بين حين وآخر، أقف مع الشعر، أتأمل وأسأل: لمن أكتب؟ ما أثر الشعر؟ وما الغاية منه؟ وقد يصل الأمر إلى التوقف طويلا، بقصد التخلي بشكل كلي عن الشعر وهمومه، لكن سرعان ما أعود من جديد: لماذا أحمل الشعر ما لا يحتمل، إنه إشراق لحظات وأشواق ومعاناة… تحاكي مشاعر الإنسان، الكادح إلى ربه على الدوام. فهاهو الحبيب المرشد رحمه الله، في ثباته ورسوخه، يقول في تواضع الأولياء، ولا قياس مع الفارق طبعا:

تضاعفَ غمي يا إلهي فمن به***ألوذُ سوى بابِ الكريم وأطلُبُ

إلى أن يقول رحمه الله، عارفا قاصدا:

وما مطلَبي إلا لقاؤُك سيدي***فها أنا ذا في الباب أطفُو وأَرْسُب

يطفو ويرسب: طَفَا السَّمَكُ فَوْقَ الْمَاءِ: عَلاَ عَلَى سَطْحه. ورسَب الجسمُ في الماء: سقَط فيه وغاص إلى أسفل. في تعبير عجيب عن معاناة الشوق، الذي يغمره كالبحر، فتارة يهتز إلى أعلى بقوة، وأخرى يعود ليعاود الكرة.

أما معاناتي في الحياة، ومع الشعر بالذات، فليست سوى تساؤلات:

قالوا كتبت فقلت هذا للقلم***قالوا وصفت فقلت شكرا للألم
هو من سقى قلمي ومن أوحى له***ماذا يقول من الكلام إذا اضطرم
قالوا وأنت فقلت في نفسي أنا؟***ماذا أقول وقد أتيت من العدم
حتى أنا ما زلت أجهل من أنا***ما زلت أخفق في المسير على قدم
دوما أحاول أن أكون موفقا***حسنا كإسمي شاكرا رب النعم
* * *
يا أيها القلب العليل الشاعر***ما زلت تهذي في الخيال تسافر
وتظن أنك قد أتيت بلاغة***تجلو بها حجب الظلام وتسطر
لو كنت تدري ما كتبت قصيدة***فجميع شعرك غفلة وتظاهر
لا روح فيه لا سناء يقوده***والقلب أعمى لا يعي أو ينظر
غيبت روحك واكتفيت بزائف***يوحي إليك بسحره لو تشعر
ما هكذا أبدا تعالج علة***بالشعر نفسك قد كتبت تعير
* * *
ما لي سوى قلب يذوب ويعرب***عن لوعتي مما أذوق وأشرب
وإذا تعاظمت الهموم بساحتي***أوحى اللهيب لأضلعي ما تكتب
حلقات ذكر أستضيء بنورها***حينا وأخرى كم أضيع وأتعب
الشعر عندي في الحياة وسيلة***حتى أغالب شدتي أو أغلب
وكأنني أهوى عذابي أجتني***مر القصيد من الجراح وأسكب
واليوم إني قد يئست توتري***لما رأيت الشعر بي يتقلب
* * *
الحزن أطبق فكه وطواني***في بطن حوت مظلم الأركان
يا ليتني سبحت للرحمن***فهو الغفور لعثرة الإنسان
إني كتبت قصائدا وحسبتها***عقدا فريدا ليس في الإمكان
أو هكذا قد ظن شعري أنني***بالشعر أبلغ قمة الإحسان
فإذا أتى يوم الحساب تكلمت***لم تخف ما وقعته ببناني
وأتت إلي بما مضى متتاليا***مثل الشريط بكامل الإتقان
هاتوا له بالشعر نعرف صدقه***والشعر يرفع رأسه ليراني
رباه هذا من غوى ودعاني***حتى أتيه به مع العميان
إني شربت من الهوى وضللت في***بيدائه أشقى مع الأوزان
وطفقت أخصف نادما في حسرة***ورقا على شعري من الأحزان
مهلا فما للشعر قد حملته***ما لا يطيق وما له أشجاني
إني أحاول أن أعبر عبره***رغم العمى والجهل والنقصان