كانت قضية الهدهد في دولة سليمان قضية التّهمّم الدعوي، يتأخر وهو مطمئن لأن لديه “نبأ يقين”؛ نبأ فوق السلطة ومن أجله كان النظام، نبأ الدعوة والدولة، والحاكم والأمة. لقد أدرك الهدهد أن الدعوة مهمة كل من يحمل هما، وأنها للناس أجمعين حتى ولو في سبإ خارج مملكة سليمان.

تحرك الهدهد دون أن يكون مكلفا بذلك، تحرك بحركة الهداية الذاتية التلقائية، حركة الضمير والوعي الفطري، حركة الدعوة إلى الخير وعبادة الله والسجود له وحده. لقد أعطى ولاءه لله فكان حقا على سليمان وعلى سلطته ودولته أن تقبل هذا النبأ وأن تحمي الهدهد، حماية الدولة للدعوة.

إن هدف الهدهد هو هدف سليمان وهدف الدولة والسلطة. كان الهدهد واعيا بمشروع دعوته وأنه أولى من أي تكليف. إنه مشروع التوحيد الذي يجمع بين الدولة والدعوة، مشروع يحدد فيه السلوك والسبب والسبيل: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم النمل 27.

أدرك الهدهد أن مهمة سياسة سليمان الحقيقية هي الهداية وسماها بالنبإ اليقين، والنبأ كما جاء في سورة “عم” عظيم، وهو ما اختلف حوله من إثبات الصانع وصفاته وملائكته ورسله والجنة والبعث وما تضمنته رسالة الدعوة والهداية.

فهذا هو النبأ الحقيقي الذي يجب البحث عنه حسب الهدهد الداعية، هدهد سليمان، هدهد النبإ اليقين، هدهد السبيل، هدهد الهداية.

والنبأ الذي اختلفت حوله البشرية جمعاء هو التوحيد لأسماء الله و صفاته، توحيد الربوبية و الألوهية، فرغم سعة مملكة سبأ و ما أوتيت من حزم وسطوة وكنوز وجنود ورعية مطيعة وعرش عظيم، وأوتيت من كل شيء فكل هذا لا يساوي شيء أمام سجودهم لغير الله، فلا قيمة للدنيا خارج توحيد الله..

والسر هو في تزيين الشيطان للأعمال والصد عن السبيل وعن عبادة الله.

ويستمر الهدهد في إدراكه حقيقة التوحيد واستحقاق السجود له وحده تعالى، فالشمس جزء من الخبء، وهو الذي جعل الشمس ضياء، وإخراج الخبء هو الإيجاد من العدم، والخبء شامل في السموات والأرض، وإخراج الخبء هو نظام التدبير الكوني الذي تعتبر الشمس عنصرا منه، فمن الذي يستحق السجود الذي يخرج الخبء أم الشيء المخبوء؟

إن الخبء مقياس غيبي، يملكه الله تعالى وحده، فهو الذي يخلق من العدم ويمنح الإيجاد للأشياء، وعنده مفاتيح الغيب، والمؤمن الهادي هو الذي يؤمن بالله العظيم، والإيمان بالله العظيم يتطلب التفكير في خبء السموات والأرض.

ويختم الهدهد بيانه الدعوي الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم، والعظيم صفة خاصة بالله تعالى، فعرش بلقيس عرش نكرة لها عرش عظيم وعرش الله تعالى عرش معرفة رب العرش العظيم الذي يأخذ دلالته من أسمائه وصفاته.

إن التركيز على الإيمان بالله العظيم يحتاج إلى معرفة خلقه ثم تسبيحه تعالى على عظمته، إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم و هم لا يستكبرون السجدة 15. فبقدر ما تتأمل آياته بقدر ما تستحضر عظمته، وفرق بين أن تؤمن بالله الخالق كسائر الناس وبين أن تؤمن بالله العظيم إنه كان لا يؤمن بالله العظيم الحاقة 33، فإبليس كان يؤمن بالله ويقسم به تعالى فبعزتك، آمن به ربا وآمن به عزيزا وآمن بالآخرة فأنظرني إلى يوم يبعثون. ص 79.

فهل نريد “إيمانا إبليسيا”؛ إيمانا يستمد العظمة من البشر، الإيمان المخلوط بتعظيم غير الله؟

حين نؤمن ونهتدي على طريقة الهدهد، تكون حركتنا وفق منهج الله، نبحث عن التوحيد الراقي، توحيد من يخرج الخبء في السماوات والأرض، توحيد من يبحث عن “السبئيات” ومن يأتي ب”يقينيات النبأ” ومن يتقن الإحاطات أحطت بما لم تحط به، فلو كانت حركتنا “الإحاطة بما لم يحط به” لأدركنا حقيقة التوحيد.