عندما كنا نبني الأنوية الأولى للحركة الإسلامية على أرض المغرب، بداية سبعينيات القرن الماضي، وكنا حينها آحادا، شرذمة قليلين، ولكننا آساد ضراغيم في معركة ربط الأمة بقيم ماضيها الحضاري التليد، ومطامح الدفع بها نحو الانعتاق والتحرر من مخلفات الاستعمار، بالمشروع الإسلامي الناهض، كنا في احتكاك مباشر مع قوى اليسار التي تسيدت إيديولوجيا ونضاليا، دون منازع، آنذاك، على جميع المستويات والمواقع في المشهد المغربي، من اليسار الاتحادي بكل تلاوينه، إلى اليسار الماركسي اللينيني، بمختلف توجهاته، إلى اليسار الشيوعي الدائر في فلك الاتحاد السوفياتي.

وفي هذا الخضم اليساري المتماوج الثائر على منظومة الماضي، دونما تمييز، بين قوى الرجعية والاستغلال، وبين قوى الأصالة والنضال: الحركة الوطنية، والحركة الإسلامية الناشئة، كان الصراع يقودنا إلى اكتشاف بعض المعادن في اليسار من رجال أحرار وأشراف وأطهار ونبلاء صادقين في كفاحهم الوطني من أجل أن تخرج البلاد من عتمة الضياع والدونية والتخلف.

ولأن المغرب كان وليدا لتوه، من رحم الكفاح والفدائية والروح الاستشهادية ضد الاضطهاد الاستعماري الغاشم فرنسيا وإسبانيا، فقد كانت أنفاس الوطنية الحقيقية ما تزال مستحكمة في مناضلي أجيال ذلك الزمان، بحيث كنا نثقف في المدرسة الاتحادية، وهي غريم سياسي عنيد لنا، عرين أسود، وفي مدرسة اليسار السبعيني، وهي خصم إيديولوجي لدود لنا، منجم رجال.

من هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين أنجبتهم الوطنية الصادقة من رحم المدرسة الاتحادية، المحامي النقيب عبد الرحمان بنعمرو، الذي اقتدت روحه من صخر الثبات والصمود والإخلاص للمبادئ التي يؤمن بها، لا يبدل ولا يتبدل، ولا يغير، ولا يتغير، بالرغم من توالي العقود من السنين تلو العقود، على عمر مديد، رابض به في محراب حراسة القيم الوطنية والمبادئ الإنسانية النبيلة، ولم تزل أو تتزعزع أبدا قدماه المنغرسة بإباء في وقفته على أرض التعبد لله الخالد، بالتجرد للحق، والصفاء للحق، والشهادة للحق، على ما كان يعصف بالمغرب في تلك العقود، من أنواء وعواصف وزلازل وأهوال تشيب لها الولدان، وعلى عكس ما قد أصاب ويصيب البعض من متشدقة الأفواه المشرومة ومتكلمة الألسن المتدلية، من تحول وتلون مرات في السنة الواحدة، لمجرد هبوب ريح عارض.

وتلك سيرة جبلت عليها حياة النقيب عبد الرحمان بنعمرو، وشيمة وسم بها مساره، ليس لأنه أوتي من الشجاعة ما يند عن الوصف، أو عوفي من الخوف الذي هو احتراس فطري مركوز في نفس الإنسان كل الإنسان، فالمعيار عند المناضلين العريقين بالكرامة والعزة على شاكلة النقيب، ليس هو الشجاعة أو الخوف، أو الإقدام أو الإحجام، إنما المعيار في أن يقول المرء كلمة يؤمن بها، لا يزايد عليها تشدقا بشعارات كاذبة، ولا يناقص عنها تزلفا أو تملقا أو تمسحا، كما تتمسح الكلاب بأذيالها.

وليس المعيار هو التحامل على شخص أو أشخاص من أولي الطول والسلطة، بإظهار التطاول والجراءة، والاختيال ببطولة مواجهة ما قد يتهيب منه الناس، فتلك في عرف وعقيدة المناضلين العريقين، بطولة فارغة، واغترار أجوف مريض، إنما المعيار هو النجاح في عرض وجهة نظر قويمة تحلل الأوضاع القائمة التحليل العلمي الدقيق، وتستهدف الرقي بتلك الأوضاع إلى الأحوال التي تتخلص بها البلاد من معوقات نهوضها، وتستثمر ما تمتلكه من مقومات ومكتسبات وتراكمات تاريخية، ذلك هو الاختيار السياسي الذي أرسى قواعده نقيب المناضلين عبد الرحمان بنعمرو، دون أن تلين له عريكة في تشييده مدرسة رائدة في المعارضة السياسية، المدرسة التي لا تخاصم الخصومة السياسية المجانية، أو تنتحل الموقف السياسي اللحظي والمصلحي، ثم تنقلب إلى النقيض، بدون حياء، كما يفعل الأكثرون حين يبدلون ما أعلنوه وما خرجوا به على الرأي العام، ولما يرتدد بعد طرف عين هذا الرأي العام إليه، من الشخوص إلى مواقفهم السالفة.

المعارضة السياسية في مدرسة بنعمرو ليست تمثلا عاطفيا عابرا وسطحيا، إنما هو عمل يواجه الحالة السياسية والأداء السياسي والممارسة السياسية والتضليل السياسي، بالتحليل العلمي، والتأصيل النظري، والدراسة المتفحصة والمناظرة المحاججة، والمنازلة المناسبة لحجم الصراع، وما أحوج الأجيال السياسية الصاعدة إلى أن يتفقهوا على أصول هذا المنهج الذي اشتهر به النقيب بنعمرو في التعاطي مع كل قضية بدراسة نظرية معمقة بعيدة عن رذائل السباب والشتيمة والوقيعة.

وكم ذا سيكون مفيدا حتى للشباب السياسي الإسلامي لو تحللوا ولو لفترة من أغلال وأوهاق بعض من مشيخاتهم الزاحفة على بطونها وذقونها من أجل الدرهم والدولار، ليجالسوا ولو قليلا النقيب عبد الرحمان بنعمرو الذي لم يأكل قط من أثداء السياسة أو الاتجار بالإيديولوجيا، ليتعلموا النزاهة من معينها، وليتشربوا الرصانة من منبعها، ولينهلوا من الرزانة وهي تفيض ثرة مدرارة دون مباهاة بشعارات من دين أو وطنية أو نضال، وهو الذي لا يبخل على أحد من عطاء علمي أو توجيهي، بروح فارهة من الفتوة والشباب، حتى وهو يبلغ من الكبر عتيا.

في ثمانينيات القرن الماضي، خلال سنوات الرصاص، ولما جمعتنا نحن إسلاميي المرحلة، مع يساريي المرحلة، السجون والمعتقلات، كان النقيب عبد الرحمان بنعمرو، منارة تلتف حولها أجيال الاعتقال، ولعلو كعبه في النزاهة السلوكية والفكرية والسياسية، كان عميد الدعاة والقادة الإسلاميين بالمغرب المرحوم الشيخ “عبد السلام ياسين”، يتخذ منه رفيقا ونديما، حينما كانا يأويان معا في زنازن سجن لعلو، إذ كان يأنس ويستمتع بمحادثته في بعض الوقت الذي كان يفيض عن انشغاله المديد بالصلاة والقرآن والكتابة، ولما كنا، نحن المعتقلين الإسلاميين، نستفسر الشيخ ياسين عن تقديره للرجل، فيجيب بأن الرجل من ذوي المروءة والفضيلة، ولعل نظريته الشهيرة في الحوار مع الفضلاء الديمقراطيين كانت مستوحاة من هذا التلاقي الخليلي مع عبد الرحمان بنعمرو تحت ظلال جدران وأسوار المعتقل.

في النضال الحقوقي الذي يعتبر النقيب عبد الرحمان بنعمرو من سدنته وحفظته وبنائيه الأوائل في البلاد، وتعتبر آثاره ومنجزاته التي شيدها فيه معلمة بارزة على الصعيد الوطني والعالمي، لا يتوانى هذا المحارب المتفاني والمتجرد، في ارتداء جبته السوداء، وتجشم مشاق الأسفار، لإغاثة أي لهفان، وإنجاد أي مستصرخ، لا يفرق في ذلك بين من هم على اتجاهه وبين من هم على اتجاه مخالف، فقد دافع في ردهات المحاكم عن الاتحادين والعسكريين واليساريين والإسلاميين، ودافع عن رجال الرأي والإعلام والصحافة من كل لون وصوب، لا يهمه سوى أن يدفع عن المكلوم المظلمة والاضطهاد، ولا يهمه سوى أن يكون من الذين يحصنون صرح العدالة كل العدالة، وأن يكون من الذين يأمرون بالقسط من الناس، أولئك الذين قرنهم الله عز وجل في القرآن الكريم مع الأنبياء: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم، أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين الآية 21-22 آل عمران.

ذلك هو عبد الرحمان بنعمرو، الذي اشتعل رأسه شيبا، ووهن العظم منه، وبلغ من الكبر عتيا، ولم تهن عزيمته في جرأة القول، وشجاعة الموقف، ورزانة المسلك، ونزاهة اليد، وإشاعة الأمر بالقسط بين الناس.