تقديم

كانت مؤسسة الدعوة المتمثلة في العلماء والخطباء والوعاظ والفقهاء في صدر الإسلام، تدير شؤون الدعوة في استقلالية عن الدولة، مؤتمنة عليها، حارسة لها من سطو الدجالين، وانتحال الأفاكين، وهي يومئذ تقف إلى جنبها، كلما اتخذت الحق سبيلا، والعدل دليلا، وتعيدها إلى رشدها ورشادها، حيثما تنكبت عن الصراط المستقيم.

ومن بين أركان مؤسسة الدعوة التي طالها العنت والظلم، وسيمت الخسف، المسجد، حيث أفرغ من روح رسالته، وجففت منابع تربيته، وسلب ظلما وعدوانا من حضن الدعوة، ليصبح تحت سلطة الدولة وسوطها، وأمرها ونهيها.

1- منبر المسجد ورقابة الدعوة

مؤسسة الدعوة هي المخول الشرعي في الإسلام لرقابة الدولة، عبر منبر المسجد أولا، ومنابرها الأخرى، مسترشدة بمحكم التنزيل، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحسن التأويل المجمع عليه من علماء الأمة، ورفق التنزيل من رجال الدعوة كافة، فسياسة دواليب الدولة بمتغيراتها ودواليبها وتعقيداتها يخضعانها إلى اجتهادات بشرية، قد تتنكب عن الحق في زحمة السياسة، وتفاصيل التدبير اليومي، فكلمة المنبر ورقابة رواد المسجد، كانتا صمام أمان زيغ الحكم ونشوة السلطة، فمن حدثته نفسه بتجاوز العدل والشطط في استغلال مركزه، تصدت له رقابة تربية المسجد، وصوت الدعوة الحر، حتى لو كان المخطئ عمر الفاروق رضي الله عنه، والناصحة امرأة مؤمنة من عامة الناس، فلا يجد الخليفة عمر غضاضة أن يعترف من على المنبر، وأمام الأمة معتذرا: أصابت امرأة وأخطأ عمر). فلله در السائل والمسؤول، في موقف مشرق للجيل الفريد، يسجله التاريخ بمداد من ذهب، تفخر به الأمة.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

فماذا بقي من رسالة مؤسسة المسجد في عهد غربة الإسلام؟ وماذا خسرت الأمة بتغييب هذه الرسالة العظيمة؟ وهل تقتصر رسالة المسجد على أداء الصلوات الخمس، في دقائق معدودة؟

2- المسجد في خدمة الأمة لا الدولة

تقوم الدولة الحديثة على التناوب على السلطة، والفئة الحاكمة مهما كانت برامجها، وسياستها، فهي قطعا لا تمثل كل الأمة، وانضواء المسجد تحت لسانها يهدد رسالته الجامعة لأمر الأمة، فيصبح العالم فيه والخطيب ناطقا باسم الفئة الحاكمة، يروج لآرائها وسياستها ومذاهبها، أو يسكت عن هفواتها وأخطائها، فتضيع روح الجماعة في الأمة، ويتكرس الرأي الفئوي الواحد، ويغدو المسجد في خدمة السلطة الحاكمة لا رسالة الدعوة الثابتة بمبادئها الكلية.

إننا إذا استقصينا أهمية ووظائف هذه المؤسسة المسجد، في بناء الشخصية المسلمة المتوازنة، بناء شاملا، ألفيناها أخذت قصب السبق في ذلك، روحيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، تحت رعاية وحضن الدعوة:

ففي بناء الشخصية الإيمانية – وهو أس بناء الفرد المسلم – أضحى المسجد في عهد النبوة والعصر الراشدي، محضن إيمان بحق، وروضة من رياض الجنة، ومنزلا من منازل رحمة الله، يجتمع فيه الموحدون خمس مرات في اليوم، تتلاقى الأرواح في ظله قبل الأجساد، يتزاورون ويتناصحون ويتفقد بعضهم البعض، وهم يفتلون في حبل أخوة الإسلام الخالدة، فارتباطهم الروحي بهذه المؤسسة لدرجة التعلق، جعلهم يترقبون نداء الصلاة، فيضربون الأرض مسافات، وقد حملت أجسادهم على أكف أرواحهم، فلا تثاقل ولا تباطؤ عن اللحاق بركب الجماعة، وإن حدث تخلف فاستثناء تتصدى له الجماعة المؤمنة، التي فقهت أمر دينها في أن ثغرة القلوب أشد الثغرات إيلاما وخطرا على المجتمع المسلم، ومن ثمت فأمر عمارة المسجد، أمر ذو بال في بناء الفرد المسلم، ولتحقيق هذه العمارة وهذا التعلق كان المسجد يشرع أبوابه، ويحتضن رواده في كل وقت وحين، ما دام في الوقت فسحة، فمنهم المرابط بين الصلاتين، ومنهم الملازم لحلقة وعظ أو علم، ومنهم الطارق لبابه في سكون الثلث الأخير من الليل، حيث يخلو كل حبيب بحبيبه، وبهذا زكت أرواحهم بين جنبات المسجد، فصدقت فيهم شهادة الحق فيه رجال يحبون أن يتطهروا 1 ، فكان المسجد بحق ملاذا روحيا تهفو إليه قلوب المؤمنين.

وأما البعد الاجتماعي والتواصلي، فقد كان لمؤسسة المسجد تأثيرها في مجاله، فلم تكن هذه المؤسسة الجليلة بمنأى عن هموم المجتمع، وصيانة لحمته من التفكك والإهمال، فتوجيهات المسجد، وحركته الجماعية الدائمة، تدفع الفرد المسلم أن ينصهر في بوتقة الجماعة المؤمنة، ويطرد أنانيته وعجرفته، فهو المثال الحي لانصهار كل أعضاء المجتمع المسلم، غنيهم وفقيرهم، أميهم وقارئهم، خاصتهم وعامتهم، حاكمهم ومحكومهم، في صف واحد، أمام إله واحد، ونحو قبلة واحدة، وشعائر موحدة، فلله ما أعظمه من موقف تتلاشى معه كل الفوارق الاجتماعية، تقشعر منه الأبدان وترتجف له القلوب، وقد فقهوا قول ربهم جل وعلا: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا 2 .

والمسجد منبر إعلامي يعكس أحوال الناس بأتراحهم وأفراحهم، شهودهم وغيابهم، يزرع في كيانهم صورة مجتمع فريد، مشكل من جسد واحد متماسك روحا ومادة “… إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” 3 ، فلا نامت عين فرد مسلم، وأخوه يشتكي نوائب الدهر، ولا سكن قلب امرئ مؤمن، وصنوه يبكي قواصم الظهر، هكذا لقنهم المسجد فقه أواصر المجتمع الأخوي دربة وارتقاء في واقعهم، لا مجرد ادعاء في خطاباتهم.

وأما استنارة العقل، بنور التنزيل، وحكمة التأويل، وفقه واقع النوازل، فتجد المسجد منارة المجتمع المسلم، يمنحه مفاتيح حركة الكون، من علاقته بربه وأخيه، وباقي مخلوقاته، في نسقية قل نظيرها في المجتمع البشري، تدعوه أن يتخذ من حياته ميزانا، يعمل فيه لدنياه كأنه يعيش أبدا، ولآخرته كأنه يموت غدا، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 4 .

وأما الجمعة فكانت، في عز الإسلام، عيدا وأي عيد، تترقبه الأمة بشوق ورجاء، وفرحة ووفاء، يطرقون فلقا لصبح بغسل أدران أجسامهم من كل ما علق بها ظاهرا من ضنك الحياة، وحتى وإن طهرت، فلتصب من سنة فطرة نبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أشرقت الأرض بنور ربها، أنارت قلوبهم بالصلاة عليه بكرة وأصيلا، يسعون إلى بيوت ربهم ضحى مبكرين، وقد التاعت قلوبهم بعضها لبعض، يترقبون مد صفحات أفئدتهم لإخوانهم المصلين محبة ورحمة، قبل أن يمدوا لهم صفحات أيديهم. يسعون في طلب رضا ربهم، في كامل قوتهم ونشاطهم وروحانيتهم، لأن شطر يومهم على الأقل “إجازة” لم يرهقهم العمل. ولم يضيق عليهم وسع صباحهم، وقد علم ولاة أمورهم ذلك، فاحترموا مشاعرهم وشعائرهم، وتيقنوا أن فسحة صباح الجمعة عوض – إجازة الأحد – يفتل في تماسك أواصر المجتمع، وتلاحم القلوب والعقول، وتراحم الفروع والأصول. فهل حز في نفوسكم، معشر حماة الدين وحماة العلمانية – وما أهجنه من زواج – لقاء الناس في سعة من وقتهم وراحة أبدانهم، ليتذوقوا حرارة اللقاء وينعموا بنعمة التواصل والتزاور، حتى إذا قضيت الصلاة انتشروا في الأرض ليبتغوا من فضل الله، بقية يومهم وأصيلهم؟ ألم يكفكم ما أقدمتم عليه من فعلتكم المقيتة عندما طردتم كل الخطباء الذين أخلصوا رسالتهم من فوق منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، لتكون صوتا للإسلام تربية، وحديثا عن هموم الناس وواقعهم، في شؤون الحياة كلها عبادة وسلوكا، دعوة ودولة، حاكما ومحكوما، سيرا مع غايات الرسالة الخالدة؟ ألم يكفكم أن يصبح المنبر، “لسانُ الأمة”، حكرا لبث خطاب “الإسلام الرسمي” ولسانَ تجزيء أحكام الإسلام على مقاسكم، والنأي عن هموم الناس وواقع حالهم؟ لقد كنتم أوفياء لنعيقكم القائـــل: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة)، لكن هذا فقط إذا كانت السياسة تخدم الأمة، أما إذا كانت السياسة من أجل توطيد ظلمكم وقبضتكم على الأمة فلا بأس.

3- عندما يصبح العالم والخطيب أجير الدولة

ضاعت رسالة الدعوة في المسجد عندما أصبح عالمها وخطيبها ومفتيها أجير الدولة، مكبلا بسوط قطع رزقه إن هو نطق بغير لسان الحاكم، فـليس من اللائق شرعا ولا من الجائز أن يكون العالم في المسجد أجيرا للدولة، إذ أن تلك الوظيفة أنبل وأشرف من أن يدخلها اعتبار العوض الدنيوي) 5 .

وبناء عليه فالمساجد محاصرة، لا تُفْتَحُ منابرُها إلا لِلْبُوم الكئيبِ، ينوحُ على خرابِ ذِمَمِ عُلَمَاءِ القصور، بمنثوراتِ خطَب الإطراء، وأسْجاع مديح الأمراء) 6 ، تفتح أبوابها وتغلق بتعاليم صارمة، ومعها أميتت كثير من سنن الهدى، ومنبر يتحدث بلسان الحاكم وسياسته، لا بلسان الشرع وحكمته، يختار خطباؤه حسب هوى الحاكم، ليسكتوا عن هناته وزلاته في أحسن الأحوال، لا حسب رضا الأمة وكفاءة الخطيب الواعظ. وأما دروس العلم ونفحات الوعظ فلا تكاد تجد لها أثرا، وكأن الأمة العظيمة عقمت أن تلد رجالا ومربين يعلمون الناس أصول دينهم وتربيتهم، إنها سياسة تجفيف منابع روح الإسلام، وإقامة أشكاله في صور يحسبها البسطاء بناء للشأن الديني وتطورا، ويراه الحكماء هدما لروح عرى الإسلام وتقهقرا.

ويبقى خزي الباري سبحانه يلاحق كل جبار ظالم امتدت عدوانيته إلى حرمات بيوت الله، في قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم 7 .

فواأسفاه على أمة كيف تنقض عراها عروة عروة، تبعا لانتقاض عروة الحكم؟!


[1] سورة التوبة 108.\
[2] سورة الحجرات 13.\
[3] جزء من حديث رواه الإمام مسلم.\
[4] سورة الجمعة 10.\
[5] إمامة الأمة للأستاذ عبد السلام ياسين.\
[6] نفسه، نفس الصفحة.\
[7] سورة البقرة 114.\