أجرى موقع “عربي 21” حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، حول المشهد السياسي المغربي، وعلاقة الدولة بالجماعة والجماعة بالدولة، ورسالتي الإسلام أو الطوفان ومذكرة إلى من يهمه الأمر، والعلاقة بين الحركات الإسلامية المغربية، وأوليات العدل والإحسان. نعيد نشره تعميما للفائدة:

ما قراءتكم في جماعة العدل والإحسان للمشهد السياسي العام بالمغرب؟

أعتقد أن المرء لا يحتاج إلى كثير عناء لكي يشخص المشهد السياسي في المغرب، فهناك فاعل أساسي هو الملك والمربع الملكي هو الذي يتحكم في كل الأمور. فبعد انحناءة الربيع العربي عاد النظام من جديد لكي يمسك بكل الخيوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، هناك احتكار لكل هذه السلطات بما فيها الاقتصاد والمال، وهذا انعكس بالطبع على الحكومة التي لم يعد لها هامش للتحرك وأصبح الوزراء في الحكومة لا يظهرون إلا في مآسي الشعب وفي القرارات اللاشعبية وأصبحت تمسح في الحكومة كل السلبيات التي يعيشها المغرب.

أما البرلمان فنحن رأينا خصوصا كيف تأجلت الجلسة الأخيرة، فهناك تأزم داخل البرلمان بين المعارضة المنقسمة على نفسها وبين الأغلبية المرتبكة. الأحزاب، ولا أتحدث عن كل الأحزاب ولكن الأحزاب التي كانت تعتبر من الأحزاب الرئيسية والتي كان لها فعل داخل الساحة، أصبحت تعرف مشاكل وتصدعات داخلية، وأصبحنا نسمع التنابز بالألقاب، وأصبح المستوى العام للخطاب السياسي متدني جدا.

كل هذا انعكس بالطبع على الشعب المغربي الذي ما فتئ يحتج في كل يوم هنا وهناك رافضا هذه السياسة وتداعياتها على قوته اليومي وعلى حريته في التحرك وفي التجمع وفي الاحتجاج.

وسط هذا الزحام نلاحظ في الضفة الأخرى أن أصواتا تتعالى هنا وهناك من مختلف الاتجاهات السياسية التي تحاول أن تضع لبنة في بناء وحدة أو جبهة لمقاومة هذا الفساد والاستبداد، نتمنى أن تجد هذه المبادرات طريقها، ونتمنى كذلك أن تلتف كل الكفاءات وكل الغيورين داخل هذا البلد للعمل على تجاوز هذا الوضع المتردي الذي يعيشه المغرب.

هل من تغير رصدتموه في سلوك الدولة اتجاه الجماعة منذ وفاة الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله إلى اليوم؟

إذا كان الإمام عبد السلام ياسين قد توفي رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فإن فكرته ومشروعه مازالا حيين، ومازال تلامذته يحملون مشعله بقوة وأمانة. كما أن النظام لم يطرأ عليه أي تغيير حيث ما تزال سياسة قمع الحريات والتضييق على المعارضين مستمرة، ولذلك لم نرصد أي تغيير في تعامله اتجاهنا بعد وفاة الأستاذ المرشد الله، ويكفي ما يتعرض له الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان من مضايقات وملاحقات في حله وترحاله ومن تشميع لبيته واستمرار متابعته بعدد من الملفات أمام المحاكم، واستمرار اعتقال عضو الجماعة الأخ عمر محب بعشر سنوات سجنا ومنع كل الجمعيات التي لها صلة ما بالجماعة أو ينشط فيها ولو عضو واحد من العدل واﻹحسان، إضافة إلى التضييق على تجمعاتنا وحرماننا من الفضاءات العمومية، هذا يكفي في معرفة ألا شيء تغير في سلوك السلطة اتجاهنا.

هل من تغير في موقف الجماعة اتجاه النظام بالمغرب؟

الجماعة تدعو إلى نظام عادل، يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية للمغاربة، وينبني على أسس التداول وفصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة وغيرها من أسس دولة الحق والقانون كما هي متعارف عليها. والنظام المغربي القائم لا تتوفر فيه أي من هذه الشروط حتى في مستوياتها الدنيا، فأن نغير موقفنا منه يعني أننا غيرنا موقفنا من هذه القيم ومن باقي المبادئ التي تؤطر مشروعنا التغييري بأبعاده السياسية والدعوية والتربوية والاجتماعية، وقبلنا بغيرها.

هل ترون أن رسالتي “إلى من يهمه الأمر” و”الإسلام أو الطوفان” اللتان بعث بهما مؤسس الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله على التوالي إلى الراحل الحسن الثاني رحمه الله وإلى وريث عرشه محمد السادس، هل لقيتا أي استجابة بأي شكل من الأشكال؟

للأسف الرسالتان لم تجدا إلا آذانا صماء، وتجاهلا كاملا. ومع ذلك فإنهما أقامتا الحجة على المعنيين، وأثبت الزمن مدى عمق النظرة الاستراتيجية لصاحبهما.

ما ردكم على من يتهمونكم باتخاذ موقع المتفرج على ما يعتمل ويقرر في الحياة السياسية بالمغرب بالنظر لعدم مشاركتكم المباشرة في الحياة السياسية ولا قيامكم بثورة تضع حدا لنظام تعتبرونه فاسدا؟

الانخراط في العمل السياسي من خلال المؤسسات القائمة ليس هو المعيار الوحيد للمشاركة السياسية أو لعدمها. المشاركة السياسية تقاس بمدى التأثير في المشهد السياسي وفي الفاعلين فيه، وإلا فهناك عدد ممن يشارك في اللعبة الرسمية ولا تأثير له فيها، كما أن البعض لا تزيد مشاركته في المشهد المتحكم فيه إلا إقرارا وتثبيتا وتزكية للاستبداد والفساد. ومن هذا المنطلق، نحن مشاركون حاضرون وفاعلون مؤثرون في المشهد السياسي بحكم وجودنا البارز في المجتمع وتأثيرنا الواضح في القرار السياسي. ولهذا السبب فنحن أبعد عن أن نكون متفرجين على ما يجري. ولو كنا متفرجين لما كنا عرضة، ومنذ أمد بعيد، للمحاكمات الظالمة ولتشميع بيوتنا ونسف أنشطتنا وإغلاق جمعياتنا وحصر حركتنا. ولو كنا مجرد متفرجين لما أسفر الحراك، الذي كنا طرفا أساسيا فيه، عن اضطرار النظام لتلك الانحناءة واﻹقدام على عدد من اﻹجراءات التي يعتبرها البعض هامة وإن كنا نحن نعتبرها غير كافية وغير جدية، وهذا ما أكدته الأيام التالية حيث عادت الأمور إلى سابق عهدها بل أكثر قوة لمظاهر الاستبداد والفساد. وكل هذا يؤكد على أن الرهان على الهوامش الضيقة التي يفتحها النظام من خلال مؤسسات متحكم فيها ومفصلة على المقاس وعلى الترقيع هو رهان خاسر وثبت عدم جدواه طيلة الستة عقود الماضية، وبالمقابل فإن شروط التغيير المجتمعي العميق تزداد نضجا وتفرض نفسها يوما بعد يوم.

على عكس بعض الصراعات المحتدمة بين مكونات من الحركة الإسلامية كالحالة الجزائرية والتركية مثلا، يلاحظ المتتبع خفوت هذا الصراع بالتجربة المغربية إلى درجة الصفر أحيانا، إلى ماذا يرجع هذا الواقع الذي عليه الحركة الإسلامية بالمغرب اليوم من وجهة نظركم؟

أجل الحركة الإسلامية في المغرب في الفترة الراهنة لا تعرف تلك الصراعات التي تعرفها الحركات الإسلامية في البلدان الأخرى، وهذا نحمد الله عليه ونتمنى أن يستمر وأن يدوم خصوصا وأن الحركة الإسلامية بالمغرب مرت كذلك قديما بهذا المرض -مرض الصراع- الآن أعتقد بأن هناك نضجا على مستوى هذه الحركة، الكل يعترف بأن هناك اختلافا في التصورات وفي المواقف وفي التعاطي مع الشأن السياسي بالخصوص، لكن هناك احترام الرأي الآخر وتقدير للرأي الآخر، بالطبع هناك انتقاد من هذا الطرف أو الطرف الآخر لكن يبقى الاحترام والتقدير المتبادل هو السائد. وهذا الأمر إيجابي وإيجابي جدا ونتمنى أن يستمر وأن يدوم لأنه لا خير في التصادم والصراع والتنابز بالألقاب، فهذا لن يكون لا في مصلحة الحركة الإسلامية ولا في مصلحة الشعب المغربي ولا في صالح الأمة بصفة عامة.

أمام فضاءات المعلومة المفتوحة بالمغرب وتعدد الوسائط والناقلين، ألا تتخوفون من الإشاعة والمعلومة المغلوطة وما يمكن أن تتسبب فيه من سوء فهم وتوتر، وهل الجسم الإسلامي في نظركم محصن من الوقوع في مثل هذه الفخاخ؟

وارد جدا أن يتم تناقل المعلومة الخاطئة عن قصد أو عن غير قصد، وإن كان من تدبير لتحصين الجسم الإسلامي من أي سوء فهم أو توتر فهو تعميق وترسيخ وتطوير آليات التواصل المستمر والمباشر، وهو الذي يمكن من تجاوز الوسائط ويساهم في تفادي المطبات التي قد يسببها هذا المنقول أو ذاك. وهذا طبعا لا يعفي المتلقي لما يروج عنا من مسؤولية وواجب التحري والتثبت ومعرفة الجماعة عن قرب ومباشرة من غير وسائط.

ما هي الأولويات أو التوجهات الأساسية التي ترى فيها الجماعة اليوم عناصر أساسية في برنامجها الدعوي والسياسي؟

برنامجنا الدعوي ماض في ترسيخ معاني التربية والتزكية والإقبال على الله تعالى، توبة وسلوكا إلى الله، ونشر ذلك بين الناس بإحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في النفوس والممارسات، كان برنامجنا وسيبقى دائما التربية أولا والتربية وسطا والتربية آخرا. أما على المستوى السياسي فأولويتنا دعم الحوار المجتمعي وتوفير شروط العمل المشترك وتجميع كلمة الغيورين على هذه البلاد من مختلف الأطياف، ثم نشر الوعي وتوجيه النقاش السياسي إلى مكمن الداء حتى نحسن التشخيص لأنه مدخل أساس لأي تغيير.