1- مدخل: الدولة كيان غامض

في الفكر السياسي المعاصر، هناك فكرة قائمة على أساس متين، ترى بأن الدولة كيان غامض. وتعتبر الأدلة والشواهد التي تدعم هذه الفكرة معتبرة في ميزان التحليل السياسي. ونجد عددا من المفكرين السياسيين يدعمون هذه الفكرة، خصوصا المنتمين منهم إلى الأدبيات الفرنسية. في كتابه “الدولة” عبر جورج بوردو عن ذات الفكرة في عنوان أسماه “غموض الدولة”، وتحدث فيه عن كون الدولة شيئا مصطنعا. أما جاك باغنار، فقد وضع في كتابه “الدولة مغامرة غير أكيدة” عنوانا مثيرا للانتباه، أسماه “الدولة حقيقة غامضة”، وتحدث فيه عن كون الدولة حاملا فطريا للغموض. وبدوره أكد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله هذا التوصيف حين قال: مناط العمل السياسي، أي موطن الإرادة المجتمعية، هي هذا الكيان القليل الوضوح الذي يسمى “الدولة”) 1 .

يندرج مفهوم الدولة ضمن قائمة المفاهيم التي تتمتع بحمولة رمزية، أي أنه بمعنى آخر، مفهوم ينتمي إلى عائلة المفاهيم التجريدية التي يمكن إدراكها بواسطة الفكر والنظر، ولا يتم تلمسها في الواقع إلا من خلال تمثلاتها المختلفة عبر الأشياء والكائنات الاجتماعية. يقول جورج بوردو: الدولة، بالمعنى الكامل للكلمة هي فكرة. وبما أنها ليس لها غير حقيقة إدراكية فهي ليست موجودة إلا لأنها تدرك بالفكر) 2 .

والدولة كيان وإن تم تعريفه التعريف الكلاسيكي المادي على أنه شعب وأرض وسيادة، إلا أنه يبقى خاضعا لكثافة تجريدية تملأ الجزء الأكبر من المفهوم، على اعتبار أنها تشكل ركن السلطة السياسية. يقول جورج بوردو: إن ظاهرة السلطة التي تعبر عن الدولة تعبيرا خارجيا، تلتقي مع فكرة النظام الذي يخضع له تصور الدولة في وعي الأفراد. وهذا يعني أن وجود الدولة متعلق بموقف فكري لدى كل واحد منا حول الظاهرة الملموسة التي تشكلها السلطة) 3 .

وبالنسبة للغموض الذي يلف كيان الدولة فإنه ينحدر من جهتين اثنتين. أولا من جهة التجريدية التي تتحكم في تحديدها. يقول هنري لوفيفر: إن الدولة كائن مجرد، لكنه ملموس وموجود اجتماعيا… وهذا هو ما يشكل السر واللغز شبه اللاهوتي… إنها بمثابة روابـط، وليست جواهر أو أشكال خالصة. ولكي توجد بالفعل، يجب أن يكون لها محتوى من الأشياء والكائنات الاجتماعية “البشرية”) 4 . وثانيا من جهة التناقض الذي تتركب منه بنيتها. فهي تمزج بين أمرين متضادين، حين تدافع عن فكرة الحق، أي الفضائل، باستعمال وسائل الصراع الممزوجة بالأهواء والنوازع. يقول جاك باغنار: يقتات غموض الدولة من التطابق الصوري والشكلي لعالمين: عالم الحق الذي يعطي صورة إعادة السلام والمسالمة، والعالم السياسي عالم الانفعال والأهواء، حيث يلون اللامعقول الصراعات المريبة بشكل مذل ومهين) 5 .

2- سلطة الدولة المطلقة

بعض الأسئلة البديهية تستحق أن تكون مدخلا مهما للنظر في سلطة الدولة الحديثة. لماذا نشأت في التجربة الغربية مركزة للسلطة بهذا الشكل في يد الدولة وحدها؟ هل كان الأمر على هذا النحو منذ البداية؟ أم أن هناك منعطفا تاريخيا حاسما هو الذي أسهم في بلورة هذا التصور الذي اعتبر الدولة ركن السلطة السياسية؟

في البداية لا بد من إثبات معطى أساسي، وهو أن التصور الفكري للدولة محكوم ابتداء بتصور قبلي للإنسان. لذلك نجد مثلا الفيلسوف والمفكر السياسي الكبير توماس هوبز يتحدث في القسم الأول من كتابه “اللفياتان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة” عن تصوره للإنسان، عن أفكاره وأهوائه وفضائله وعيوبه وإرادته وسلوكه، ثم يتبعه في باقي الأقسام بحديث عن الحكومة والدولة، عن نشأتها وسلطتها وأنواعها. فهذه الأخيرة محكومة بالأولى حكم التبعية.

ويجد هذا النظر مصداقية في التعريفات التي تحدد كيفية تكون الدولة وسبب تشكلها الرئيس. فالدولة في مجملها هي عبارة عن تعبير إنساني في أبعاد ثلاثة:

أولا- تعبير فكري عن مؤسسة ضامنة للانتظام والتعايش. يؤكد جورج بوردو على أن الدولة في الحقيقة تأتي، منذ اللحظة التي يخلقها فيها الفكر مثل كل شيء خلقته القريحة الإنسانية، متفقة مع مثال ما. عندما يفكر الأفراد في الدولة، فإنهم يرون فيها مؤسسة مهيأة للعمل تبعا لبعض القواعد من أجل غاية يرتضونها. فالدولة تعكس فكرهم) 6 .

ثانيا- تعبير إرادي عن المصلحة الجماعية. يقول عبد الله العروي: يبدأ التفكير في الدولة عندما نفكر في مقتضيات الإرادة الجماعية) 7 . ظهرت هذه المصلحة الجماعية لما اختار المجتمع التخلي عن سلطة أفراده، والتنازل عنها لصالح كيان جماعي، يمثلهم ويسوسهم بالسلطة الممنوحة له تجنبا للفوضى والاصطدام. يقول توماس هوبز: إن الوسيلة الوحيدة القادرة على الدفاع عن الناس هو تجميع قدراتهم وقوتهم في شخص واحد أو في جمعية تستطيع أن تجعل من جميع الإرادات الفردية إرادة واحدة… كما لو أن كل فرد سيقول أخول لهذا الشخص أو لهذه الجمعية وأتنازل له عن حقي في حكم نفسي بنفسي شريطة أن تتنازل له أنت أيضا عن حقك وتأذن له بالقيام بجميع الأفعال. عند القيام بذلك يصبح الجمهور موحدا في شخص واحد نسميه الدولة) 8 .

ثالثا- تعبير سلوكي عن الحاجة الاجتماعية إلى التعاون. وقد تجلت مظاهره الأولى في وحدة العائلة ثم في القبيلة ثم في المدينة وتطور آخر الأمر إلى الدولة. يقول برتراند رسل: لقد كانت العائلة النواة الأولى للحياة الاجتماعية… ثم كان الانتقال من العائلة إلى القبيلة انتقالا بيولوجيا… ثم نشأت أنواع أخرى من الولاء عندما أخذت المدينة تتطور) 9 .

إذن شكل التصور الغربي للإنسان الأصل الأصيل الذي حكم نشأة الدولة الحديثة، والركن الشديد الذي فصل هذه الآلة على مقاس محدد تخدم أهدافه ومقاصده وغاياته. والتجربة الغربية في هذا الشأن كان لها مساق معروف، ابتدأ بالغلو المفرط في التسلط والقهر الذي ساس به رجال الدين شعوبهم طيلة العصور الوسطى، وانتهى بفصام نكد بين الكنيسة والدولة، وبطلاق لا رجعة فيه بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية.

لذلك وبعد أن كان الإنسان الغربي يفوض للدولة سلطة رعاية معاشه، بالقدر الذي يفوض فيه للكنيسة سلطة رعاية معاده، تقوضت سلطة الكنيسة في مرحلة تاريخية من حياة المجتمع الغربي، وأفرزت التجربة في نهاية المطاف نظاما سياسيا ركز السلطة كلها في يد الدولة.

هذا التصور الغربي الذي حسم معركته مع الإنسان، هو الذي سيسهم في نشأة الفكر السياسي الغربي على قيم مادية جافة، من قبيل المصلحة والمنفعة والربحية، دون أدنى مراعاة للقيم الخلقية والفضائل الإنسانية. يقول نيقولا مكيافيللي رافع لواء السلطة المطلقة والمتوحشة: يجب أن نفهم أنه من المستحيل على الأمير أن يحترم القيم الأخلاقية وأنه مجبر في أغلب الأحيان على التصرف ضد الإنسانية وضد الإحسان بل وضد الدين من أجل المحافظة على الدولة) 10 .

3- مراقبة سلطة الدولة

عندما تكون الدولة كيانا غامضا، وتتمتع في الوقت ذاته بسلطة مطلقة، فإن النتيجة الطبيعية هي أن تكون وبالا على المجتمع وكارثة على أفراده. لذلك اجتهد الفكر السياسي الغربي في تقييد سلطة الدولة الحديثة حتى يكون الفرد والمجتمع في مأمن من غائلة التسلط والطغيان. وفي ظل هذا الوعي قال اللورد أكتون قولته المشهورة: السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا).

غير أن مستويات المراقبة التي يبسطها الفكر الغربي تبقى غير كافية، لأنها لا تعدو مراقبة من داخل الدولة نفسها، وهي كما قلنا مركز هذه السلطة، عبر تقابل السلط الثلاث، أو من داخل المجتمع عبر مراقبة موسمية تعبر عنها الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.

في الفكر السياسي الإسلامي نجد لدى الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله اجتهادا معتبرا، أسس له انطلاقا من جناية الدولة طيلة تاريخ المسلمين. إذ باستثناء مرحلة النبوة ومرحلة الخلافة الراشدة، وبعض الفترات التاريخية المحدودة، ظل ثقل الدولة جاثما على أنفاس الأمة بتسلطه ودورانه جنبا إلى جنب مع رحى القهر والعسف. وبسبب الفساد الكبير والجروح الغائرة التي تسببت فيها سلطة الدولة، نحى الفكر السياسي المنهاجي منحى متشددا في ضبطها، فلم يقتصر على دائرتين اثنتين كما هو الأمر في النسق الديمقراطي بل تعداها إلى دوائر ثلاث هي كالآتي:

أولا- دائرة الدولة

ثمن الفكر السياسي المنهاجي آليات المراقبة التي أبدعتها التجربة الغربية في هذا الشأن، وأثبت فضلها واعتبرها حكمة بشرية صالحة. غير أنها لا تعدو أن تكون آليات للمراقبة الإنجازية لأنها تركز على الشكل دون أن تسأل عن المضمون. وهي، بشكل مجمل، آليتان كبيرتان: آلية المعارضة السياسية، وآلية فصل السلط الثلاثة وتقابلها. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: وأخرى نحسبها للديمقراطية، ونعدها من فضائلها وذكائها، ونحصل زبدتها باليدين. هي أن السلط تتقابل في حوار ثلاثي، وتتوازن ويراقب بعضها بعضا… هذا لا نقاش في أنه حكمة وذكاء وحصيلة إنسانية مهمة) 11 .

ثانيا- دائرة الحكم

فصل التصور الغربي الإنسان على مقاس لائيكي، كل همه هو حفظ مصالحه الحياتية، لذلك شكلت الدولة الأداة الوحيدة للحكم. يقول جاك باغنار: إن المصلحة العامة هي المعطف الإيديولوجي الذي ترتديه الدولة لإثبات سيادتها، وكي تحتج عند اللزوم، بداعي المصلحة العليا المتأصلة، بدون جدوى لتبرير أفعالها) 12 . أما الإنسان في التصور الإسلامي فهو مفصل على مقاس آخر يعتبر فيه جسما وروحا. جسمه في حاجة لمن يضمن مصالحه المادية ومنافعه الحياتية، وروحه في حاجة لمن يحفظ لها الفضائل والقيم السامية والأخلاق الرفيعة والمثل العليا، لذلك تضم دائرة الحكم الدعوة والدولة معا.

إن كان كل هم دائرة الدولة هو الدفاع عن المصالح المادية للفرد والمجتمع، فإنها تبقى في حاجة دائمة إلى كيان بنفس قوتها أو أكبر منها، يشكل وعاء للقيم الأخلاقية، ويملك من السلطة ما يمكنه من صناعة التوازن. هذا الكيان هو الحارس لفكرة الحق في كل من التصورين الغربي والإسلامي. يقول جورج بوردو: إن السيادة تتعلق بمحتوى فكرة الحق. بينما تعنى قدرة الدولة بتصرفات المجموعة بغية دفعها للخضوع إلى متطلبات فكرة الحق) 13 .

وإذا كانت دائرة الدولة في النسق الديمقراطي لا تضمن إلا المراقبة الشكلية لسلطة الدولة، فإن دائرة الحكم تضمن لها المراقبة الجوهرية التي هي من أهم وظائف الدعوة، وهي بذلك لها وضع السيادة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن وضعية الدعوة بالنسبة للدولة في الحكم الإسلامي المستقيم هو وضع السيادة غير منازعة فيها) 14 .

ثالثا- دائرة الأمة

إن كان للدعوة سيادة على الدولة، فهل معنى هذا أن التصور الإسلامي للسلطة تصور ديكتاتوري، على اعتبار أنه يرهن السلطة المطلقة في يد نخبة من رجال الدعوة ومؤسساتها؟ دائرة الأمة تدحض هذه المزاعم والشبهات، لأن هذه الأخيرة تمارس سيادتها الكاملة على مستويين. هي من جهة تشارك في تدبير الشؤون العامة، وتراقب الدعوة والدولة معا. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: لا تستطيع الدعوة ولا الدولة أن تحضرا في كل مكان، وتراقبا كل حركة، وتفرضا السلوك المرغوب في كل المجالات، وإنما تستقيم أمور الأمة على ما يراد لها إذا شاركت الأمة في تحريك حياتها ومراقبة شؤونها) 15 . وهي من جهة أخرى تختار رجال الدعوة ورجال الدولة معا اختيارا يوميا، وليس في المناسبات الانتخابية فقط. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: على كل رجل أن يعطي برهان الصدق والكفاية والبلاء والغناء كل صباح ومساء. وهكذا نعرف الرجال بانتخاب مستمر يومي يشمل كل الوقت، ولا ينحصر في مواسم التهييج والتهريج. إنه انتخاب دائم وامتحان عسير) 16 .


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” ص 111.\
[2] جورج بوردو، كتاب: “الدولة”، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص 10.\
[3] نفسه، ص 55.\
[4] هنري لوفيفر، مقال: “الدولة والسلطة”.\
[5] جاك باغنار، كتاب: “الدولة مغامرة غير أكيدة”، عربية للطباعة والنشر، ص 75.\
[6] جورج بوردو، كتاب: “الدولة”، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص 53.\
[7] عبد الله العروي، كتاب: “مفهوم الدولة”، المركز الثقافي العربي، ص26.\
[8] توماس هوبز، كتاب: “اللفياتان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة”، ص 287.\
[9] برتراند رسل، كتاب: “السلطة والفرد”، منشورات الجمل، ص 24.\
[10] نيكولاي ميكيافلي، كتاب: “الأمير”، مكتبة ابن سينا.\
[11] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب: “الشورى والديمقراطية”، ص 57.\
[12] جاك باغنار، كتاب: “الدولة مغامرة غير أكيدة”، ص 80.\
[13] جورج بوردو، كتاب: “الدولة”، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص 69.\
[14] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب: “الإحسان ج 2 “، ص 156.\
[15] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب: “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا”، ص 253.\
[16] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب: “الإسلام غدا”، ص 906.\