مقدمة

إن التفوق الدراسي هو من أهم أولويات الأهداف التي تشغل أذهان الطلاب، فالنجاح مطلب جميع المتعلمين والمتعلمات، ويعتبر تحقيق النجاح غاية مطمح كل طالب.

فالنجاح بمثابة صندوق مغلق، فمن أجل فتحه لا بد أن تمتلك مفتاحا وفلسفة وخطة وبرمجة وإعدادا ورؤية ومنهاجا لذلك. وعليه فقد أصبح النجاح علما قائما بذاته، وصناعة النجاح تتطلب امتلاك الإرادة والعزيمة الصلبة، واستراتيجية مستقبلية، وعملا دؤوبا، وصبرا متواصلا.

والنجاح منبع أصيل يروي منه الطلاب ظمأهم، فالسعادة أن يجني المتفوقون ثمرة جهدهم ولو بعد حين. فكل متعلم يسعى أن يكون ناجحا دراسيا واجتماعيا وماديا.

إن التفوق العلمي وصناعة الشخصية الناجحة يحتاج إلى نفس تواقة وخبرة علمية وهمة عالية وعقلا راشدا.

فماذا نقصد بالنجاح؟ وما شروطه؟ وما قواعده؟ كيف نصنع النجاح؟ وكيف نراجع ونستعد للامتحانات؟ وما دور الإعلام والأسرة في صناعة النجاح؟

أسئلة سنحاول الإجابة عنها بدراسة تحليلية ونظرة موضوعية وشاملة.

مفهوم النجاح وشروطه وقواعده ومعيقاته

مفهوم النجاح

إن مفهوم النجاح يختلف من شخص لآخر، ويختلف بحسب مجالاته، فهناك النجاح الدراسي والاجتماعي والأسري والمهني…

فالنجاح يمكن تعريفه: اقتحام العقبة في الجبل الكئود ويكون ذلك بالقدرة على تحدي الصعاب.

النجاح في مفهومه العام هو: شعور الفرد وإحساسه بالسعادة. والنجاح هو الصبر والمثابرة في الوصول إلى أهداف معلومة وفي فترة زمنية محددة.

وفي مفهومه الخاص: النجاح هو أن يتفوق المتعلم في دراسته وذلك بأن يثق بنفسه وقدراته ويأخذ بالأسباب ويتوكل على الله تعالى.

شروط النجاح

لتحقيق النجاح شرط ذاتي وشرط موضوعي.

فالشرط الذاتي يتمثل في وجود الإرادة والعزيمة والطموح لدى المتعلم، فلا يسعى للتفوق الدراسي الفاشل واليائس، ولا يسعى للتميز من لا يمتلك الهمة العالية ولا الثقة بالنفس، فالنجاح أمل وحلم يسعى إليه من يمتلك النية الصادقة مع الله عز وجل وأصبح قلبه متعلقا به ومتوكلا عليه. فمن عرف الله سبحانه هان عليه كل شيء.

فخوفك من الله جل وعلا وقود الشرط الذاتي، فامتثال أوامر الله وطاعته واجتناب نواهيه والمحافظة على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن وذكر الله والتماس الدعاء من الصالحين ومن الوالدين كلها ضوابط في امتلاك الإرادة والعزيمة.

والشرط الموضوعي: يتجلى في تحديد الأهداف واتخاذ الأسباب والرفقة الصالحة وتنظيم الوقت.

فالمتعلم الناجح هو من يؤمن بذاته وقدراته، ويحدد الأهداف ويتخذ الأسباب لتحقيقها.

فالتفوق الدراسي شعور يبدأ من المتعلم. فسفينة النجاح تحتاج من الطالب بذل الجهد والصبر والمثابرة على اقتحام العقبة، وأولاها خطورة عقبة النفس والهوى والشيطان. قال تعالى: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة (البلد 11). وقال سبحانه: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (الشمس 9).

قواعد النجاح

إن لتحقيق النجاح عدة قواعد وأسس ومبادئ وضوابط نذكر منها ما يلي:

– عدم تأجيل عمل اليوم إلى الغد.

– لا تضيع الوقت.

– تحديد الأهداف واتخاذ الوسائل.

– الاستفادة من الأخطاء.

– محاسبة النفس.

– التعاون مع النجباء والمتفوقين.

– إتقان العمل.

– الحسم في اتخاذ القرار.

– اكتساب خبرات ومهارات جديدة وتنمية الأفكار والمعارف.

– اكتشف مواهبك…

معيقات النجاح

قد تقف أمام المتعلم عدة معيقات لتحقيق نجاحه الدراسي، لكنه يجب أن يتغلب عليها ومن هذه المعيقات نذكر:

– ضعف الإرادة والعزيمة، وعدم الثقة بالنفس.

– عدم وضوح الأهداف.

– الكسل والخمول والقعود والعجز عن أداء العمل.

– عدم اتخاذ الأسباب والوسائل.

– غياب التوكل على الله تعالى.

– عدم تنظيم الوقت.

– الرفقة السيئة.

– المماطلة والتسويف.

– المثبطون الفاشلون والمتشائمون.

– عدم الإدراك والتمييز.

– التفكير السلبي.

– عدم تحمل المسؤولية كاملة…

كيف تصنع النجاح؟

إن صناعة النجاح وبناء المتعلم الناجح في دراسته يتطلب في البداية أن يمتلك هذا الطالب إرادة وعزيمة وهمة عالية وثقة بالنفس وتوكلا على الله – أي تحقيق الشرط الذاتي-

وأعتقد أنَّ تحقيق أيَّ نجاحٍ لا بُدَّ له مِن خطوات عملية أهمها:

1. تحديد الأهداف

إن أي عَمَل كيفما كان لا بد له من هَدَف معلوم، وإلا فهو عَبَث وعَمَل مَبْتُور، المهم أن تحدد هدفك، ولا تنسى أن يكون هذا الهدف يؤدي إلى النجاح. ولا يكفي المتعلم أن يحدِّد هدفهَ فحسب بل يجب عليه السعي إلى تحقيقه من خلال وضع وإعداد مشروع وخطة محكمة لذلك. فكم هو أجمل أن يتخذ الطالب الأسباب ويكونَ واثقًا من قدراته.

2. احرص على تنظيم الوقت وترتيب الأولويات

المتعلم الناجح هو الذي ينظم وقته، فلا بد أن يضع لكل هدف مرحلي الوقت المحدد لتحققه، ويسعى من خلال ذلك إلى الموازنة بين الأولويات فيقدم الضروري على الحاجي ثم التحسيني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”.

3. لأي نجاح ثمن

وثمن النجاح الحقيقي هو الإيمان بالله وصدق النية له والتوكل عليه والصبر في الطريق إلى حين الوصول إلى المبتغى.

4. مصاحبة الناجحين والاستفادة من تجاربهم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.

فاحرص أيها الطالب على أن تعرف ما الذي تريده، وأن تقرر متى تريد فعله، وأن تكون لديك الهمة العالية، وخطط لعملك، وكن مرنا في اتخاذ القرارات الحاسمة.

كيف تراجع؟ وكيف تستعد للامتحانات؟

1. كيف تراجع؟

– لا تعتقد أيها المتعلم طريقا آخر للنجاح غير توكلك على الله عز وجل ثم على تخطيط منهجي.

– من الضوابط المهمة للاستيعاب والإدراك: الفهم، النسخ، الحفظ استعمال أغلب الحواس.

– قم بتحضير بطاقات من حجم صغير لمراجعة دروسك، واستعمل لونا خاصا بكل مادة دراسية، واستعمل لمساتك الخاصة على هذه البطاقات: تسطير، رموز، ألوان، ملاحظات، روابط بين الأفكار.

– فترات المراجعة: اجعلها قريبة بما يكفي كي لا تنسى.

– راجع دروسك بانتظام، ولا تعول على الأسبوع الأخير أو الشهر الأخير فالطالب الناجح هو الذي يستوعب درسه مع أستاذه ويسعى إلى تنمية معارفه بالبحث والمطالعة في كل أوقاته.

– صغ برنامجا عمليا تقسم فيه وقتك إلى فترات: وقت للفهم، ثم زمن للحفظ والتذكر، وزمن للمراجعة وتثبيت الأفكار والمعارف. وخصص الصباح الباكر للمواد الأدبية التي تحتاج منك إلى الحفظ.

– قم باستغلال الأوقات الميتة: في طريقك إلى المؤسسة، في الحافلة، قاعة انتظار، انتظار صديق…

– لا تقم بإهمال أي مادة أو أي درس مهما بدا لك غير ذي أهمية.

– استعمل مفكرة جيبية لتنفيذ برنامجك التعليمي الخاص بك.

– احرص على المذاكرة الجماعية مع مراعاة الشروط التالية: مشاركة كل أفراد المجموعة وبفعالية، وأن تكون هذه المجموعة مكونة من 3 أفراد على الأكثر، عدم تحويل هذا الاجتماع إلى حصة للتسلية والدردشة، ثم عدم الاعتماد الكلي على المراجعة الجماعية.

– تعلم من أخطائك ولا تستسلم للفشل والقلق والإحباط واليأس.

2. كيف تستعد للامتحانات؟

– عليك بالاستعداد للامتحان منذ بداية السنة الدراسية.

– تجنب الاعتقاد الخاطئ حول ذاتك وقدراتك، واعلم أن الخلل ليس فيك أنت بل في طريقة تعاملك.

– اهتم بما تدرس وتعلق به واستمتع بمضمونه، وفكر في نتائج العمل الذي تقوم به على المستوى البعيد

– تعلم الانتباه والتركيز وقاوم شرود الدهن.

– راجع في مكان ثابت ومحدد وتعود عليه (مكان هادئ ومرتب، فيه تهوية، مستقل، إضاءة كافية…)

– برمج فترات الاستراحة، فكل عمل ذهني يدوم ساعة ونصف يمثل الحد الأقصى لا ينبغي تجاوزه دون القيام باستراحة قصيرة لمدة 15 دقيقة على الأقل، فعدة استراحات قصيرة أفضل للدماغ من استراحة واحدة طويلة. ولا تراجع وأنت مرهق ولا تخلط بين التعب الحقيقي والكسل. ولا تخصص فترات للراحة عند شعورك بالحيوية والنشاط.

– لا تقم بتناول المنبهات (الشاي والقوة و…) لأنها تؤثر على صحتك.

– نوّع بين المواد المدروسة من الصعبة إلى السهلة ونوع أشكالها من حصة حفظ إلى كتابة إلى فهم إلى تمارين…

– عود نفسك على التدريب على تقنية الاسترخاء الذهني.

– في الشهر الأخير قبل الامتحان: قم بمراجعة عامة بمفردك للدروس والبطاقات.

وجرب قدراتك في امتحانات سابقة وتنبأ بأسئلة الاختبارات من خلال جمع معطيات حول أساتذتك.

– الأسبوع الأخير قبل الامتحان: استرح ذهنيا وانتبه لصحتك.

– اليوم الأخير قبل الامتحان: قم بفسحة، تجنب الزملاء، ولا تنزعج إذا شعرت أن ذاكرتك فارغة فهو أمر طبيعي، ولا تنم مبكرا جدا ولا تتأخر في النوم، وقم بصلاة ركعتين قبل النوم طالبا العون والتوفيق من الله.

– يــوم الامتحــان:

* أحسن ظنك بخالقك أيها المتعلم، وكن واثقا من قدراتك ومهاراتك.

* تجنب الجدال والنقاشات المثيرة للأعصاب.

* ادخل إلى القاعة ب8 دقائق قبل بدء الامتحان حتى تتعود نفسيا على المكان.

* اقرأ الأسئلة كاملة وبتأنّ مهما استغرق ذلك من وقت.

* اكتب كل الأفكار التي ترد إلى ذهنك وقيدها على المسودة كي لا تنساها.

* قم بوضع مخطط للربط بين الأفكار وتنظيمها، واحرص على ربطها بالموضوع.

* اكتب مقدمة وخاتمة رائعتين وجذابتين.

* اعتن بتنظيم الورقة واكتب بخط واضح وجميل لأجل المصحح.

* بعد الخروج من قاعة الامتحان لا تتأكد من صحة الأجوبة مع أصدقائك وليكن همك الوحيد هو الاختبار الموالي.

دور الإعلام والأسرة في صناعة النجاح

1. دور الإعلام في صناعة النجاح

من بين الوسائل التي تساهم في بناء المتعلم الناجح هي الإعلام. فالإعلام له دور كبير في صناعة الطالب المتفوق في دراسته.

ولكن الإعلام الذي نقصده في هذا الصدد هو: ذلك الإعلام الذي يقوم ببناء الوعي لدى المتعلم، ويغرس فيه حب العلم والتعلم والقيم والأخلاق الفاضلة التي تمكنه من الشعور والإحساس بالمسؤولية.

فالإعلام المطلوب إذا هو: الذي يقدم حلولا وأفكارا عن قضايا المتعلم وهمومه ومشكلاته. هذا الإعلام هو الذي يجب على طالب العلم أن يحرص عليه ويسعى إلى الاستفادة منه.

وعلى المتعلم الناجح عدم الخضوع والاستسلام لإعلام العار والفتنة الذي يسعى إلى تكريس الانحراف وإشغال الطلاب عن أداء وظيفتهم.

واعلم أيها الطالب أنك تستطيع أن تعلم نفسك بنفسك متى امتلكت الطموح والإرادة، وسعيت إلى تنظيم وقتك وآمنت بذاتك وقدراتك ومهاراتك، ووظفت وسائل الإعلام المختلفة (السمعية البصرية – المكتوبة والمقروءة – الإعلاميات والانترنت) في بناء شخصيتك وتنمية معارفك والتواصل والانفتاح مع الآخرين.

فالإعلام وسيلة ضرورية لتكوين شخصية المتعلم الناجح والمتفوق في دراسته.

2. دور الأسرة في صناعة النجاح

إن للأسرة دورا أساسيا في تربية الأبناء على تحقيق النجاح والتفوق الدراسي، فالأسرة هي اللبنة الأساس في التربية والتعليم. فيجب على الوالدين تربية أبنائهم على الأسس التالية:

البناء العقدي والتعبدي: وذلك بتربية الأبناء على التوحيد ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أداء العبادات كالصلاة والصيام…

البناء العلمي والفكري والأخلاقي: فيجب على الآباء أن يغرسوا في أبنائهم حب طلب العلم وبيان فضله لهم، والسعي إلى النهوض بمستواهم الفكري، وكذا تربيتهم على مكارم الأخلاق.

البناء العاطفي والاجتماعي: فعلى الآباء الشفقة والرحمة بأولادهم، وتربيتهم على الحنان والعطف والتكريم.

البناء الجسمي والصحي: وذلك برعاية الأبناء من حيث نظافتهم وتغذيتهم ووقايتهم من الأمراض.

هذه جزء من الأمانة والمسؤولية المنوطة على عاتق الآباء والمربين، فالأسرة المسلمة هي التي تعلم أبناءها وتؤدبهم وتصونهم من العادات والانحرافات السيئة، وتدلل لهم المشاكل والعراقيل التي تعترض طريقهم، وتقوم بخدمة أهداف وتوقعات أبنائها نحو المعاهد التي يطمحون إليها، ويكون ذلك بتحفيزهم وتشجيعهم، وتنظيم أوقاتهم ووضع خطط مستقبلية لحياتهم.

فاحرص أيها الأب وأيتها الأم على: تربية أبنائكم وعلى تشجيعهم وغرس الثقة والأمل والتفاؤل في نفوسهم، فالمتعلم الناجح في دراسته ينفع نفسه وأهله ومجتمعه وأمته.

خاتمة

أخي المتعلم اعلم علم اليقين أن لأي نجاح ثمنا، وثمن النجاح والتفوق الدراسي بذل الجهد والصبر والتضحية بالغالي والنفيس من أجل تحقيق الأهداف والطموحات التي تؤمن بها، فبإصرارك وثقتك بنفسك وقدراتك، وإرادتك الصلبة وهمتك العالية وتوكلك على الله ستصنع النجاح وتحقق السعادة.

فإن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معا فعليك بالعلم.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:

أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان:
ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان