من المعروف أن الساحة الجامعية هي فضاء للتسلح بالعلوم الكونية وتبادل الآراء، لكن سرعان ما أصبح هذا الأمر معاكسا تماما لواقع الجامعة المغربية، حيث بات الترويج للعنف والتطاحن بين المكونات الطلابية أمرا متعمدا من قبل الدولة رغم عدم وجوده إلا نادرا في بعض المواقع، وذلك من أجل إنزال المخططات الإقصائية وشرعنة التدخلات القمعية لإراقة دماء الشباب الأبرياء، لكي تعثو في الأرض فسادا، ضاربة كل القيم الإنسانية والأخلاقية عرض الحائط، نتيجة تركيبتها الفكرية المبنية على الإقصاء والحقد على كل القوى الحية والفاعلة خاصة التي تغرد خارج سربها، والتي برزت بشكل أقوى مع رياح الربيع العربي، حيث أبانت على أنها معادلة ورقم يصعب تجاوزه بسهولة، وذلك لتشبثها بخيار السلمية كمنهج للتغيير، بالإضافة إلى الدعوة للحوار بين الفرقاء السياسيين كآلية للوقوف سدا منيعا ضد الاستبداد والنهوض بالمجتمع.

لذا باتت مسألة العنف، في عرف الدولة، قضية ضرورية يجب زرعها داخل الساحة الجامعية، عن طريق إعادة الاعتبار للفصائل التي تتخذ العنف منهجا في فكرها رغم موتها السريري داخل الجامعة، أو بأي شكل آخر يضمن التدخل ومحاولة الحد من زحف الفصائل الماضية قدما في توعية الطلبة لمناهضة كل المخططات التخريبية للتعليم عموما..

وللخوض في الحدث المؤلم الأخير الذي خيم على الساحة الجامعية وهو مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي رحمه الله، لا بد من طرح بعض التساؤلات المبدئية المؤطرة:

من المسؤول عن هذا الفعل الإجرامي؟ من المستفيد منه؟ لماذا تم في هذا الوقت بالضبط؟ من ليس في مصلحته هذا الحدث الدموي؟ لماذا الدورية الثنائية بعد كل هذا؟ ماذا بعد هذه الدورية الثنائية؟

أسئلة وأخرى تطرح نفسها بقوة، لكن أكيد تبقى مسألة الإجابة عليها ليست بالسهلة، نظرا للملابسات التي خيمت على المشهد، لكن لا يمكن حجب الشمس بالغربال.

على مستوى السياق العام للحادث يظهر بتجل ومن خلال ما صرح به الإخوان في منظمة التجديد الطلابي أنهم كانوا بصدد تنظيم ندوة حول الحوار الإسلامي اليساري ولا علاقة لموضوع آيت الجيد رحمه الله بالأمر وبالتالي فالقضية مفبركة من قبل طلبة البرنامج المرحلي وبتنسيق مع جهات خارجية لها مصلحة في زرع العنف ونسف مثل هذه الندوات التي تسعى إلى بناء توافقات بين الإسلاميين واليساريين، لذلك تم اعتبارهم الفاعل المباشر في الجريمة، وهذا لا غبار عليه على اعتبار أن من تعرضوا للهجمة الشرسة وذاقوا طعنات الغدر تعرضوا لتهديدات شفهية بالإضافة إلى بيانات تنديدية تعترض على تنظيم هذه الندوة ونسفها.

لكن من وجهة نظر طلبة البرنامج المرحلي هناك قصة أخرى، فهم فعلا يؤكدون على أن طلبة المنظمة كانوا يريدون تنظيم ندوة حول تداعيات وملابسات مقتل الطالب آيت الجيد، وما أفاض الكأس وزاد الطينة بلة هو مشاركة عبد العلي حامي الدين عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الذي يعتبرونه الفاعل الرئيسي في مقتل آيت الجيد، وبالتالي فحضوره في الندوة هو بمثابة استفزاز لمشاعرهم وتملص من المسؤولية في القتل، لكنهم من جانب آخر يؤكدون على أنهم أبرياء وأيديهم بيضاء فيما يخص مقتل عبد الرحيم الحسناوي رحمه الله ويحملون المسؤولية للمخزن على حد تعبيرهم.

تعمدنا سرد هذه الأحداث لنبين بالملموس أن هناك أيادي خفية في هذا الملف من قبل شهادة الطرفين سواء الطرف الضالع في القتل أو المقتول، زيادة على أن وضعية عبد الرحيم الحسناوي كانت قابلة للعلاج، وبالتالي فكان هناك غياب متعمد لمعاينة حالته، فموته إذن يضع علامة استفهام.

لسنا هنا لجنة لتقصي الحقائق، ولكن هناك قتيل ينتمي لفصيل ذي توجه إسلامي ينبذ العنف، أما المتهم في القتل فهم فصيل طلبة البرنامج المرحلي ذي التوجه اليساري الراديكالي المتطرف المعروف عليه تاريخيا استعمال العنف داخل الساحة الجامعية.

لكن هذا لا يجب أن ينسينا أن مسؤولية الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه الجريمة ثابتة، وذلك من خلال السياق العام للسياسة التي تنهجها داخل الجامعات والأحياء الجامعية من خلال الأوضاع المزرية المتمثلة في ضرب العمل النقابي وتدخل قوى القمع في الجامعات (محاولة نسف ملتقى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الثالث عشر…) والأحياء الجامعية (مقتل الطالب محمد الفيزازي…) والتضييق على أنشطة الفصائل وإغلاق الأحياء الجامعية، ثم التدخل في قرارات الإدارة…

عموما يبدو أن الدولة كانت تنتظر فقط أن تسنح الفرصة لتضغط على الزناد، فبعد هذا الحادث المؤلم الذي عرفه الجسد الطلابي والذي أدى إلى استشهاد الطالب الحسناوي بدأت السلطات مباشرة بالتحضير لبعض الإجراءات التي تطبخ في الخفاء، حيث أعلن الوزير الداودي بمجلس النواب أنه سينطلق إلى فاس من أجل الاجتماع مع رؤساء الجامعات ومدراء الأحياء الجامعية والتنسيق مع وزارة الداخلية من أجل دراسة الوضع الحالي للجامعات المغربية لإنتاج قوانين (قيود) للحد من الحرية النقابية للعمل الطلابي، فكانت النتيجة بعدما تمخض الجبل فأنجب دورية ثنائية تحن إلى الأيام التي خلت من تاريخ الجامعة المغربية التي أفرزت في ظرفية معينة دورية ثلاثية خلفت من ورائها أضلاعا كسرت وجماجم تهشمت واعتقالات بالمجان وطردا تعسفي للطلبة..

السيناريو الواضح الآن هو أن الساحة الجامعية ستعرف دخيلا آخرا وضيفا غير مرحب به من قبل كل مكوناتها على أساس أنه لا يحابي أحدا وهدفه هو خلق الرعب في صفوف الطلبة وتكريس عقلية أحادية التدبير للجامعة وأنه لا محيد عنها حتى لو قتل كل الطلبة، والتضييق من جديد على أنشطة كل المكونات الطلابية خاصة التي تدعو في هذه المرحلة الراهنة إلى تنظيم ندوات تجمع بين الإسلاميين واليسار بغرض التقرب والوحدة من أجل تكثيف الجهود للنهوض بالأوضاع المزرية التي تعيشها البلاد.

ويبقى السيناريو الأخطر هو أن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن، على اعتبار أن الأوضاع الاجتماعية كارثية (البطالة، التعليم…) ووعي الطلاب ازداد مع ظهور الطلاب خلال الربيع العربي بصورة أعادت لهم مكانتهم القوية والضاربة في قيادة التغيير، وما زلنا نرى لحد الآن تحركات طلبة مصر ضد الانقلاب، حيث يسقط يوميا عشرات الشهداء الذين فضلوا الموت والاستشهاد على العيش تحت وطأة الاستبداد، فلا يمكن أن نستبعد هذه الفرضية التي تتجلى في إمكانية تحول هذا الضغط الممارس على الجامعة إلى سخط جماهيري قد يصنع الثورة لا محالة ويكسر كل نظريات الاستقرار ويزيل مساحيق التجميل.

لذا بات من الضروري والمؤكد ومن غير تأخير أو تأجيل على كل المكونات الطلابية وفضلاء المجتمع المدني الوقوف وقفة رجل واحد في هذه اللحظة التاريخية للتصدي لكل السياسات الإقصائية، على اعتبار أن هذه الأخيرة قد ولى عليها الزمن، وعلى أساس أن الجسد الطلابي أصبح قوة ضاربة لا يمكن بترها أو تجاوزها.

كما يجب التصدي لكل سياسات المسخ والتدجين الممنهج الهادف إلى إقبار دور ومحورية الطلبة في بناء المجتمع النهضوي، وذلك من خلال جلسات تأسيسية تجمع كل المكونات الطلابية الحرة الإرادة، تضع ميثاقا شرفيا تتنازل فيه عن “التاريخانية” والغطاء السياسي.. من أجل المصلحة العامة وأن الجامع الأكبر هو الجامعة، وذلك لتحديد الهوية الأساسية للحركة الطلابية المغربية وتكوين ذرع واق لحماية دماء الشهداء والمعتقلين وكل حماة الجامعة عن طريق نبذ العنف والتشبث بخيار السلمية ومد جسور الحوار.. كما يجب على جميع طلاب المغرب التحسيس بخطورة هذه الدورية مع أخذ الحيطة والحذر واليقظة والوعي الكامل وتحمل المسؤولية في هذه المرحلة التاريخية، والإشارة إلى معطى لا يمكن تغييبه وهو أن تدخل القمع بالجامعة كان من قبل ولا يزال، لكن الجديد فيه الآن هو أنه سيأخذ صيغة قانونية توافقية بين مؤسستين عموميتين وذلك تحت مرأى ومسمع العالم.

ولا يجب أن ننسى كما سبق الذكر أن الساحة الجامعية عرفت دورية ثلاثية، وها هي الآن دورية ثنائية، وغدا تصبح دورية أحادية وفي الأخير يزول الاستبداد والفساد.. فالأمر إلى زوال والعبرة بالجار، وما ضاع حق وراءه طالب، أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال * وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال * وقد مكروا مكرهم * وعند الله مكرهم * وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال * صدق الله العظيم (إبراهيم 44-46).