أصبح شهر أبريل كابوسا حقيقيا للدبلوماسية المغربية تبحث فيه عن الخروج بأقل الخسائر. فما أن صادق مجلس الأمن على القرار رقم S/RES/2152 القاضي بتمديد مهمة المينورسو لسنة أخرى بدون إعادة نظر في توسيع صلاحياتها لتشمل إنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان حتى تنفست السلطة السياسية الصعداء وروجت للانتصار الكبير الذي حققته الدبلوماسية المغربية على الجزائر والبوليساريو، وأفردت لذلك التغطيات الإعلامية الواسعة. وللأسف، سيطوى الملف إلى أبريل القادم ليتكرر نفس السيناريو.. البوليساريو يتصيد أخطاء المسؤولين المغاربة، وقد وجد ضالته في ملفات حقوق الإنسان والقضايا الاجتماعية وثروات المنطقة مدعوما بآلة إعلامية ودعائية وتمويل سخي، والمغرب الرسمي عاجز عن مجاراة ذلك بدون الاتكاء على دعم الدول العظمى، مثل فرنسا، مع ما يتبع ذلك من خضوع للابتزاز وفتح البلاد لهم للظفر بمشاريع بدون الخضوع لمعايير الشفافية. هذا على الأقل ما هو واضح إلى حد الآن والمستور لا يعلمه إلا الله.

يتكرر هذا السيناريو كل سنة بدون استفادة من الأخطاء المتراكمة، بل يزداد وضع المغرب سوءا وينتقل إلى موقع دفاعي أكثر فأكثر في هذا الملف الذي أسيء تدبيره منذ اليوم الأول حين قرر من كان بيده الأمر، وأقصد الملك الراحل الحسن الثاني وصدره الأعظم البصري، أن يجعله شأنا خاصا وليس قضية شعب وأمة وفاعلين مجتمعيين، فاحتكر المعلومة وانفرد بوضع المنهجية واختار المنفذين وألزم الكل بالتصفيق لهذا الخيار، وها نحن اليوم ندفع ثمن هذا التدبير السيء بعد عقود من الفشل.

إننا اليوم إزاء أقدم نزاع في القارة السمراء، وهو نزاع لم تتقدم جهود التسوية فيه، بعد جهود إفريقية وأممية مضنية، إلا في ما يخص توقيع اتفاق لإطلاق النار سنة 1991مع استمرار الجمود في المسارات الأخرى للتسوية، وفي مقدمتها إجراء الاستفتاء، رغم تعاقب 6 مبعوثين للأمين العام وإصدار أكثر من 20 قرارا أمميا ووضع أربعة حلول على الطاولة التي جلس إليها أطراف النزاع مضطرين بعد طول تمنع. وللأسف، مرة أخرى لم يع أحد من هذه الأطراف خلفيات هذا الجمود وحقيقة المستفيد الأكبر منه، وهي طبعا القوى العظمى التي تستنزف خيرات المنطقة وتتغذى من الصراع بين الدولتين الكبيرتين في المغرب العربي ليبقى الاتحاد المغاربي جامدا ووضعية دوله التفاوضية ضعيفة. ولذلك فليست هناك أية إمكانية لحل هذا النزاع بعيدا عن إرادة هذه الدول الكبرى التي تستغله حسب ما تقتضيه مصالحها بالدرجة الأولى، ولو اقتضى ذلك تغيير مواقفها من النقيض إلى النقيض. وهذه أول خلاصة، إذ ليس في الإمكان طي هذا الملف بدون إرادة الكبار الذين يتدخلون في اللحظات الأخيرة متجاوزين تقرير الأمين العام وغيره حسب ميزان المصالح.

لقد قدم الأمين العام الأممي، كما جرت العادة سنويا، تقريره السنوي يوم الخميس 10 أبريل 2014 حول مهمة المينورسو، ورغم الحملة الاستباقية التي شنها المغرب منذ مدة، حتى لا يتكرر سيناريو السنة الفارطة، تميز التقرير، وقد وعد الأمين العام في السنة الفارطة أن تقرير هذه السنة سيكون مخالفا، بملاحظات ليست في صالح المغرب ليتبين أن هذا الملف يشكل غصة لدى المغرب الرسمي وكله ثغرات ولا تنفع معه الإصلاحات الشكلية، مثل إصلاح نظام المحاكم العسكرية وتوسيع مهام المجلس الوطني لحقوق الإنسان وأقلمة المجلس مع مبادئ باريس التي عادة ما تكون الإشارة لها كإيجابيات من قبيل الكلام الدبلوماسي الذي لا جدوى منه مقارنة بالتوصيات الصادرة.

وكان مقررا اجتماع مجلس الأمن يوم 23 أبريل 2014 لتجديد ولاية بعثة المينورسو لسنة أخرى، ولكنه تأجل إلى 29 أبريل ليبقي هذا المجلس بأعضائه الخمسة عشر على الوضع الحالي بدون تغيير في مهمة المينورسو.

لقد صب المغرب جام غضبه على هذا التقرير لأنه تضمن توصيات ليست في صالحه من قبيل:

1- إدراجه هذا الملف ضمن قضايا تصفية الاستعمار وأن هذا الإقليم مدرج على قائمة الأقاليم غير المستقلة للأمم المتحدة وذلك منذ 1963 وتأكيده الدائم على مصطلح تقرير المصير بدون الأخذ بعين الاعتبار الواقع على الأرض.

2- تأكيده مرة أخرى أن طرفي النزاع هما المغرب وجبهة البوليساريو، مع العلم أن المغرب يحرص دائما على جعل الطرف الثاني للنزاع هو الجزائر.

3- إعادة تأكيد الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، حيث تمت الإشارة إلى “المراقبة المستدامة والمستقلة والحيادية لحقوق الإنسان” والمغرب اعترض بشدة على هذه الفقرة. والجديد هذه المرة أن هناك إشارة إلى حقوق الإنسان في مخيمات تندوف كذلك.

4- الإشارة إلى نهب الموارد الطبيعية للصحراء الغربية مع الدعوة إلى تكفل الأمم المتحدة بها من أجل الحفاظ على مصالح الشعب الصحراوي طبقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

5- التهديد بمراجعة كاملة لإطار مسار المفاوضات الذي عرضه الأمين العام في أبريل 2007 إذا لم يتم تحقيق تقدم قبل أبريل 2015.

6- التركيز على التفاوض بنية حسنة وبدون شروط مسبقة.

7- توصية الأمين العام بتجديد عهدة “المينورسو” لمدة سنة أخرى حاسمة وتعزيزها ب 15 مراقبا إضافيا.

تلقت الجزائر والبوليساريو بارتياح كبير، بينما عبر المغرب عن صدمته وخيبة أمله، وأرفق ذلك بخطوات مثل:

1- تعيين عمر هلال سفيرا ممثلا دائما للمغرب لدى منظمة الأمم المتحدة مكان لوليشكي محمد، وللإشارة فهلال كان السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، وكذلك كاتب عام لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون.

2- اضطرار الملك إلى النزول بكل ثقله مرة أخرى والاتصال بالأمين العام، والأنباء المتسربة عن هذه المحادثة كانت كلها مغرقة في التشاؤم لأنها لم ترض الملك.

3- تهديد المغرب بإيقاف بعثة المينورسو نهائيا.

كان واضحا لأبسط مطلع على طرق اشتغال الأمم المتحدة أن لا جديد سيفرض على أطراف النزاع طالما أن الملف يدبر تحت البند السادس وليس البند السابع لميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يفرض التوصل إلى “حل عادل ودائم يرضي الطرفين”، ولكن تقرير الأمين العام وضع المغرب، مرة أخرى، في حرج كبير لأنه ظهر بمظهر الدولة الرافضة لمراقبة حقوق الإنسان ووضع خيار الحكم الذاتي موضع النقد وهو الذي كان لحظة طرحه سنة 2007 نقطة هجومية للمغرب ليصبح اليوم معرضا للموت، وهو ما نبه له الأمين العام حين تحدث عن أبريل 2015 وإمكانية مراجعة خيار 2007.

يتحمل المغرب الضغط الكبر في هذا النزاع، وهو الذي يتحمل العبء الأكبر لإيجاد مخرج له، وهو المتضرر الأكبر من استمراره، ومفتاح الحل بيده، وأول خطوة في هذا الاتجاه هي الحرية واحترام حقوق الإنسان والانتصار للخيار الديمقراطي كاملا بعيدا عن الاجتزاء تحت ذرائع شتى، وإعطاء الأولوية لموضوع العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتنمية الشاملة للمنطقة والقضاء على الريع والزبونية، ومراعاة خصوصية الصحراويين الذين يظنون أن كرامتهم انتهكت منذ عقود، وفتح الباب لتلاقح طبيعي بين مختلف مناطق البلاد وأبنائها بعيدا عن منطق الإنزال والإغراق، وتقوية الجبهة الداخلية بجعل هذا الملف عاما ومفتوحا للرأي العام والحوار الوطني للبحث عن أنجع السبل لتجنب الابتزاز الدولي وفرض الأمر الواقع على من ينتعش في استمرار هذا النزاع ويتخذه ذريعة لتأجيل دمقرطة بلاده ومبررا للإبقاء على سطوة العسكر على مقدراته، وتحريك التواصل مع شعوب المنطقة، من خلال دبلوماسية المجتمع المدني، المتضررة من هذا الجمود إنسانيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

بعد كل هذا، سيكون المغرب على أتم استعداد لكل الخيارات ولكل معاني تقرير المصير بدون خوف من النتائج، وسيوضع الصحراويون في الموضع الطبيعي ليختاروا مستقبلهم بعيدا عن كل تأثير أو مشوش. وسيفتح الباب بعد ذلك لبناء الاتحاد المغاربي وتقوية العمق الإفريقي للمغرب وتشكيل كتلة قوية في التفاوض مع الاتحاد الأوربي وغيره.