أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ رشيد بوصيري، الكاتب العام للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا النقابية التي تهم الفاعلين النقابيين والمركزيات، والواقع الاجتماعي الذي يعاني منه الأجراء والعمال والموظفين، ورؤى الجماعة للمسألة النقابية. هذا نصه:

ماهي قراءتكم في القطاع النقابي للجماعة للعيد العمالي لهذه السنة؟

مؤشرات كثيرة تؤكد التراجعات الخطيرة على مستوى المكاسب التاريخية للعمال والأجراء، وذلك من قبيل أنظمة التقاعد التي يسمونها أنظمة سخية لكي يهيئوا الرأي العام للإجهاز عليها وعلى منظمات الحماية والتضامن الاجتماعي، وتراجعات في الحريات النقابية، وغيرها من المكتسبات… أما على مستوى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية فتعرف هجمة شرسة على الفئات المستضعفة تتجلى أساسا في ضرب القدرة الشرائية للمواطن عبر الزيادات المتتالية في المواد الضرورية للعيش الكريم.

يقع كل هذا في ظرفية سياسية واجتماعية مختنقة، أهم مميزاتها انعدام العدل الاجتماعي وسيادة نمط اقتصادي مستحوذ على خيرات البلاد ومغيب لمناخ المنافسة والشفافية الاقتصادية، مما يحرم مجتمعنا من كفاءات واستثمارات أساسية للتنمية الوطنية أو حتى الخروج من عنق الزجاجة، هذا النمط المذكورة معالمه يزيد الثلة الغنية غنى ويضرب في الصميم قدرة الطبقة الوسطى ويعمم البؤس على الفقراء وعموم الشعب.

هل من متغير عرفه المشهد النقابي يوم احتجاج العمال في فاتح ماي؟

المتغير الجديد هو اقتناع عموم الأجراء -ونحن منهم ومعهم- أن الوضعية باتت تتطلب مقاربة أكبر وأعمق من الخروج تحت يافطة مركزية أو أخرى، إننا في القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان مقتنعون بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق العمل النقابي الوحدوي للمساهمة في النهوض المجتمعي والدفاع عن المكتسبات والعمل على انتزاع الحقوق الضرورية لتقوم فئات المجتمع بمهامها في ظروف مناسبة تمكن من التنمية الحقيقية للوطن والمواطنين.

دائما في المشهد النقابي، يرى البعض أن التنسيق الثلاثي الذي ولد بتاريخ الأربعاء 29 يناير 2014 في ندوة صحافية، وجمع الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل، انبثق فجأة ولم تسبقه مقدمات منطقية؟

أظن أن العكس هو الصحيح، حيث أن زيارات قامت بها الفدرالية الديمقراطية للشغل جمعت قيادة هذه المركزية النقابية بقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في بداية 2012 -أي بعد تنصيب حكومة بن كيران- توجت هذه اللقاءات بالمسيرة المشتركة ليوم 27 ماي 2012 بالدار البيضاء؛ وفي ذات السياق جاءت زيارة إدريس لشگر للميلودي مخاريق في مقر الاتحاد المغربي للشغل يوم 21 فبراير 2013 حيث أعلن الطرفان أن التنسيق بينهما هو لخوض معارك من أجل الديمقراطية والمساواة والحقوق النقابية، وأن هذه المعارك هي اليوم حاجة حضارية ومجتمعية تتجاوز الظرفية الحالية إلى إقامة التوازن داخل المجتمع حتى لا يختل لفائدة مكون ضد آخر).

وحتى إعلان 29 يناير 2014 – الذي وصف بالتاريخي- لم يأتي ضربة واحدة، بل سبقه اجتماع بدار المحامي ضم النقابات الثلاث وخرج عنه أول بيان مشترك مُوقع من طرف المركزيات الثلاث بتاريخ 23 يناير 2014 ويحمل العنوان التالي: المركزيات النقابية ترفض المساس بمكتسبات التقاعد وبكافة الحريات والحقوق)، ليختم البيان بأن المركزيات النقابية الثلاث تخبر الرأي العام الوطني والعمالي بمواصلة العمل المشترك، وبعزمها على اتخاذ مبادرات سيتم الإعلان عنها في وقتها). لم تدم طويلا حالة التكهن، ويبدو أن شيئا ما استعجل المركزيات الثلاث لإعلان التنسيق الثلاثي بعد ستة أيام فقط من التلويح بعزمها على اتخاذ مبادرات).

هل يعني هذا أن النقابات المغربية أحست بتهديد ما أخرجها من حالة الركود التي ظلت عليها عقودا من الزمن؟

منذ سنوات قليلة بدأ شعار العمل الوحدوي) يتطور داخل الحركة النقابية المغربية، من خلال الخطاب النقابي ومن خلال العمل الجبهوي القطاعي والمحلي، فقطاعات التعليم والصحة والجماعات الترابية…، فرضت منذ سنوات على نقاباتها القطاعية تنسيقات بَينيّة، وكذلك كثير من الفروع والجهات كانت تفضل العمل المشترك من أجل الدفاع عن مطالبها العادلة.

ثم جاءت تجربة الربيع المغربي لتقدم نموذجا، ظل في عداد المستحيلات، للتدافع مع جبهة الاستبداد والفساد فتحقق للمستضعفين ما لم يكن مسطرا في برامج الأحزاب السياسية أو المطالب النقابية؛ وسرعان ما التفت جبهة الاستبداد والفساد على وعودها الإصلاحية والتزاماتها السياسية والاجتماعية عندما تمكنت من تفكيك الجبهة الأخرى بإزاء وسائل ليس المجال لذكرها الآن؛ ثم عادت أشد تسلطا وإفسادا كما لم تكن قبل الحراك، وكأنها تستغل -في سباق مع الزمن- حالة الإحباط والصدمة التي تسمى عندنا بالاستثناء المغربي، لتسترد هيبتها الاستبدادية وهيمنتها الاقتصادية والسياسية داخل المجالات العمومية.

وحيث أن النظام محتاج دائما لشهادة حسن السيرة، فإن أطرافا خارج البلاد يستعدون لإعادة ترتيب مصالحهم السياسية والاقتصادية والجيو- إستراتيجية لاكتساب الوضع المتقدم داخل المملكة الغنية طبيعيا، المفقرة اجتماعيا وسياسيا.

ولقد تضافرت أسباب من قبيل ما ذكر، لتطلق أيدي الاستبداد –الناعمة بفعل الحكومة الحالية للأسف– على ملفات كانت إلى الأمس القريب مجالا يمنع المناورة فيه، استكمال الخوصصة في الخدمات الأساسية، إزالة القواعد وتحرير الأسواق، ثم الحد من الإنفاق الاجتماعي: المقاصة، والتقاعد ثم الضمان الاجتماعي…

هذا الوضع الذي يذكر المركزيات النقابية بالسنوات العجاف التي تسمى سياسة التقويم الهيكلي، دفعها إلى إعلان تنسيق مواقفها ومطالبها تحت عنوان: توحيد الحركة النقابية المغربية، قصد استعادتها لموقعها التاريخي الطبيعي في حركية الصراع الوطني والطبقي) أو ما سماه الإعلام بكلمتين الجبهة النقابية).

هل يرتكز التنسيق النقابي على مقومات عقلانية أم على دوافع حزبية وسياسية؟

أكيد أن ما تشتت في عقود لا يلتئم في أيام أو شهور، فرغم أن خطاب القيادات الثلاث ليوم 29 يناير 2014 وما بعده بالغ في التفاؤل وأعلن عن نيته في وحدة الإطارات النقابية! فإن التقارب الثلاثي يراد له أن يلعب دورا يتناسب مع الظرفية السياسية والاجتماعية؛ لا نحاكم النيات ولا نتوسع في تحليل الأهداف غير المعلنة، بل نتوقف على رغبة المركزيات الثلاث في تنسيق مواقفها الكبرى وتوحيد جبهتها النضالية في معارك تلوح في الأفق…

هذه المطالب –على فَرَضِيّة مركزيتها في نية الداعين للتنسيق– هي في حد ذاتها أهداف استراتيجية لا تستوعبها الآلة التكتيكية؛ فعوامل الارتكاز تتفاعل داخل الحقل الاجتماعي وتتعمق يوما بعد يوم بفعل الهجوم الممنهج على مكتسبات الأجراء، حيث أضحى شرسا وغير مسبوق ولا ينفع معه التجاهل والانتظارية؛ كما أن القناعة باتت تتعمق بضعف الذات النقابية وبأهمية العمل المشترك نظرا لفاعليته في مواجهة الجبهة الأخرى أو حتى مقاومتها.

لذلك فالتقارب الثلاثي إما سيتطور في اتجاه جبهة نقابية، عبر مسيرة طويلة من التنسيقات الموضوعية التي قد يُستعمل فيها سلاح الإضراب العام بما يشكله من تحدي حقيقي داخل الاتحاد المغربي للشغل، المركزية القوية في القطاع الخاص. أو سيتلاشى -هذا التقارب- بفعل التموقعات الحزبية الظرفية والتي ستزيد من ضعف الإطارات النقابية ويدخلها في أزمة ثقة عميقة مع قواعدها وكوادرها ليس بسبب فشل الوحدة النقابية، فكثير منهم لا يعبأ بها، بل بسبب فشل ثلاث مركزيات، قدم بعضها مئات الشهداء في سنوات الرصاص؛ مما سيُعرّف من لم يعرف بعدُ طبيعة من يمسك بخيوط اللعبة وهذا ما سيعطي مشروعية إضافية لكل حراك غير مؤطر أو مضبوط اجتماعيا.

لكن في المقابل، هل الطريق معبدة أمام نقابات ظل يطغى عليها الخلاف والنزاع عبر عقود من الزمن؟

عندما يتم تفعيل المقدمات – أعلاه – ستثور التناقضات الذاتية والموضوعية، وهي على كل حال غير مستغربة داخل التنظيمات الاجتماعية -التي تدبر المصالح الفردية والجماعية- والتي لها تاريخ حافل بالتجارب المريرة تمكنها من التعرف على أسباب التناقضات ومجابهة الإشكالات من قبيل:

أ‌. الرفض واللامبالاة على مستوى المسؤوليات التحتية؛

ب‌. تدني مستوى التعبئة العمالية بعوامل الشك والارتياب؛

ت‌. دخول الأجندات السياسوية على الخط؛

ث‌. تشتيت التقارب بعوامل التنافس النقابي والتمثيلي (الانتخابات المهنية).

تعتبرون أنفسكم قوة اقتراحية، فماذا تقترحون في القطاع النقابي لكي يتجاوز هذا التنسيق النقابي تناقضاته الذاتية والموضوعية؟

أولا نسجل أن قطاعنا النقابي كان خياره الاستراتيجي منذ التأسيس هو الجبهة النقابية الموحدة)، وهذا ما أكدنا عليه من خلال مواقفنا وبياناتنا ومبادراتنا الميدانية وسلوك إخواننا الممارسين. فهذا التنسيق الثلاثي إذن يعنينا نضجه الحثيث وتطوره، لذلك نقترح عليه أن يعمل على:

أ‌. الانفتاح على مختلف الفعاليات النقابية؛

ب‌. الاتفاق على أرضية مشتركة تشكل موقفا موحدا من السياسات العمومية المتبعة في البلاد؛

ت‌. وضع ميثاق بين أطراف التنسيق لضمان الالتزام وتحمل المسؤولية في مختلف المحطات النضالية؛

ث‌. انتخاب هيئة وطنية لمتابعة العمل الجبهوي؛

ج‌. تطوير آليات الحكامة والديمقراطية الداخلية خاصة قبل اتخاذ القرارات المصيرية؛

ح‌. تطوير بنيات العمل المشترك محليا وقطاعيا؛

خ‌. التواصل مع القواعد والانفتاح على معاناة الشغيلة؛

د‌. تأسيس لجان محلية وجهوية للعمل الجبهوي.

يتساءل الكثيرون: لماذا لا تؤسس جماعة العدل والإحسان نقابة خاصة بها كما كثير من الأحزاب والحركات؟

من يبحث عن الحل لا يكون جزءً من المشكل، ومشكل العمل النقابي في تشرذمه والحل ليس في إضافة رقم إلى أرقام النقابات التي اقترب عددها من عدد الأحزاب السياسية، نحن لنا تصورنا في الفعل والفاعلية ونحترم تصورات الأخرين، لكننا نؤكد ما وسعنا الجهد أن الحل لمشاكل المغرب هو في بناء أرضية نضالية موحدة تؤطر الحركة الاجتماعية في سياقنا، على قواعد حرية الكرامة وعدل الكفاية والتي تضمن مشاركة الجميع وقوة الجميع.

فما هو شعاركم الأساسي وبرنامجكم في ظل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي أشرت إليه؟

شعارنا المركزي، بل برنامجنا منذ التأسيس، هو ترسيخ روح الميثاق لبناء شروط الوحدة النضالية التي تؤمن القوة الضرورية للدفاع عن المكتسبات وانتزاع الحقوق، من غير هذا الشرط ستتغير الحكومات ويظل الواقع يتأزم في منحنى كرة الثلج حتى يجرف الأخضر واليابس، وهذا ما ظلت جماعتنا تحذر منه وأدت ثمنا ينضاف إلى ما قدمه غيرنا من الصادقين من أبناء هذا الوطن. نعم الكل يتحمل المسؤولية من موقعه ولا يعذر أحد من تبعات قراراته، لكننا ونحن نبحث عن الحل الحقيقي نفرق بين من يحكم حقيقة ومن تُملى عليه الترقيعات لكي يُستنزف رصيده ثم يزين واجهة الفساد والاستبداد.