يبدو أن الاعتداء الوحشي الذي تعرض له مناضلو “التجديد الطلابي” في جامعة “ظهر لمهراز” بفاس من طرف عصابات محسوبة على اليسار الراديكالي الأسبوع الماضي، والذي أدى إلى استشهاد عبد الرحيم الحسناوي وإصابة عدد آخر، قد فتح نقاشا مجتمعيا أكبر حتى مما تعود عليه الطلبة المناضلون. فطيلة السنين التي مضت كان النقاش حول الشأن الطلابي لا يتجاوز أسوار الجامعات، بل حتى الكتابات عن الشأن الطلابي باتت نادرة، ناهيك عن الإعلام الذي قلما يتتبع أخبار الساحة الجامعية.

هذا التفاعل الواسع في جزء منه ليس بريئا، فليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها ضحايا في الجامعات المغربية، ومع ذلك لم يستثر الرأي العام بالشكل الذي نراه الآن، وهو الشيء الذي يفرض على مناضلي الفصائل الطلابية وكافة الغيورين على الساحة الجامعية يقظة بالغة بعيدا عن العاطفة، لأنها في مثل هذه الحالات مدمرة. فباسم العاطفة والانفعال المزيف يصطاد بعضهم في الماء العكر ويروج من خلال مواقفه وتحليلاته وبتأليبه للرأي العام لأجندات بعيدة تماما عن مصلحة الطالب المغربي ويتربص بالتجربة الطلابية المغربية بغية إقبارها نهائيا إن أمكنه ذلك طبعا.

ليس في الأمر مبالغة، فالجامعة المغربية منذ الاستقلال وهي ملاذ للحركات المغضوب عليها مخزنيا، والمخططات المخزنية الدائمة كانت تروم تدجينها بشتى الوسائل كلما سنحت لها الظروف. ولأن النظام المغربي اليوم قد أصيب بجنون العظمة بعد أن تخطى حسب اعتقاده تداعيات الربيع العربي التي أربكته حينها، والتي تصور بعد اجتيازها أنه كيان لا يقهر، فهو ماض في السحب من مكتسبات الطلبة إلى أبعد حدود، فحتى المجالات التي ما كان يجرؤ عليها في السابق أصبحت الفرصة سانحة له لاقتحامها.

ينبغي أن نشير هنا إلى أن استهداف الساحة الطلابية كانت له إرهاصات سابقة، فالتحرش بالجامعة المغربية تصاعد في السنوات القليلة الماضية عبر التبشير بقرارات مجحفة تمس الطالب المغربي ناهيك عن سلوك النظام القمعي الذي عانت منه عدد من المواقع الجامعية والذي بلغ ذروته حين حاول نسف الملتقى الوطني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب في ابن طفيل السنة الماضية في سابقة خطيرة، وفي تعبير واضح عن شهوة المخزن للاستحواذ على كل شيء وغلق أي هامش كان قد تم فتحه في وقت من الأوقات.

بات واضحا إذن أن المخزن يحضر لشيء مريب عقب هذا الحدث المأساوي ويسعى إلى استغلاله أبشع استغلال حتى يخرج منه منتصرا على خصومه، فكل ما تفعله أدواته الإعلامية والسياسية حاليا هو البحث عن سند شعبي لإيجاد أرضية ملائمة ليس من أجل تمرير قرارات غير شعبية تضرب مصلحة الطالب في الصميم فحسب، بل إن ما يرمي إليه المخزن من كل هذه الزوبعة الإعلامية في الحقيقة هو الوصول إلى تجريم أي فعل نضالي في الجامعة المغربية وتجفيف منابع الممانعة فيها وذلك من أجل خلق أجيال مائعة لا رسالة لها حتى يسهل عليه اقتيادها، لأن الطلبة هم الكابوس المؤرق لأي نظام استبدادي. ورغم أن مخططاته التمييعية للجامعة المغربية قد بلغت مستويات عالية إلا أن هواجسه تظل كبيرة بخصوصها ما دامت توجد فيها قوى مقاومة وعمل طلابي غير متناغم مع مشاريعه، فهي خزان كبير لتكوين وتخريج طاقات حيوية غير مروضة، الشيء الذي ثبت في الحراك العشريني وباقي الاحتجاجات الفئوية التي كان جل محركيها من خريجي مدرسة النضال الجامعية، لذلك فلن يهنأ للنظام المخزني بال حتى يستأصل هذه الثقافة من الحرم الجامعي، فقد آن الأوان كي يرتاح حسب تصوره من ذلك الصداع الذي شكلته له لعقود.

إن ما على الفصائل الطلابية أن تدركه اليوم هو أنها أصبحت ملزمة بالتكاثف وتجنب الخلافات إن هي أرادت أن تواجه المخططات المخزنية الخبيثة، أما الاستمرار في تفريغ الانفعالات وتسجيل النقاط على بعضهم البعض والتعامل بصبيانية ومراهقة مع حدث جلل، فلن يخدم هذا أحدا ولن يجد النظام أدنى صعوبة في سحق الجميع، وسيعضون ساعتها أصابع الندم على ضياع واحد من أبرز معاقل المعارضة.