احتفلت القيادة المصرية الحالية ومعها النخب السائرة في ركبها مؤخرا بالذكرى الثانية والثلاثين لاسترجاع أرض سيناء من الكيان الصهيوني. احتفال يحضره الطابع الرسمي وتغيب عنه الصبغة الشعبية، ذلك أن هذه الأرض ومنذ احتلالها مرورا باسترجاعها وإلى الآن لم يكن لشعب مصر أي دور في مجريات الأحداث بها شأنه في ذلك شأن الشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها.

بيد أن ما يثير الاهتمام هو الوضع المزري الذي ظلت ترزح تحته هذه الأرض المباركة عقودا من الزمن رغم كثرة الخيرات والثروات التي حباها الله بها، حتى صار البعض يتندر في أنها لو بقيت بيد الصهاينة لكان أصلح لها ولأهلها، والمؤسف في الأمر أنه في الجانب الآخر من الحدود حينما تنتقل من سيناء إلى “إيلات” – التي هي أصلا قرية أم الرشراش المصرية وهذا موضوع آخر – تجد تباينا مثيرا للازدراء، الأمر الذي يتبادر معه إلى الذهن السؤال الطويل العريض: لماذا بقيت حال سيناء على ماهي عليه الآن؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا أن نرجع إلى أصل المشكلة ومنبت الداء، مع البدايات الأولى للمشكلة السيناوية إن صح التعبير.

فقد ابتدأت مشكلة شبه جزيرة سيناء مع النكسة التاريخية للدول العربية حين غزاها الاستعمار الغربي، لكن نقطة المفصل وقاسمة الظهر كانت إبان ما سمي حينها بنكسة حزيران أو حرب الأيام الستة حيث اشتركت فيها ثلاث دول عربية (مصر – سوريا – الأردن) في مواجهة العدو الصهيوني، والتي أفضت إلى احتلال كل من سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، ومقتل وأسر الآلاف من الجنود العرب مقابل بضع مئات من جانب الصهاينة، كما كانت لها آثار مدمرة على الروح المعنوية للشعوب العربية – الغالبية العظمى منها على الأقل – وبالمقابل تم تصوير الجيش الصهيوني حينها على أنه أسطورة لا تقهر، لكن المثير في الأمر حقا في هذه الحرب هو الطريقة التي أديرت بها المعارك منذ الضربة الجوية التي قيل عنها مباغتة مع ما يطرحه ذلك من أسئلة حول جاهزية الجيوش العربية والقوة الاستخبارية لهذه الدول خاصة وأن الحالة حالة حرب منذ دخول العصابات الصهيونية للأراضي الفلسطينية مع أواخر عهد الانتداب البريطاني، وما تلا ذلك من تخاذل بعض الدول المشاركة في الحرب. كما أن تصفية الحسابات السياسية التي تلت الحرب خاصة ما حدث بين جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر – الذي قيل حينها أنه انتحر فيما بعد – يجعلنا أمام متاهة من علامات الاستفهام حول حقيقة ما جرى وعن دور الشعب المصري حينها في هذه الحرب ومدى مساهمته الفعلية في رسم استراتيجياتها الكبرى خاصة وأنها أدت إلى اقتطاع جزء كبير من أراضيه حينها، تجلى بالأساس في قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. ولكن للأسف كما كان احتلالها بعيدا عن معرفة الشعب كان استرجاعها المزعوم – أقصد أرض سيناء – بعيدا عن أعين الشعب، فعوض أن يطرح الرئيس المصري حينها – أنور السادات – الأمر على الشعب بدأ خطواته للتقارب مع الصهاينة بزيارة مجموعة من الدول وهي رومانيا وإيران والسعودية لأخذ الاستشارة منها حيث أشار عليه الديكتاتور الروماني – الذي سيقتله شعبه فيما بعد أمام الملأ بعد أن ثار عليه – نيكولاي شاوشيسكو بأن مناحيم بيغن بلا شك صهيوني وصهيوني جدا‏،‏ ولكنه رجل سلام‏،‏ لأنه يعرف ماهي الحرب‏.‏ ولكنه أيضا‏ يريد أن يترك اسمه علامة في تاريخ الشعب اليهودي)!!!

كما أنه حين أبدى رغبته في زيارة “إسرائيل” أمام مجلس الشعب المصري كان من أجل الإخبار لا من أجل ‏الاستشارة، وحتى بعد توقيعه على اتفاقية كامب ديفد والتي بموجبها تم استرجاع سيناء لم يعرضها على مجلس الشعب أو على الشعب نفسه ولو حتى شكليا، ما يؤكد فعلا أن كل ما حصل لشبه جزيرة سيناء كان في غياب تام للشعب المصري، والذي لم يعرف إلى الآن أسرار هذه الاتفاقية التي ما زالت طي الكتمان، ومع ذلك ومن خلال المفرج عنه من نص الاتفاقية والبرتوكولات الملحقة بها يمكن أن نفهم لماذا هي سيناء الآن كما هي؟ فأول ما يثار هو تكبيل يد المصريين في أرضهم خاصة في تعداد القوة العسكرية في شبه الجزيرة وما يتبع ذلك من تأثيرات حتمية على البنية التحتية والإقلاع الاقتصادي للمنطقة، كما أن الإصرار على الاتفاقية ومحاولة الحفاظ عليها والالتزام ببنودها مهما كان وكيفما كان كوّن عقدة لذا القيادة المصرية في التعامل مع الملف السيناوي خاصة أن الجيش المصري كان له الدور الأبرز في تدبير الملف، وهنا مفارقة أخرى أكبر، فالجيش الذي خسر الأرض وتركها تضيع ولم يبذل أي جهد ممكن لاسترجاعها هو نفسه الذي سيدير ملف سيناء بشكل أكثر تأثيرا على مسار التنمية فيها بعد الاسترجاع.

إن كل هذه الحيثيات تضع لنا صورة مقربة حول ما إذا كانت الأوضاع الحالية التي تعيشها سيناء بسبب طبيعة البيئة الثقافية والاجتماعية للمنطقة، أو هي بسبب مزيج من السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء لعدد من الدول والكيانات وكذا لأطراف من الداخل المصري، والتي التقت مصالحها جميعا في بقاء ملف سيناء في مكانه لتظل سيناء صحراء قاحلة كما كانت عليه، تستمد قحلها من قحل السياسات المنتهجة في التعامل معها كملف بعيدا عن الأبعاد الإنسانية والوطنية والدينية.

نخلص في نهاية المطاف أن أرضا تسترجع بمفاوضات معيبة تكون للطرف الآخر اليد الطولى فيها لا بد أن تكون هذه هي حالها. فكما كانت تذلل الصعوبات أمام طريق المفاوضات حينها والتي استمرت اثني عشر يوما كلما وصلت إلى طريق مسدود بتنازل المصريين وبقولة السادات الشهيرة “كله لأجل عيون كارتر”، فكذلك التنمية والنهضة وكل تلك المترادفات الرنانة في هذه الأرض يمكن تأخيرها “لأجل عيون الآخر”.