المحور الثالث: وسائل الاتصال وقنوات التواصل

يؤطر القرآن الكريم العلاقات الشخصية والدولية في آية كريمة جامعة من سورة الحجرات، حيث يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 1 ، فجاء الخطاب موجها للناس جميعا، على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم، بالتعارف والتعاون خدمة للإنسان والإنسانية؛ وقد عرف تاريخ الشعوب والدول مراحل كثيرة سادت فيها مثل هذه القيم النبيلة، كما أن جميع مفكري وفلاسفة الحضارات، على اختلافهم، يدعون إلى التعارف والتعاون في أدبياتهم وأفكارهم، إلى أن أصبحت هذه القيم، يتم تداولها اليوم في مؤسسات دولية حكومية وغير حكومية، تدعو إلى التضامن والتعايش السلمي، رغم الخروقات البشعة التي تقوم بها بعض الدول ضد الإنسانية.

إن القواسم المشتركة ومساحات التعاون بين الحضارات أكثر من أن تحصى، ولا يمكن لأي حضارة مهما بلغت من الرقي والتقدم أن تتنكر للحضارات الأخرى وإن قل شأنها، فالتعايش هو مصير الإنسانية الحتمي؛ لذلك يبحث الإمام المجدد عن تلك القواسم المشتركة الداعية للتعارف والتعايش الإنساني، إذ الأصل هو هذه القيم النبيلة، أما الصراع والحرب فهي الاستثناء، يقول الإمام: آن الأوان، والحاجة ملحة، وفي وقت تفقد فيه الإنسانية إنسانيتها، أن تحل الكلمة الصادقة محل الشتائم، وأن تتوقف الدعاية المغذية للضغائن. ما الخلاف في الغالب إلا مولود غير شرعي لكلمة غامضة أولنية سيئة) 2 .

الفقرة الأولى: نداء العقل

لا يحتاج المرء إلى كثير عناء أو إلى ثقافة سياسية دقيقة لوصف ما وصلت إليه الإنسانية اليوم من تدن صارخ لحقوق الإنسان، فلا يكاد يمر يوم دون نقل خبر عن وفيات وقتلى بالجملة، بسبب تفشي الفقر والجريمة والمخدرات وغيرهما، وحتى الغرب الذي يعيش أبناؤه حياة الرفاهية، يعاني في المقابل من فراغ روحي قاتل يؤدي حتما إلى الغرق في المخدرات وأنواع المسكرات، إلى جانب ارتفاع نسبة الانتحار، وغيرها من الآفات الاجتماعية التي عجز صانعو السياسة الغربية عن إيجاد حلول جذرية لها؛ فالعقل الغربي المؤمن بمنطق المصلحة ينبغي له البحث عنها، وهي لا شك موجودة في القيم النبيلة التي جاء بها الإسلام، يقول الإمام: لكن سيأتي اليوم الذي سيلقي فيه عالم حديث متعقل سمعه ليصغي إلى رسالة الإسلام وكله استعداد وانفتاح لتقبل اقتراح الإسلام، وكله سعادة للاسترشاد بحكمة الإسلام. إن شاء الله. العالم المتعقل سيفهم أن الإسلام هو خضوع لله. سيتعلم كيف ينظر بعيدا وكيف يرفع الأشرعة لبداية إبحار إلى بلاد الحرية: بلاد يكون فيها الإنسان عبدا لله لا يعترف بأي سيادة مناقضة لسيادة البارئ الواحد، ولا يخضع لأي شريعة مخالفة لشريعة الله رب العالمين) 3 .

الفقرة الثانية: إعادة بناء الثقة

تعاني العلاقات الغربية الإسلامية اليوم نوعا من التنافر لأسباب تاريخية ودينية وسياسية وأيديولوجية وغيرها، إلا أن معظم هذه الأسباب تم تضخيمها واستغلالها بشكل سيء لتبرير مصالح ضيقة، تخدم فئة قليلة من الناس، ومعظم هذه الخلافات يمكن إيجاد حل لها إن حسنت النية، بعيدا عن الأحكام المسبقة؛ فحري بالطرفين إعادة بناء جسور الثقة خدمة للمصالح المشتركة، يقول الإمام: للتواصل مع الحداثة التي تحكم عليك بأحكام مسبقة ومضادة، ينبغي بلوغ أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر. كم هو عزيز وجود هذا الاستعداد وسط العقول المتمترسة وراء اعتقادات جاهزة وإصرار عجيب على عدم الاستماع) 4 ، ويقر الإمام بصعوبة الاقتراح، يقول: تخطي الجدار للوصول إلى الآخر يبدو مستعصيا) 5 . لكنه لا يفقد الأمل، ويبحث عن العقول الحكيمة والقلوب الصادقة والآذان المصغية، ويقول: للتواصل مع الحداثة التي تحكم عليك بأحكام مسبقة ومضادة، ينبغي بلوغ أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر. كم هو عزيز وجود هذا الاستعداد وسط العقول المتمترسة وراء اعتقادات جاهزة وإصرار عجيب على عدم الاستماع. إسماع الحق لإنسان حديث لا يعرف لوجوده معنى خارج الرغبة الرهيبة للاستمتاع بـ”السعادة” الاستهلاكية يعتبر رهانا) 6 .

الفقرة الثالثة: التحلل من العقلية المستعلية

يعتبر الغرب اليوم نفسه سيد العالم، السيد بمعنى المتعالي الذي يفرض رأيه بالقوة العسكرية والناعمة، وكل من يخافه يدخل ضمن لائحة “الدول المارقة”، فهو كائن دولي له مميزات ليست لغيره، يسطر قانونا دوليا للكائنات الأخرى “الضعيفة” لتلتزم بها، ويخرقها هو دون حسيب أو رقيب، يقول الإمام: التواصل بين أهل الشمال وأهل الجنوب صعب. يكاد يكون ذا اتجاه واحد: تفرض قوة الشمال استبدادها عبر بنود إلزامية، ويواري الجنوب خجله مسميا خضوعه “تعاونا وديا” 7 ؛ وقد ظهرت أهم نظرية للعلاقات الدولية المسماة بـ”الواقعية”، والتي تؤمن بمنطقي القوة والمصلحة، وهي النظرية التي اعتنقها الغرب وطبقها في سياسته الخارجية خاصة مع الدول “الضعيفة”؛ فهذه النظرية لا تؤمن بالأخلاق والقيم في المعاملات الدولية، يقول الإمام: ماذا تستطيع الفكرة الحافية والاقتراح المتشرد ضد واقع جبروتُه ملموس؟ ماذا تستطيع القيمة الروحية والأخلاقية التي تنادي بها وتعرضها الإسلامية العاجزة في السوق العالمية لمواجهة القيمة التجارية التي تضمنها الورقة الخضراء؟) 8 .

الفقرة الرابعة: حقوق الإنسان

تعتبر قضية حقوق الإنسان “الموضة” العالمية التي تسيطر على المنتديات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، وقد خطا الغرب خطوات محسوسة نحو التّأسيس لميثاق دولي يحفظ كرامة الإنسان، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني المنظم لحالات الحرب؛ وفي المقابل ظهرت منظمات دولية عديدة تهتم بحقوق الإنسان، وتندد بجميع الجرائم البشعة ضد الإنسان والإنسانية، إلى جانب منظمات تهتم بالبيئة وثرواتها، ولعل لغة حقوق الإنسان يعرفها ويتقنها جميع سكان العالم؛ إلا أنه رغم الترسانة القانونية الدولية الضخمة المهتمة بهذا المجال، ورغم النداءات المتكررة للحد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلا أن مظاهر خرق هذه الحقوق ما زالت متواصلة وممنهجة في كثير من الأحيان، يقول الإمام: أنت الحياة (يتحدث عن الديمقراطية الغربية) عندما لا تكتفين بالكلام وعندما ينتظم أبناؤك وبناتك من الغرب ومن أماكن أخرى في منظمات غير حكومية للتنديد بإرهاب الدولة، وللدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة) 9 . ويقول أيضا: إن الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته مشروع المستقبل وقضية مقدسة (…) الرسالة النبوية يتردد صداها عبر الزمن لدعوة الناس وتذكيرهم أنهم إخوة ومخلوقات لله وحده) 10 .

طالع أيضا  الإسلام والغرب في فكر الإمام عبد السلام ياسين (3)

الفقرة الخامسة: الحلف الإنساني العالمي

على المستوى النظري، فالعولمة والعالمية فرضتا على المجتمع الدولي سن قوانين دولية تنظم الحياة الدولية، نظرا إلى تشابك وتداخل المصالح بين الكائنات الدولية المختلفة، بالتوازي مع تأسيس منظمات دولية تسهر على تنظيم العلاقات الدولية المختلفة، وكذا تطبيق القانون الدولي؛ إلا أن القانون الدولي يعرف أزمة ملحوظة، والعدالة الدولية لم تتحقق بالشكل المطلوب، نظرا لتكبر وطغيان الدول الغربية وتسلطها على الدول الأخرى؛ وتشكل هيئة الأمم المتحدة تجربة فريدة في الدفاع عن السلم والأمن الدوليين، وقد تم تسطير الميثاق الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وظهرت بالموازاة معها مؤسسات، حكومية وغير حكومية، تروم تحقيق العدالة الدولية، فهذه التجارب الإنسانية كلها تعتبر أرضية مشتركة نحو مستقبل يتم فيه بناء مجتمع دولي متعاون ومتراحم، ينعم فيه الإنسان بالسلم والأمن والكرامة، يقول الإمام: نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم .إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان) 11 .

الفقرة السادسة: الديمقراطية

تعتبر الديمقراطية إرثا إنسانيا عالميا مشتركا، ولا أحد ينكر الآليات التي تسعى إليها وتشتغل بها، فتداول الحكم، وفصل السلط واحترام الكرامة الإنسانية وغيرها، قيم ومبادئ إنسانية تعرف إجماع الجميع، وقد قطع الغرب اشواطا مهمة نحو تحقيق ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية عادلة، إلا أنه يدعم الحكومات التسلطية ذات الحكم الشمولي الظالم، وقد أبان “الربيع العربي” عن تخوف الغرب من الديمقراطية التي ينادي بها ويدافع عنها، خاصة بعد تولي الإسلاميين الحكم في بعض الدول العربية، يقول الإمام: نحن معك، أيها الشعار المتعدد الألوان، عندما يحفز أبناءَك وبناتِك مثاليةٌ نبيلة فيحتجون ويعبرون عن غضبهم مجندين موارد غنية معنوية ومادية لمساعدة ضحايا الحداثة القاسية، نحن معكِ أيتها النفوس الخيرة عندما تنتفضين ضد منفذي الأعمال الوضيعة التي تحرض عليها قوى العصر أو تثيرها القوى الصغرى المحلية الشيطانية) 12 .

طالع أيضا  الإسلام والغرب في فكر الإمام عبد السلام ياسين (2)

خاتمة

قد يلاحظ القارئ الكريم أن هذه المقالات تم الاعتماد فيها على مرجع واحد، بل جزء منه فقط، وهو مقدمة كتاب “الإسلام والحداثة” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وهو ما يخالف البحث العلمي الذي يتطلب الاستئناس بمراجع كثيرة، لكن من يقرأ كتابات الإمام يجدها مؤلفات شاملة، تصل حد التنظير، وتضم بين سطورها علوما ومعارف في شتى المجالات الشرعية والسياسية وغيرها، وكل عالم متخصص في مجال معين يجد إشارات دقيقة تهم مجال تخصصه، وهذا ما يؤدي بالقارئ لكتابات الإمام من مواجهة صعوبات في فهم معانيها فهما دقيقا، وأعتقد أنه ينبغي تحليل كتابات الإمام بتظافر جهود مجموعة من المتخصصين في مجالات علمية متعددة؛ كما أن كل جملة في هذه الكتابات تعتبر عنوانا لفقرة تحتاج تحليلا واستفاضة.


[1] سورة الحجرات، الآية 3.\
[2] الإسلام والحداثة، ص 24.\
[3] نفس المرجع، ص 16.\
[4] نفس المرجع، ص 14.\
[5] نفسه.\
[6] نفسه.\
[7] نفس المرجع، ص 13.\
[8] نفس المرجع، ص 16.\
[9] نفس المرجع، ص 22.\
[10] نفس المرجع، ص 23.\
[11] نفس المرجع، ص 22.\
[12] نفسه.\