تغيّرت طنجة كثيرا، وتغيرت أحوالُ أهلها. من مدينة صغيرة هادئة على ساحل الاستجمام، يأتي إليها في الصيف أبناؤها المهاجرون في الخارج وبعض الميسورين في الداخل، إلى حاضرة ضخمة بمفاسد متفاقمة ومشاكل كُبرى.

بين أنياب “وحوش العقار”

الداخل إلى طنجة من أي بَرّ كان يصدمه ارتفاع المباني وانطلاقها في كل اتجاه؛ عمارات تتفاوت ارتفاعا وبشاعة، يبلغ فيها سِعر المتر المربع الواحد أثمنة خيالية، ضمن أحياء سكنية تفتقر لأبسط المرافق الضرورية للعيش الكريم، إذ المسافات الفاصلة بين العمارات المتقابلة صغيرة لا تسمح بوصول أشعة الشمس إلى الشقق، والسلالم ضيقة، والجدران تبلغ من الهشاشة أن يسمع الناس بعضهم بعضا، كما لا تقي من الحر والبرد، هذا إن سلمت من التصدع بسبب الغش. وفي غالب الأحيان يتسلم الناس مفاتيح بيوتهم وهي ما زالت حيطانا جرداء، غير مبلوطة، وبلا صباغة أو باقي الأشغال النهائية اللازمة؛ علما أن ثمن البيع المعلن لهذه الأقفاص الإسمنتية، الذي فيه نسبة ربح عالية جدا، يقل بملايين عن ثمن البيع الحقيقي. وفي أحيان كثيرة يشتري المواطن شقة بمساحة معينة، فإذا هي عند التسليم قد قُضِم منها، وصارت أقل مساحة مما اتُّفِق عليه. أما المرافق الضرورية لأي حي سكني، كالمسجد والمدرسة وموقف السيارات والمساحات الخضراء، التي التزم ببنائها صاحب المشروع في دفتر “التحامُلات”، فلا تُبْنى. هكذا بكل بساطة!

منكر آخر يزيد المدينة بؤسا وبشاعة: البناء العشوائي. في ندوة أقيمت بداية الشهر الجاري 1 ، قدم المفتش الجهوي لوزارة السكنى والتعمير بجهة طنجة-تطوان أرقاما ناطقة عن المعضلة التي تستفحل يوما بعد يوم. منها أن البناء العشوائي في المدينة أتى على 2500 هكتار في السنوات الأربع الأخيرة، بعد أن كانت المساحة لا تتجاوز 400 هكتار في 2009! هذه المساحة تمثل اليوم نسبة 60% حسب مهتمين بالشأن المحلي للمدينة، وهي أعلى نسبة في المغرب على الإطلاق؛ الأمر الذي ينذر بانفجار الأوضاع لدى ساكنة هذه الأحياء العشوائية في أي لحظة، لافتقارها في القرن الواحد والعشرين لكل شيء، حتى الماء الصالح للشرب، والكهرباء، وقنوات تصريف المياه.

الفساد العقاري في عروس الشمال لا يقف عند هذا الحد. هناك الاستيلاء على الأراضي باسم “القانون”، وهناك عدم احترام عدد الطوابق المسموح بها فوق البناية، وهناك سعار المضاربة والوساطة والسمسرة وجنون الارتشاء، وهناك المنازل الآيلة للسقوط، والأزقة المهدومة، والقنوات المطمومة، والشوارع المخرومة التي تفضح الأمطارُ حفرَها الكبرى.

وثمة بيئة يتم تدميرها وفقا للقانون أو خرقا له تدميرا كارثيا بقتل الغطاء الغابوي وتلويث أو تجفيف المياه، والأمثلة كثيرة أكتفي بآخر اثنين. فأما الأول، فهدم الهضبة الموجودة بمنطقة الحجريين، وإفراغ أطنان من التراب داخل وجانب بحيرة سيدي قاسم، لبناء أكبر مصنع في إفريقيا لإحدى شركات المشروبات الغازية الداعمة علنا للكيان الصهيوني فوق مساحة تبلغ 12 هكتارا، وهي منطقة رطبة تلجأ إليها أصناف من الطيور، وتعتبر محمية طبيعية، مع أن هذا المصنع باستهلاكه المنتظر لـ1600 مليون لتر من الماء سنويا يشكل خطرا كبيرا على الثروة المائية للمدينة المهددة أصلا بالجفاف. وأما الثاني، فالترخيص لشركة عقارية ببناء وحدات سكنية فوق منحدر صخري طبيعي فيه مجرى مائي، وسط غابة الرهراه رئة المدينة 2 . المنحدر يحتوي على صخور يبلغ عمرها ملايين السنين، ويعتبر محمية طبيعية نادرة في طنجة يحظر البناء فيها.

وهناك وهناك ما جعل المدينة غابة من الإسمنت والحديد والآجُر يختنق فيها السكان تحت وطأة “وحوش” العقار.

جحيم النقل

التنقل في طنجة عذاب يومي للمواطن والسائق. فأما المواطن فما عليه إلا أن يتصبّر حتى تأتي الحافلة أو سيارة الأجرة الكبيرة ليقفز إليها بين المزدحمين، لأن ركوب سيارة الأجرة الصغيرة باستمرار يفوق قدرته المادية. وأما السائق، فلا يستفيد من التغطية الصحية، ولا من السكن الاجتماعي، إنه يشتغل بدون عقد عمل تحت ضغط رهيب من المشغل وظروف الجَوَلان، باستثناء سائقي الحافلات وسيارات نقل العمال التابعة لبعض الشركات، لكنهم يعملون مقابل رواتب هزيلة جدا لا تتجاوز الحد الأدنى للأجور إلا بقليل. ويعمل سائقو سيارات نقل العمال من الرابعة صباحا حتى العاشرة ليلا لا يتوقفون سوى بضع سويعات. وإن من السائقين من أضحى اليوم يتسول لقمة العيش مشلولا، أو مصابا بمرض مُزمن مُقعِد، بعد أن قضى زهاء ثلاثين سنة في الخدمة تحت سلطة صاحب الرخصة.

كلمة عن الصحة والتعليم

الصحة والتعليم مصائبهما معروفة، إذ لا تختلف عن تلك التي يكابدها المواطنون في كل أرجاء الوطن. لكن طنجة تنفرد بأشياء قد لا تكون في باقي المناطق، وقد تكون بشكل أقل. أما الصحة، فغلاء الخدمات في القطاع الخاص غلاء فاحشا بالمقارنة مع باقي المدن، وتدهورها في القطاع العام مقارنة بالعاصمتين الاقتصادية والإدارية، بحيث يمكن القول إن أكبر مستشفى في المدينة لا يصلح لتطبيب الدواب. وأما التعليم، فرغم انتشار المدارس الخاصة في كل حيّ، تفتح مدارس جديدة أبوابها كل سنة معظمها لا يحمل من صفة المدرسة إلاّ الاسم. إذ بالإضافة إلى ما هو معروف في هذا الباب سيما غياب التدريب العالي للمدرسين والإداريين وبؤس الأجور وغياب الضمانات ضد اعتساف المشغِّل، هناك عيب كبير بل جُرْم خطيرٌ أثرُه على الناشئة يتمثل في البناية الحاضنة للمدرسة ذاتها، حيث إن نسبة كبيرة من هذه البنايات هي عبارة عن عمارات صغيرة بحجرات كالأقفاص، وبلا ساحة للاستراحة واللعب مجاورة. أضف إلى هذا مشكل الإقبال الكثيف على المدارس العمومية الإعدادية والثانوية مطلع كل سنة دراسية للتسجيل ومتابعة الدراسة بشكل يفوق قدرتها الاستيعابية، ومرد ذلك إلى الهجرة المتزايدة إلى طنجة قصد العمل والاستقرار لمئات الأسر من شتى المناطق خاصة من الحواضر والبوادي القريبة.

مأساة كبرى

تضخم المدينة، وقلة محاضن التربية والتوعية ومباءات الرياضة والترفيه، وشيوع الفقر لضعف التشغيل وهزالة الأجور، والتغاضي عن بيع واستهلاك المخدرات بكل أصنافها جعل من “جوهرة الشمال” بؤرة للجريمة وعاصمة للدعارة. وأكتفي بمثالين، فحسب إحصائيات وزارة الداخلية، قُتِل عَمْداً في المدينة سنة 2013 فقط 22 شخصا، وهي ثالث أكبر نسبة على الصعيد الوطني بعد الدار البيضاء وفاس. وأما عن الدعارة، فمن الصعب إعطاء أرقام دقيقة لتكتم المسؤولين الأمنيين عن ذلك، لكن نشير إلى أن طنجة قد صنفت عاشرة على مستوى العالم، حسب ما ذكرته تقارير إعلامية دُوَلية صدرت منذ أشهر.


[1] نظّمَ الندوة بنادي ابن بطوطة بطنجة فرعُ حزب الاستقلال بالمدينة، يوم الجمعة 4 أبريل 2014، تحت عنوان “وقع مشروع طنجة الكبرى على الساكنة”.\
[2] انظرْ لمزيد من التفاصيل المقال المعنون ب”فضيحة جديدة …” في صحيفة “المساء” المغربية عدد: 2345 بتاريخ 10 أبريل 2014.\