قال الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، أن الاستبداد على مر التاريخ البشري غير قابل للإصلاح في ذاته، وإن بدا أنه يميل إلى قبول الإصلاح فإن ذلك لا يعدو المناورة والمراوغة والانحناء للعاصفة مرغما وربحا للوقت. ولنا في قصص القرآن الكريم عبر عن هذا الصدام الحدي وتلازم الاستبداد والفساد إلى درجة تلبس الواحد منهما بالآخر).

الفكرة الراسخة التي طالما عبر عنها الناطق الرسمي قالها أثناء مشاركته في ملتقى المفكرين المسلمين، الذي نظم تحت رعاية الاتحاد الإسلامي الماليزي في كوالالمبور بماليزيا يومي 30 أبريل وفاتح ماي 2014، حول موضوع تطورات التحول الديمقراطي في العالم الإسلامي)، حيث شارك بورقة انطلق فيها من مجريات الربيع العربي وتطوراته ليتحدث في محورين هامين، يجمعان تفكير وحركة الإسلاميين في الأوضاع الجارية استشرافا لاستكمال دورهم، إلى جانب كل الفضلاء، في سبيل الانعتاق الكامل للأمة الإسلامية من ربقة الاستبداد والفساد، الأول بعنوان الإسلاميون والموقف من الاستبداد)، والثاني الإسلاميون والحكم والآخر).

القواعد الأربع لمواجهة الاستبداد

وفي سياق حديثه في المحور الأول استخلص أربع قواعد هامة هي أولا: عدم الرهان على مقولات الإصلاح من الداخل أو إصلاح ما يمكن إصلاحه أو العمل في الهوامش لتوسيعها.. في جميع المراحل وعدم الانخداع بأي مناورة من مناورات المستبدين أو وضع اليد في أيديهم بأي شكل من الأشكال).

وثانية القواعد هي التأكيد على أن المدخل الصحيح للتغيير هو العمل المجتمعي تحضيرا للقيام الشعبي من أجل إسقاط الاستبداد، وهذا تقره تجارب كل الحركات التغييرية الشاملة أو العميقة عبر التاريخ وأكدته الانتفاضات الشعبية خلال الربيع العربي. وقد جربت كثير من الحركات الإسلامية في دول مختلفة (مصر، المغرب، الأردن، الجزائر…) محاولة الإصلاح المتدرج من الداخل من خلال الهوامش الضيقة التي تفتحها الأنظمة التي تبحث أحيانا عن تجديد أساليب استبدادها والاستفادة من شعبية ومصداقية بعض القوى، لكن ثبت أنها كانت مجرد فتحات صغيرة للتهوية حتى انفجرت الأوضاع في شكل ثورات عارمة غير منظمة).

أما ثالثة القواعد ضرورة الوضوح التام في تحديد جوهر المعضلة، فأصل الداء هو اغتصاب الحكم والذي ترتبت عنه كل مظاهر الاستبداد والفساد من غياب الحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، واحتكار الحكم في أسر بعينها سواء في الأنظمة الملكية أو الجمهورية، والتخلف والفقر والجهل واحتكار الثروة وسوء تدبيرها… ورابعا: عدم الاستعجال في الوصول إلى الحكم، مع ما له من أهمية باعتباره أداة لتحقيق “العدل والإحسان”).

من المعارضة إلى المرحلة الانتقالية

وفي المحور الثاني أكد الأستاذ أرسلان أنه لا بد من الوقوف مع تدبير مرحلتين أساسيتين في أي حركة تغيير: الأولى: مرحلة المعارضة، وتتميز بأن قوة المعارضة تكمن في قوة تفاهم مختلف أطرافها وفي اتفاقهم على تصور عام للتغيير وعلى خارطة طريق واضحة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال حوار مسؤول يطرق مختلف القضايا السياسية والفكرية ويفضي إلى اتفاقات واضحة. ولا ينبغي أن ننتظر ضغط الأحداث للشروع في هذا الحوار، لأن من شأن ضغط الأحداث أن يفسد عملية الحوار من أصلها أو يفضي إلى اتفاقات متسرعة لا قرار لها).

أما المرحلة الثانية فهي، حسب أرسلان، المرحلة الانتقالية التي تتميز في نظره بثلاثة مداخل.

المدخل الأول هو الانتخابات، وخطورة هذا المسلك أنه لحد الآن لم يفض إلى أي تحول جوهري في العملية السياسية السائدة، خاصة إذا استند على منطق تصالحي مع الاستبداد في بناء العمليات السياسية ورسم الاستراتيجيات، كما تتجلى خطورته في تكريس قواعد العملية السياسية السائدة في أصولها وتفاصيلها، خاصة في المجتمعات التي لم تعرف أي تقاليد في ممارسة الحريات في ظل أنظمة استبدادية قرونية وراثية ملكية أو جمهورية أو أميرية).

والمدخل الثاني هو الثورة، إذ لحد الآن لم نشهد في دولنا إلا الموجة الأولى التي لا بد أن تتلوها موجات أخرى إلى أن يتحقق التغيير الحقيقي بسقوط كل أركان الفساد والاستبداد المتمثلة في شبكات المصالح المتحكمة في الثروة والسلطة وصناعة القرار. والمدخل الثالث هو التعاقد السياسي، الذي يشمل مختلف الأطراف السياسية والمدنية الرافضة للفساد والاستبداد، من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات وهيئات مدنية وعلماء ومفكرين ومثقفين. ومما يساعد على هذا التعاقد جسور الحوار والتواصل والتفاهم في مرحلة المعارضة).

ونظرا ﻷن المرحلة الانتقالية تعتبر من المراحل الأكثر حساسية يرى الناطق الرسمي أنه لا بد من التدقيق في أهم مقوماتها: تحييد المؤسسة العسكرية، والتأسيس لعدالة انتقالية، وإقامة قضاء مستقل عادل ونزيه، والتأسيس لسلطة انتقالية تشاركية، واعتبار وحدة المجتمع خطا أحمر، وعدم إعطاء الفرصة للتدخل الأجنبي، وإشراك الشعب، وإعادة بناء المؤسسة الأمنية من أجل احترام حقوق الإنسان، وحكامة أمنية، والعمل المشترك، والتواصل بدون وسائط مع الآخر وتدبير الاختلاف).

كما اعتبر أن من أهم متطلبات هذه المرحلة: إعداد ميثاق وطني يرسم خارطة سياسية مستقبلية متفق عليها وتشكيل حكومة وطنية انتقالية وتشكيل هيأة مستقلة للإشراف على الانتخابات؛ وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور بشكل يضمن تمثيل مختلف الأطراف ووضع دستور توافقي بتقديم تنازلات مشتركة دون الوصول إلى مستوى الانسلاخ عن المبادئ وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة مسموح بمراقبتها محليا ودوليا).

ولتحقيق هذه الشروط يرى الأستاذ أرسلان لزاما على الإسلاميين الحرص على “تحقيق توافق جامع يغطي جميع محاور اشتغال الدولة لتمريض المرحلة الانتقالية والعبور إلى مرحلة الاستقرار المجتمعي والسياسي”، و”وعي الحركة الإسلامية بشمول واتساع رسالتها وبأن تدبير الحكم واحد من اهتمامات كثيرة”، ولن يتأتى هذا الوعي إلا من خلال الفهم القاصد المقاصدي لثنائية الدعوة والدولة الذي ينتج الإدراك الواعي بأن الحرص على الاشتراك مع الآخرين في تسيير الدولة ليس فقط من باب المرونة التي فرضها رفض الآخر لحكم الإسلاميين بل إنه نابع من أولويات ومهام ووظائف الحركة الإسلامية في كل الظروف والمراحل).

القومة أعم من الثورة

وفي آخر كلمته شدد الأستاذ أرسلان على أن هذا الشمول في الحركة واستغراقها لكل وظائف المؤمن فردا وجماعة يجمعه عندنا مفهوم القومة الذي نراه أعم من الثورة وأنسب في تأطير عمل الحركة الإسلامية ليشمل التربية والدعوة والقيام في وجه الاستبداد وإقامة العدل، وهذا ما نقرأه في كتاب الله العزيز من قوله سبحانه)أقيموا الصلاة، إلى)وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدا ووأن تقوموا لليتامى بالقسط و)كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و)كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وانتهاء بـ)الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.