنوات التيه والشرود العجاف، وذلك عبر حلول تنفع الناس وتمكث في الأرض؟ أم إنها ستكون كسوالفها من الإصلاحات مضيعة للوقت وهدرا للجهد وإسرافا في تبذير المال العام دون حساب أو رقابة وذرا للرماد في العيون وتحقيقا لأوطار سياسية ضيقة لا تقيم لمصير الأمة وزنا ولا ترقب في المواطنين إلا ولا ذمة، وحسن تخلص من إصلاح فاشل إلى آخر أكثر منها فشلا منه؟ ويكون مصير هذه التقارير التكديس في رفوف المتلاشيات أو صناديق القمامة، ثم نبدأ رحلة سيزيفية مفتعلة للبحث عن مشجب جديد نعلق عليه خيباتنا وإسرافنا في فشلنا.