نستفتح مقالتنا هذه بكلام نفيس للفاروق عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين وأمير المؤمنين يقول فيه: والله لو أن بغلة بأرض العراق عثرت لكنت مسؤولا عنها. فيقول لي ربي: لمَ لمْ تعبد لها الطريق يا عمر). مثال سامق لحاكم يتهمم بأمر بغلة وينام الناس وهو متفقد لأحوالهم في بلاد مترامية الأطراف. استهللنا حديثنا عن الاقتصاد المغربي بهذا القول للاستدلال على أن التنمية البشرية تهم كل فرد فرد ولا تستثنى البهائم، ولا يجب الاختباء وراء المؤشرات الماكرو اقتصادية بما لها وما عليها لتبرير بعض القرارات من قبيل الزيادات المتتالية في المحروقات والضرائب وخفض نفقات الاستثمار أو لإظهار تقدم لا يلمسه جل المواطنين ولا يتم أخذه بعين الاعتبار في جل التصنيفات الدولية.

بهذه الديباجة نقف عند ما جاء في تقرير وزارة الاتصال الصادر في مارس 2014 والمتعلق بالآثار الأولية والآفاق المستقبلية لعمل الحكومة لسنتي 2012 و2013. غايتنا ليس دحض مضمون المحور الثاني -صفحات من 37 إلى 52– من التقرير المذكور، والذي عنون تعزيز التنمية الاقتصادية عبر تحفيز المقاولة ودعم الاستثمار واستعادة التوازنات الاقتصادية وتنزيل الاستراتيجيات والأوراش الكبرى)، بل إبداء بعض الملاحظات والتحفظات لعل سامعا يعيها ويكف عن استبلاد العاطلين والمهمشين والمبيتين في العراء والفقراء و… والمنتظرين الغد الأفضل للبلاد والعباد.

قبل التفصيل، لا نبخس الناس أشياءهم فهناك منجزات في شتى المجالات بدءا بالصناديق المحدثة لدعم بعض الفئات الاجتماعية ومرورا بالبنيات الاجتماعية للقرب ووصولا للمبادرات الاقتصادية الداعمة للتشغيل والتصدير في شتى المجالات.

في الشكل، الفقرات المختصرة والمرقمة على شاكلة تقارير البنك الدولي تسهل القراءة. على الرغم من ذلك لابد من الوقوف على أمرين هامين: أولها أن التقرير كان يجب أن يصدر عن رئاسة الحكومة لينال الأهمية التي يستحقها، وثانيهما أن المصطلحات المستعملة بقصد أو عن غيره في العناوين السالفة الذكر لم يتم اختيارها بعناية لتعبر عن واقع الحال. نقف عند بعضها:

• الآثار الأولية، هل يكفي الكم المؤقت للقول بأن الوضع تحسن؟ كل الإحصائيين يعلمون أن مقارنة معطيات متوسطة بأخرى أسوء منها سنة من قبل ستعطي الانطباع بالتحسن والصواب هو حساب النسب المتوسطة المتعددة السنوات وأصوب من ذلك القياس الكيفي من خلال الروائز أو على الأقل مقابلة المنجز بالأهداف المبرمجة سلفا؛

• تعزيز التنمية الاقتصادية، المعلوم أن اعتماد معدل نمو الناتج الداخلي الخام، لم يعد كافيا لقياس التنمية البشرية المستدامة التي هي الوجه الحقيقي للاقتصاد الحديث بالبلدان المصنفة في المراتب الأولى عالميا ومن تم فإن الحديث عن تعزيز ما لم يحقق هو أمر طوباوي. حتى وإن افترضنا أن معدلات نمو إيجابية هي عنوان التنمية فإن التذبذب بالمغرب لا مفر منه لارتهان الاقتصاد بالتساقطات المطرية هذا دون الحديث عن حصة الفرد بالدرهم الحقيقي التي هي في تراجع منذ متم التسعينات؛

• تحفيز ودعم، هي مصطلحات مهمة في قاموس التنافسية الحمائية أكثر منها في بلد فتح اقتصاده على مصرعيه. ثم أين هو دعم الطلب الداخلي الذي هو ركيزة النموذج الاقتصادي الحالي للمغرب؟

• استعادة، ومقابلها فقدان وافتقاد، ولنقل أن هذا هو الشغل الشاغل للحكومة خلال السنتين المنصرمتين مع توالي زيارات صندوق النقد الدولي. المؤشرات النقدية مشجعة لأن هناك تقليص للنفقات خاصة منها نفقات الاستثمار والمقاصة. بخصوص هذه الأخيرة لابد من القول أن المواطن هو من يؤدي الآن فاتورتها، فعلى سبيل المثال مر سعر البنزين بالمحطات من 10 دراهم وبضع سنتيمات عند تقلد الحكومة لمهامها، ليرتفع إلى 13 درهما ونصف في أقل من ثلاث سنوات. أما مؤشرات التجارة الخارجية فهي مقلقة حتى وإن تحسنت تارة تارة، لعدم القدرة على تقليص الاستيراد وتحسين التصدير ذو القيمة المضافة العالية ولضرورة أداء أرباح الشركات الخارجية بالعملة الصعبة؛

• تنزيل، الصواب هو استكمال تنزيل لأن جل الاستراتيجيات والأوراش كانت مفتوحة قبل 2012 أو عالقة كما هو الحال للمقاصة والتقاعد والنظام الضريبي.

من حيث المضمون، يتشكل المحور الثاني من 73 فقرة موزعة على 10 محاور فرعية. تنص مجموعة من الفقرات على التوقعات والانتظارات عوض التركيز على الحصيلة الفعلية للإجراءات المتخذة بل إن بعضها تذكر فقط الخطوط الاستراتيجية العامة من قبيل الفقرات 105 و124 و125 و127 و133 و143 و168 و170 و172 و173. حتى لا نثقل كاهل القارئ بالتفاصيل نجمل ملاحظاتنا حول بعض المحاور.

المحور الأول خصص للتوازنات وتحسن النمو وليس لتحسينه كما في العنوان. نشير هنا أن تراجع معدل النمو في 2012 وتزايده في 2013 راجع لمردودية الفلاحة بالأساس. أما بخصوص الاستثمار العمومي فإن جله يتم في المنشئات والمؤسسات العمومية مع ما يعنيه ذلك من إشكاليات الرقابة والتتبع. الاستثمار الأجنبي على أهميته هو سيف ذو حدين يساهم في التنمية والتشغيل ولكن يحول أرباحه بالعملة الصعبة ويمكن أن يغادر إن لم تتوفر له المحفزات التي جاء من أجلها.

في محور التجهيز والبنيات التحتية والتنافسية اللوجستيكية هناك منجزات لا يستهان بها تخص الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والمناطق اللوجستيكية والتي ينضاف لها الرفع من الضرائب على بعض أنواع السيارات ورصد 700 مليون درهم للسلامة الطرقية، لكن الأثر لم يظهر بعد بحيث حصدت حرب الطرق 7872 روحا وخلفت 23246 مصابا بجروح بليغة دون ذكر الخسائر المادية والمصابين بجروح خفيفة، كما أن تنافسية صادرات المغرب من السلع والخدمات لم تزدد إلا تراجعا خاصة مع الشركاء الرئيسيين. بخصوص هذه الملاحظة الأخيرة فهي تهم أيضا مخططات المغرب الأخضر والإقلاع الصناعي و… وهنا تطرح مسألة ترابط الاستراتيجيات وتوفر الحكومة على الرؤية الاستراتيجية المندمجة.

بخصوص الفلاحة مع وجود مخطط المغرب الأخضر بميزانيته المهمة الموجهة أساسا للتأمين وتثمين وتطوير الفلاحة التصديرية، نتساءل عن عدم ذكر أزمة الحبوب لسنة 2012 ومعها إشكال الاحتياطي الاستراتيجي من القمح والأمن الغذائي.

المحور السادس خصص للجاذبية السياحية باتفاقياتها المتعددة واستثماراتها وأرقامها والتي يبقى أبرزها أن بعد ثلاث سنوات من التأخر بلغ المغرب عتبة 10 ملايين سائح. كل ذلك مهم، لكن ما طبيعة السياحة المصدرة؟ وكم هي نفقات السياح الأجانب بالعملة الصعبة داخل المغرب مع تنامي ظاهرة اقتناء “الرياضات العتيقة” والأداء المسبق في البلد المصدر؟

وباختصار شديد، لا يهمنا تتبع العورات ولا مناقشة الأرقام، لذا لا داعي للوقوف عند باقي المحاور. في تقديرنا المتواضع كان على محور الاقتصاد في تقرير سنتين من عمل الحكومة أن يجيب عن السؤال التالي: ما هو العائد ولو التقديري الأولي لكل النفقات والإجراءات بالنسبة للمواطن من حيث التشغيل وتحسين الدخل وصيانة الكرامة؟

عودا على بدء، مقدمتنا خاتمة ولا فائدة من التكرار، لكن لا بد من التسطير وبالبنط العريض على أن من حق كل مغربية ومغربي داخل الوطن وخارجه أن يستفيد من خيرات البلاد وأن يساهم في تنميتها. وهذه الأشياء لا تعبر عنها الأرقام المكتبية ولا تحققها الاستراتيجيات المتفرقة ولا تنال دون رسملة التجارب السابقة.