برقية سريعة: اعتقلنا أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان ونحن بصدد اتخاذ اللازم مع المعني بالأمر).

مخزن بيوكرى- عمالة اشتوكة أيت باها / استدراك: نسينا أن نكتب لكم المحظورة عندنا، ونسينا ذكر سبب اعتقالنا للمعني بالأمر، لقد كان السبب شربة ماء قام يوزعها بلا إذن على محتجين طالبوا بثمن عرق الجبين).

ومن الماء ما اعتقل؟

من الفواجع المضحكات المبكيات في بلاد المخزن العتيد أن يبلغ السفه ذروته والعبث قمته، لما يعتقل المرء لأنه تجرأ وارتكب جريمة عظمى وأتى جريرة كبرى أن قدم للمصابين والمصابات في مسيرة احتجاجية سلمية شربة ماء يطفئون بها لهيب عطش في يوم شديد الحرارة زاد من حرارته التدخل العنيف لقوات القمع والمنع في حق هؤلاء المحتجين سبا وشتما وجرا وسحلا أمام أعين الكل.

ترى ما الذي يضير المخزن من تصرف إنساني غايته وجه الله أولا وأخيرا، وتقديم الممكن من يد العون للضعيف والملهوف في الموقف الحرج مواساة ومساندة وخدمة لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هل يستفز المخزن العمل الإنساني النبيل ويثير حافظته بما عهد منه جبلة وطبعا من كراهية الخير للناس مخافة أن يشبعوا فيطمعوا فيما في يده مما احتوشه واستولى عليه من دون وجه حق؟

ما الذي لم يعجب المخزن من إقدام إنسان على توزيع الماء على المحتجين؟ أهو فعل التوزيع ذاته؟ أم هو الموزع خاصة إذا كان من أهل العدل والإحسان؟

إذن هنا تكمن القضية!!!

إنها العدل والإحسان!!

لقد بلغ من رعونات المخزن أن ارتكب في حق جماعة العدل والإحسان من الحماقات ما سود تاريخه أمام العالمين بمداد الخزي والعار والشنار، وما سيسود صحائفه يوم العرض الأكبر بما يشاء الله الملك الجبار.

منع دعوة الله وداعي الله أن يلج المساجد، منع الجرائد والصحف، منع الأندية والجمعيات، منع العمل السلمي والنقابي، منع أعضاء الجماعة من العمرة والحج، منع الرياضة والغناء، منع السفر والاستجمام، منع العلم والقلم، منع الأعياد والموالد، بل ومنع القرآن والأذكار.

اعتقل الكبار والصغار، اعتقل النساء والشيوخ والأطفال، اعتقل التلاميذ والطلبة، اعتقل المعلمين والفقهاء، اعتقل الدكاترة والمهندسين، بل واعتقل البيوت والسيارات والأجهزة والآليات.

وها هو يعتقل شربة ماء أن تصل الأفواه العطشى، وتمد بأسباب الحياة الأجساد المنهكة من بطش المحتكرين وتسلط المتسلطين. وهو سلوك كما سلوكات الماضي وتلك الآتية لا يمكن فهمها إلا في سياق الحقد الدفين للمخزن لكل من لم يدخل جبته طائعا منبطحا متملقا متغنيا بالمكرمات والبطولات والمنجزات التي لا يصل للشعب منها سوى إشاعات أوهام وأماني أحلام.

لقد بذل المخزن طوال تاريخه القمعي مع الجماعة أن يستنسخ مشاريعها وتصوراتها ومبادراتها المختلفة في الكينونة مع الشعب مواساة وخدمة، وزعت الجماعة “الحريرة” فوزعها، أقامت المسابقات القرآنية فأقامها، نظمت المخيمات الصيفية فهاجمها ونظم على غرارها ضجيجه في الشواطئ، ولم يترك مجالا طرقته الجماعة إلا وحاول أن يسلك مسلكها فيه، على أن العجيب الغريب أنه برغم سطوة الدولة وسلطة الأجهزة ما استطاع أن يفلح في أي شيء مما وضع يده فيه، بينما بنت الجماعة لنفسها مكانة معتبرة وسط الشعب بالموقف الثابت والذمة النقية والنية الصافية والحضور الدؤوب، وما ذلك إلا لأن الله عز وجل وضع قانونا ربانيا مؤداه أن “الله لا يصلح عمل المفسدين” فانطرحت البركة من أعمالهم، ورتب نتائج على مقدمات وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا، وقذف المولى باطلهم بالحق فإذا هو زاهق. فكانت “جهودهم” لإفسادهم وفسادهم يبابا في تباب وهبهابا في سراب 1 .

بناء قوة مجتمعية

غاية غايات المخزن أن يقطع حبل الوصلة بين أهل العدل والإحسان وبين الناس، أن يسوق عنهم صورة إن لم تشوههم فعلى الأقل تثير الرعب والخوف منهم، قدم الجماعة في صورة الخارجة عن الإجماع فلم يفلح، في صورة الجماعة العنيفة المتطرفة فلم يفلح، في صورة الخارجة عن القانون بتكثيف أنشطتها فلم يفلح، لأن الناس يعايشون أهل العدل والإحسان في أفراحهم وأتراحهم، في مجالسهم ومنتدياتهم، ولم يروا فيهم ومنهم إلا الوجه الباش، والابتسامة الودودة، واليد المعطاء، والقلب المتسع، والحضور الشاهد، والخدمة الصادقة التي لا تروم لا صوتا انتخابيا ولا شأنا دنيويا.

خدمة الناس في منهاج الجماعة ليس عملا موسميا كلما دنت مواسم اقتناص الكراسي بالاسترزاق بوضعية الناس، إنما هي دين يتقرب به إلى الله عز وجل، والحضور في هموم الناس استجابة لأمر الله الذي أمر المسلمين أن “يقاتلوا في سبيل الله والمستضعفين” وتلبية لنداء التعاون على البر والتقوى. ويريد الكائدون -خيب الله آمالهم- أن تنزوي الجماعة وتنعزل في زوايا الهامشية والسرية فتسهل لقمة سائغة في يد العابثين الظالمين.

إن المكان الطبيعي للجماعة هو وسط الشعب، لأنها حركة دعوية مجتمعية نابعة من جوهر ولب وعمق ما يشكل الهوية الوجودية لهذا الشعب، فهي على هذا ليست حركة لقيطة طارئة في التاريخ لا انتساب لها، بل إنها امتداد مستمر عميق لحركة الدعوة منذ الأزل، وعليه تكون صحبة الشعب آلية من آليات التحرك الدؤوب المستقيم نحو الخط اللاحب القاصد إلى تبليغ المضمون الحق لجوهر الوجود إلى هذا الشعب.

بهذا الحضور بقصديته تلك، يكون المشروع الذي تقترحه الجماعة وتدعو إليه يرتكز بعد التوكل على الله والاعتماد عليه واحتساب الأجر عنده على بناء قوة مجتمعية متماسكة متى تأهلت قيادتها بالربانية وبلغت الغضبة الشعبية مداها أذن المولى القدير بقومة تجتث جذور الاستبداد من أساسه، وتقتلع بذور الفساد من أصوله، لينعم الناس بفجر جديد وصبح أبلج لا تشمع فيه البيوت، ولا تمنع فيه الأذكار والصلوات، ولا تعتقل فيه شربة ماء.

والله غالب على أمره، إن الله بالغ أمره.


[1] من أسماء السراب (لسان العرب).\