تبرز بين الفينة والأخرى دعوات للاحتجاج النقابي على الصعيد الوطني تحت عناوين معبرة عن واقع المعاناة والتذمر من سياسات حكومية تكتوي بنارها فئات واسعة من الشغيلة المغربية.

من هذه العناوين: يوم الغضب، الكرامة أولا… بل حتى سنة الغضب.

ترى ما هي منطلقات هذه الدعوات؟ وهل تنتظم في إطار رؤية استراتيجية للنهوض بأوضاع الشغيلة المغربية؟ أم تبقى تكتيكا لاستجداء مصالح ومنافع شخصية؟

الاحتجاج النقابي… منطلقات

لا يختلف اثنان أن الاحتجاج يعتبر أداة قوية وفعالة من أدوات النضال النقابي في وجه السياسات التصفوية لمصالح الشغيلة، وهو يتنوّع بين الإضراب الجزئي والعام والاعتصام وتعطيل العمل وحمل الشارة… إلخ.

ولئن كان الاحتجاج يمثل حلقة متقدمة من حلقات النضال العمالي العالمي، فإنه أضحى بعد بداية تراجع العمل النقابي وانحساره، أواسط سبعينيات القرن الماضي، لا يتعدى في أهدافه الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للشغيلة عكس ما كان عليه الأمر قبل ذلك من هجوم على خصومه: الباطرونا والأنظمة المتحالفة معها.

ونظرة سريعة على الفعل الاحتجاجي النقابي تاريخيا تحيل على ركام هائل من الضحايا والخسائر وصفحات من البطولات والانتصارات، كما أن تعامل الأنظمة تطور مع الاحتجاج من المنع والمحاربة إلى محاولة تفهم منطلقاته وبواعثه والسعي لتقنينه وشرعنته.

الاحتجاج بين التكتيك والاستراتيجية

إذا اتفقنا على نبل الفعل الاحتجاجي بما هو أداة لتحقيق مطالب مشروعة لفئة لا يمكن تطور الشعوب والأمم بدون حفظ كرامتها وتحصين مكاسبها وهي الفئة النشيطة في كل المجتمعات، يبقى السؤال قائما حول توظيف الفعل الاحتجاجي من طرف النقابات والسياسيين بين التكتيك والاستراتيجية.

دوافع هذا السؤال كثيرة وأهمها:

– ما موقع الاحتجاج النقابي من مجمل أدوات الفعل النقابي؟

– كيف يتلوّن الموقف السياسي من الفعل الاحتجاجي النقابي بحسب تبدّل المواقع بين الموالاة والمعارضة؟

– تقلبات الموقف النقابي من الحراك السياسي والاجتماعي.

– الانفراد باتخاذ قرارات التهدئة والسّلم الاجتماعي المجاني في أغلبه إلا من الفتات الذي تسوّقه بعض القيادات النقابية على أنه انتصارات عظيمة للكادحين.

ليس من دوافع هذه المقالة تبخيس دور النقابات في التعاطي مع الفعل الاحتجاجي بقدر تسليطها الضوء على الحصيلة العجفاء الهزيلة لكل سنة نقابية، وغياب الرؤية الاستراتيجية، والنقد الموجه لهذه النقابات ليس حديث صالونات مغلقة بل نقاش قواعد نقابية قبل وبعد كل فعل احتجاجي.

تمر الاحتجاجات بسلام أو بتدخلات أمنية متفاوتة العنف والقمع وتليها مسيرات فاتح ماي ويأتي بعد ذلك فصل الصيف فينفضّ الجميع بلا حصاد، عدا وعود فارغة وأماني معسولة، ليأتي بعد ذلك دخول اجتماعي في شتنبر ومعاناة الشغيلة تتفاقم مع تكاليف الحياة المجنونة بفعل لهيب الأسعار والزيادات المتكررة في المواد الأساسية والتهديد برفع الدعم عنها والزيادة في اقتطاعات التقاعد وتمديد سنوات العمل لما بعد الستين مع تقليص المعاشات إلخ…

إذا كان التكتيك في العمل النقابي يعني اتخاذ إجراءات محدّدة لتحقيق أهداف آنية معينة واستراتيجية الفعل النقابي تعني مجمل الخطط المحدّدة سلفا لتحقيق هدف استراتيجي معين على المدى البعيد في ضوء الإمكانيات المتاحة والمخاطر المحتملة، فإن النقابية المغربية عجزت بالمطلق عن تسطير برامج نضالية ووضع خطط استراتيجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وما ضعف قواعد المركزيات النقابية ونسبة التبطيق المتدنية وتأسيس عشرات النقابات المستقلة إلاّ مِؤشرات على تراجع دور النقابات في التخطيط والتأطير والتعبئة.

أخطّ هذا وأستحضر تجربة تونس المجاورة التي عجزت الديكتاتورية عن النيل من اتحاد الشغل فيها طيلة 30 سنة، بل بوأتها مصداقيتها لدى الشعب وشراستها في الدفاع عن مطالبه مكانة الراعي للحوار المجتمعي للتوافق على قواعد ديمقراطية للعبور نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

الاحتجاج النقابي… التطور أو الانقراض

لا تخطئ العين أبدا مقدار التردّي والنكوص عن الفعل الاحتجاجي النقابي من طرف شرائح عديدة، إيثارا للسلامة أو سخطا على واقع مرير، خصوصا بعد التلويح بمشروع القانون التنظيمي للإضراب، والذي يمثّل في حالة اعتماده رصاصة رحمة في قلب العمل النقابي.

ولعلّ أبرز مظاهر تردّي الفعل النقابي نحيب وولولة النقابات على عدم تنفيذ بنود اتفاق تمّ توقيعه مع الحكومة قبل أكثر من ثلاث سنوات (اتفاق 26 أبريل 2011)، بما يؤكّد بالملموس التعاطي الحكومي مع المطالب النقابية بسرعة السلحفاة في حين أن الزيادات في الأسعار والإجهاز على المكاسب تتم بسرعة البرق من جهة، وعدم جدّية النقابات في الدفاع عمّا تمّ توقيعه من جهة أخرى.

ومع تطوّر وسائط الاتصال وتنوّعها وظهور فئات جديدة من العاملين خصوصا الشباب، وجيل من الخدمات المستحدثة، يبقى العمل النقابي المغربي، برموزه الحالية وأدواته العتيقة وبرامجه الكسيحة وغياب الديمقراطية الداخلية إلخ… قاصرا عن مواكبة هموم الشغيلة وتأطيرها وتحقيق طموحاتها.

وما لم يبادر الغيورون على العمل النقابي للتوحّد في وجه تحالف السلطة والباطرونا وتجديد آليات الاحتجاج النقابي وتطوير الممارسة النقابية بالإفادة من وسائل العصر في التواصل والتعبئة والتأطير، فإن الانقراض سيكون لا محالة مصيرا حتميا.