تقديم

الخطاب الدعوي عرض لمضامين رسالة الإسلام الخالدة، عبر منظومات بيانات وقنوات، يهدف منها المخاطب غرس الفكرة والقيم الإسلامية في قلوب ومتلقي خطابه قبل عقولهم، ومن هنا تأتي أهمية الخطاب الدعوي وقيمته وخطورته في آن واحد، فبالرغم من صدقية رسالة الإسلام، وخلود روحها وفكرها في قلوب ملايين الناس، فإن المتصدر لبعثها وبثها في الناس، يتحمل صدق بيانها، أو وزر نكوصها، وكم من سلعة – وسلعة الله أغلى – قل نظيرها في سوق البشرية، لكن تاجرها ببلادة حنكته، وسوء عرضه، وعبوس طلعته، أحالها بضاعة مزجاة، تقض مقام الناظرين. وكم من خطيب في قومه، عقد لسانه، وتتعتع بيان نطقه، لكن سهم سحره أصاب القلوب، لأن حاله سبق مقاله، وسمته كفاه بلاغته، وخلقه شفع لهناته، أولئك هم الخطباء الصامتون، وإن لم يشر إليهم بالبنان، فقد سكنوا قلوب العباد، وشهدت بسحر بيانهم، وعلو كعب بلاغتهم.

فما هوواقع الخطاب الدعوي في ظل غربة الدعوة؟ وما هي المعوقات الذاتية التي تعترض الخطاب الدعوي الراشد؟ وأي خطاب دعوي تترقبه الأمة من الدعاة ليصيب هدفه المأمول؟

1- حصار ومصادرة الخطاب الدعوي الحر

لقد فطن المتربصون بالدعوة ورجالاتها، إلى وقع خطابها في الأمة، وأثره في تخصيب المد الإسلامي، وصناعة الموجة الشعبية العارمة، فسخروا كل إمكاناتهم للحد من كل خطاب مؤثر راشد، فبعد ما أعياهم التشويش، وتلفيق الأباطيل لمواجهة الخطاب الدعوي الجاد، لجأوا لمصادرة كل المنابر الناطقة باسم الدعوة، فصودرت الصحف الدعوية، ضدا على حرية التعبير، وفرضت الرقابة على طبع الكتاب الدعوي، وحتى وإن طبع خلسة، وقد تصدره رقم الإيداع القانوني، سبق سوط الوصاية على النشر صيته.

وليست منابر المساجد – معقل الخطاب الدعوي – أقل محنة، فقد أغار خدام الإسلام اللائكي الرسمي على كل خطباء الدعوة الأحرار، الذين تأبى عليهم مسؤوليتهم الرسالية أن يداهنوا الباطل، أو ينتقوا من خطابهم ما يوافق هوى الحكام لا هوى الشرع الحق. إسلام رسمي احتل المساجد وأممها، وعمرها بالخطب الرسمية، والوعظ الرسمي الناعس، ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) 1 ، لا تُفْتَحُ منابرُها إلا لِلْبُوم الكئيبِ، ينوحُ على خرابِ ذِمَمِ عُلَمَاءِ القصور، بمنثوراتِ خطَب الإطراء، وأسْجاع مديح الأمراء) 2 .

وعلى نفس الخطى، يلاحق رجال الدعوة في كل المنتديات والجمعيات، للحد من سحر بيانهم الملامس لقلوب الملايين التواقة للتوبة إلى الله، فقد أمسى أعداء الدعوة أوفياء لسنة أسلافهم القرشيين، الذين كانوا يضنون على المستضعفين سماع خطاب القرآن مخافة تأثرهم بموعظته، فنهوهم زاجرين: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون 3 ، وهذا حكاية لحال أخرى من أحوال إعراضهم عن الدعوة المحمدية.. وصف تلقينهم الناس أساليب الإعراض، فالذين كفروا هنا هم أئمة الكفر يقولون لعامتهم: لا تسمعوا لهذا القرآن،.. أيقنوا أن كل من يسمعه وتداخل نفسه جزالة ألفاظه وسمو أغراضه قضى له فهمه أنه حق اتباعه، وقد أدركوا ذلك بأنفسهم.. فتمالؤوا ودبروا تدبيرا لمنع الناس من استماعه، وذلك خشية من أن ترق قلوبهم عند سماع القرآن فصرفوهم عن سماعه) 4 ، وكذلك خطاب الدعوة الصادق، فمن عين النبع يغرف، وعليه فـمن شأن دعاة الضلال والباطل أن يكمموا أفواه الناطقين بالحق والحجة، بما يستطيعون من تخويف وتسويل، وترهيب وترغيب، ولا يدعوا الناس يتجادلون بالحجة ويتراجعون بالأدلة؛ لأنهم يوقنون أن حجة خصومهم أنهض، فهم يسترونها ويدافعونها لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان والتضليل، فإذا أعيتهم الحيل ورأوا بوارق الحق تخفق، خشوا أن يعم نورها الناس الذين فيهم بقية من خير ورشد، عدلوا إلى لغو الكلام ونفخوا في أبواق اللغو والجعجعة لعلهم يغلبون بذلك على حجج الحق ويغمرون الكلام القول الصالح باللغو) 5 .

2- أتؤمنون ببعض البلاغ وتكفرون ببعض؟

جاءت رسالة الإسلام على إثر رهبانية ابتدعتها الأمم السالفة في شرعها، فكانت رسالة مكتملة الأركان، مستوية البنيان، مستجيبة لمطلبي الإنسان؛ مطلب هم الله عبادة، واستقامة، واستعدادا ليوم لا ريب فيه، ومطلب هم الأمة، تحقيقا للعدل والكرامة الإنسانية. وهما قضيتان مركزيتان، يقوم عليهما البلاغ القرآني والبلاغ النبوي، ولا يستقيم بلاغ الدعوة الوارثة أن تجزئ رسالة الإسلام، تحت أي ضغط وأي ظرف، فيقتصر فيه على العبادات والأخلاق، وما يملى عليه من توجهات، رغبا ورهبا، يجب أن يكون خطابنا بالقرآن قويا. فلا نسكت عن بعض ما لا تسيغه عقول الجاهلية المريضة. لا نخاف في الله لومة لائم أن نقول كلمة الحق. نجهر ولا نهمس) 6 .

تحتاج الدعوة لِعلماءَ ناطقين بالحق غير متملقين ولا متزلفين للسلطان الجائر كما يفعل علماء السوء الذين شبَّهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلُّلَهم بألسنتهم بفعل الباقورة، وهي البقرة الشابة) 7 .

وكم من مواقف، احتاجت الدعوة فيها أن تقول كلمتها، وتعبرعن موقفها الشرعي، إحقاقا للحق وإقامة للشهادة في الأرض، لكن الناطقين باسمها -إلا من رحم الله من الأحرار- أغمضوا أعينهم عنها، فكانت فتنة للعامة، وقد اشرأبت أعناقهم، وهم ينتظرون رأي الدعوة في أحداث، شابت من هولها الولدان – وما أهوال الربيع العربي عنا ببعيد -، فإذا الحديث عن البيئة، واليوم الوطني لـــ …، والصبر على الفاقة، والمحافظة على الطاقة، حتى يخيل لك أنك في كوكب آخر، فأين ولاية المؤمنين لبعضهم البعض؟ وأين الأمر بالمعروف والنهي عن منكر الظلم، ومنكر الفساد، والاعتداء على الأرزاق؟ أليس هذا من الدين يا خطباء السلاطين؟

3- صدق اللهجة وفقدان الحكمة

ابتليت الأمة منذ بزوغ فجر الصحوة الإسلامية المباركة بخطاب صنف من أبناء الحركة الإسلامية، رزقوا حوافز إيمانية، وهمما سامقة، وغيرة صادقة، لكن تعوزهم الحكمة في مخاطبة الناس، فيغلبون أسلوب النذارة على البشارة، والتشنج على البشاشة، والتنطع على لين الجانب، والجنوح إلى مذهبية الرأي على حساب وحدة الأمة ولمّ شملها، والانشغال عن الأولويات بهوامش القضايا، والترفع في الخطاب بتقديس الذات، ونعت المخاطب بالقصور، وتنصيب أنفسهم قضاة لا دعاة، وهذه سقطات جنت على الدعوة كثير ويلات، ومزقت الأمة إلى مذاهب وطوائف، فاستحال التواصل الفكري مع العامة، فكيف بالتواصل القلبي قطب رحى الخطاب الدعوي؟ ففظاظة العبارة، وغلظة القلب، وتعبيس الوجه، وتقطيب الجبين، كلها موانع تحول دون التواصل إن كان الخطاب مباشرا، وقد علمنا القرآن الكريم في شخص سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم، كيف يحافظ الدعاة في خطابهم وتواصلهم على جمع القلوب ولم الشمل فقال: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك 8 ، وحذرنا صلى الله عليه وسلم من النظرة الدونية إلى المسلم فقال: “إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم” 9 ، إنه الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا ويرى له عليهم فضلا، .. الغالي الذي يؤيس الناس من رحمة الله يقول هلك الناس..) 10 ، تحتاج الدعوة، قبل الدوْلة القرآنية وفيها، إلى الكلمة الهادية الهادئة بَدلاًعن التشدد والتَّشنُّج) 11 ..

فالحكمة في تنزيل الخطاب الدعوي مقدمة على فصاحة اللسان وسحر البيان، وقد أتاها الله نبيه داود عليه السلام، فرزق بها فصل الخطاب، كما قص القرآن: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب 12 .

4- معالم على طريق خطاب دعوي راشد

مسيرة الدعوة اليوم أحوج من أمسها إلى خطاب دعوي راشد، يمد جسور التواصل مع كل البشرية، يسترشد بهدي القرآن، ويغترف من معين المنهاج النبوي، وهذه أخالها صوى تجعل من الخطاب الدعوي أثرا يلامس القلوب، وينير العقول، فيصيب مرماه:

– خطباء صامتون

ما أحوج الأمة اليوم، إلى نماذج تحاكي الرعيل الأول من الجيل القرآني الفريد، فقد كانت أحوالهم أبلغ خطاب يقدمونه إلى الناس، آثارهم على صفحات وجوههم، في سمتهم، في علاقاتهم الاجتماعية، أولئك هم الخطباء الصامتون، سحروا الناس بلغة بيانهم رغم صمتهم، لغتهم أقرب إلى قلوب الناس وعقولهم، إذا رموا بسهمهم لا يخطئون، قدوتهم في ذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يسع الرائي -على غير الملة- عندما باغتته طلعته إلا أن يقول: “والله ما هذا بوجه كذاب” 13 .

– حديث الآخرة ملح الخطاب الدعوي

الخطاب الدعوي، بلاغ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب موجه أساسا إلى أعمق ما في الإنسان، فطرته التي فطره الله عليها، وقضية الإنسان الكبرى مصيره، آخرته، حياته الأبدية، فمهما كان موضوع الخطاب وجب أن يلامس قضية الإنسان المصيرية من قريب أو بعيد، وبأسلوب يناسب المقام، سيكون الداعية غاشا لسامعه، إذا لم يكن منطقه، وقلمه، ونصحه، ومحاججته، يتخللها حديث الآخرة، تسطَّح الخطاب الإسلامي، وسكت عن البلاغ الأخروي، وجارَى جوقة حقوق الإنسان في حَلَبَتها. فما شئت من بناء حضاري وسبق ثقافي وحديث عن خلافة الإنسان في الأرض ليعمُرَها بإبداعاته وإنجازاته. وصَهْ عن نبإ الآخرة حتى ندخل المسجد أو نحضرَ جنازة… إن نحن قصرنا خطابنا وردنا على من نحاجه في حيز التحركات الدنيوية، ولم نذكر الآخرة، ولم نصور لخصمنا ولمن ندعوه الموت وما بعدها، والآخرة وحسابها، والموقف وأهواله، والجنة والنار، لا يكون خطابنا إسلاميا لأنه لا يكون بذلك قرآنيا) 14 .

– الخطاب الدعوي ابن زمانه ومكانه

الخطاب الدعوي هو صورة واقعية لهموم الأمة وانشغالاتها، والخطاب الذي لا يلامس واقعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتربوي، يبقى خطابا محلقا في سماء غير سماء المخاطبين حتى، ومن ثم تنتفي الاستجابة لمضمونه، بل حتى الإصغاء لمحتوياته، فالقرآن بلاغ الله أزلي، لم ينزله جملة واحدة، وإنما أنزله على مكث ليربطه بأحداث الناس وواقعهم، قال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا 15 .

إن المجتمع لا يمكن أن يتفاعل مع خطبة الجمعة أو غيرها من أدوات الخطاب الدعوي، حتى يشعر فيها بالطابع العملي التفاعلي، وحتى ترتبط بهمومه وطموحاته، وحتى يكون فيها العلاج لمشكلاته وأزماته، أما أن تظل المواعظ المجردة محلقة في سماء الروحانيات فهذا يعني أنها ستظل في عليائها محلقة مرفرفة دون أن تحرك الواقع أو تؤثر فيه) 16 .

– خطاب بلسان القوم وأحوالهم

لغة الخطاب الدعوي ومراعاة أحوال المخاطبين من أسس الخطاب الناجح، وهي سنة إلهية أقام الله عليها رسالات السماء، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ 17 وفي الحديث عن ابن مسعود: “ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة” 18 فمن خاطب الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب واحد من كتب الطب على أبدانهم) 19 ..

خاتمة

الخطاب الدعوي بالحال والمقال رسالة وراثة، وأمانة بلاغ عن الله ورسوله، عليه يتوقف عرض سلعة الله الغالية في سوق البشرية الموار بفتن كقطع الليل المظلم، ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة، تلتقط كل مادة معروضة، بغثها وثمينها، بسرعة جنونية، ومن ثم عظمت المسؤولية، أمام أمر جلل، من تصدى لمثله فليعد لسؤال الشهادة في الأمة جوابا، فكم من رسالة خاطئة بعثها كثير من أبناء الحركات الإسلامية كان وقعها في واقع الناس بعيدا كل البعد عن أصول رسالة الإسلام الغراء برحمتها ونضارتها وسمو أهدافها، فلنضع صوب أعيننا – معشر الدعاة- ونحن نقدم للناس هدي الرسالة، أننا نخاطب عالما متشعبا في أفكاره وانشغالاته وأولوياته، وأن المنافسة على استقطاب العقول والقلوب جارية على قدم وساق، وأن المتربصين بعثرات العاملين للإسلام كثر، يتصيدون كل هفوة ولو عن حسن نية، فلنرق بخطابنا الدعوي إلى مستوى العصر بكل مستجداته، لكن بروح وصفاء وتمثل ما نحمله قبل عرضه على الآخر.


[1] المنهاج النبوي عبد السلام ياسين ص 290.\
[2] إمامة الأمة عبد السلام ياسين.\
[3] سورة فصلت 26.\
[4] التحرير والتنوير محمد الطاهر بن عاشور ص 278.\
[5] التحرير والتنوير محمد الطاهر بن عاشور ص 278.\
[6] المنهاج النبوي عبد السلام ياسين ص 405.\
[7] الإحسان ج 2 عبد السلام ياسين ص 334.\
[8] سورة آل عمران 159.\
[9] رواه مسلم في كتاب البر.\
[10] النهاية لابن الأثير.\
[11] الإحسان ج 2 عبد السلام ياسين ص334\
[12] سورة ص20.\
[13] سنن ابن ماجة ت الأرناؤوط 4/397.\
[14] المنهاج النبوي عبد السلام ياسين ص207.\
[15] سورة الإسراء 106.\
[16] تجديد الخطاب الدعوي د. عطية عدلان.\
[17] سورة إبراهيم 4.\
[18] رواه مسلم.\
[19] إعلام الموقعين لابن القيم 3/78\