أجرى موقع “الجماعة نت” حوارا مع الدكتور في علم النفس الاجتماعي الأستاذ بكلية الآداب بالقنيطرة خلاف أوجدار، الباحث في الشأن الاجتماعي في المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، حوارا حول ما بات يعرف بظاهرة “التشرميل”، أسبابها وتداعياتها الاجتماعية وخلفياتها السياسية، نورده فيما يلي:

طغى في الآونة الأخيرة على وسائل الإعلام وحديث المجتمع ما عرف بظاهرة “التشرميل”، هل يمكن أن نصنفها بأنها مجرد ظاهرة عابرة؟ أم إنها تحول مخيف في طبيعة اتجاهات الشباب المغربي؟

“التشرمييل” هي دلالة اصطلاحية لظاهرة بدأت تتسرب إلى المجتمع المغربي وتنتشر في المدن المغربية مدينة تلو الأخرى، بعدما كانت مثل هذه الظواهر مقتصرة على بعض الدول الغربية وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. محور هذه الظاهرة هم شباب يقومون بسرقة الأشياء الثمينة مثل الحلي والذهب، ويستعملون في ذلك السيوف والسكاكين الكبيرة والكلاب الشرسة المدربة؛ ثم يعرضون مسروقاتهم ويتباهون بإشهارها على صفحاتهم في الفايسبوك.

ولأن الظاهرة بدأت ترتبط بظاهرة المخدرات، التي لا تقل عنها خطورة، وأصبحت تشكل تهديدا أمنيا للمواطن المغربي، كان لزاما علينا الوقوف على أسبابها وأبعادها النفسية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل وحتى امتداداتها السياسية؛ خاصة وأن الأمر انتقل من حالات معزولة هنا وهناك، إلى ظاهرة موجودة في العديد من المدن المغربية.

يمكن وصف ظاهرة “التشرميل” وتشخيصها باعتبارها تعبيرا عن حالة التذمر والتعاسة والإحباط الذي يعيشه الشباب المغربي لأسباب متعددة لعبت دورا أساسيا في تحوير اتجاهاتهم. وإذا تغيرت الاتجاهات ترهلت المكونات السيكولوجية للشخصية وتبدلت وظائفها؛ لأن الشخصية في نهاية الأمر، من خلال أبعادها ومكوناتها الأساسية، ليست سوى مجموعة من الاتجاهات النفسية التي تتشكل لدى الفرد؛ فتؤثر في أسلوب حياته، وتصوغ عاداته وميوله وعواطفه وأنماط سلوكاته المختلفة. وبقدر ما يحصل توافق في الاتجاهات النفسية وتنسجم وتتسق، بقدر ما تكون الشخصية قوية وصلبة ومتوازنة. وبقدر فهمنا وتحديدنا لاتجاهات الفرد، يتم فهمنا لحقيقة شخصيته.

فمعظم خبراء التحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي وعلم النفس السلوكي يرون أن الاتجاهات هي المحددات الأساسية الضابطة والموجهة والمنظمة لسلوك الفرد اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا. والتغير الاجتماعي ما هو إلا ذلك الأثر المباشر وغير المباشر للاتجاهات السائدة في المجتمع. وكلما ارتفع منسوب قابليات المجتمع في قبول تعديل وتحوير وتغيير الاتجاهات السائدة والمتأصلة والراسخة في النسيج الاجتماعي باتجاهات جديدة تتعارض مع سابقاتها من الاتجاهات المنغرسة في النفوس، كلما أصبحت مناعة المجتمع أضعف وأقل مقاومة للظواهر الغريبة والدخيلة والمدمرة للحمة المجتمع أحيانا. هذا ما يخشى من ظاهرة “التشرميل”.

والمتتبع لظاهرة “التشرميل” يقف على أن اتجاهات هؤلاء الشباب تحقق لهم بعض “المكاسب” التي تندرج ضمن وظائف الاتجاهات، وتيسر لهم التكيف النفسي والرقي الاجتماعي، والاستجابة للحاجيات المادية، التي يعتبرونها تقديرا للذات وإثباتها من قبيل:

– الدفاع عن الذات (الأنا) من أي تهديد وإبعاد الخوف والقلق والشعور بالنقص والدونية.

– التعبير عن شخصياتهم ونموها واحتياجاتها وتحقيق ذلك من خلال اعتناق بعض القيم والأفكار والمعتقدات التي يتمسك بها.

– الوظيفة النفعية التلاؤمية، يعمل شباب “التشرميل” من أجل الحصول على مزيد من المعززات والمكاسب من الوسط المحيط بهم، ويعملون في المقابل على تقليل المزعجات المحتملة. وظيفة هذه الاتجاهات تكون وسيلة للوصول إلى هدف مرغوب فيه ويتلاءم مع تطلعاتهم.

ما هو تفسيركم لأسباب هذه الظاهرة؟ وما مسؤولية مؤسسات التنشئة الاجتماعية فيها؟

للإجابة عن أسباب هذه الظاهرة، ينبغي الوقوف على أبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتهديدات الثقافية الكفيلة باختراق سيكولوجيته في ظل ترهل وانكسار المنظومة التربوية والتعليمية باعتبارها مرتكز التغيير المجتمعي وباعتبارها قاطرة باقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل دور الثقافة ودور الشباب ودور المواطن والمسارح والملاعب الرياضية… إلخ، وباقي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني التي تعنى بإعداد وتكوين وتربية الطفولة والشباب للحفاظ على مقوماته الأساسية، وتشبثه بقيمه الدينية وهويته الجامعة.

فأمام ارتفاع حدة الفقر لدى ما يناهز 10 ملايين مواطن مغربي، وفي ظل الصعوبات الاقتصادية والهشاشة الاجتماعية والإقصاء الاجتماعي، إضافة إلى الطموحات والتطلعات والمشاكل النفسية للشباب عامة، كل هذه المعطيات أفرزت شباب “التشرميل” والتي يمثلها الشباب الأكثر هشاشة والأكثر تضررا من الوضع المجتمعي العام. لذلك يعتمد أسلوب إثبات الذات وتقديرها بكل الوسائل ومن خلال استعراض القوة والشراسة، واستعمال السيوف والأسلحة البيضاء والمخدرات وأصناف من الكلاب المروضة الشرسة، لإبعاد أي تهديد محتمل ولبلوغ المكتسبات المادية بشكل أيسر وأسرع.

أما لجوؤهم إلى التزين بأغلى الساعات اليدوية والألبسة الرياضية باهظة الثمن وبأرقى العطور وإظهار الهواتف الذكية، والدراجات النارية، وتسريح الشعر بطرق مثيرة ولافتة للانتباه، فكل ذلك للتباهي والتميز، وللتعبير عن التسامي والارتقاء والتنفيس اللاشعوري عن أصناف الحرمان المادي والمعنوي والحكرة والقهر المجتمعي.

هذه المؤشرات تثبت بالفعل أن “التشرميل” انتقل من حالات معزولة إلى ظاهرة، تخلخلت معها اتجاهاتهم، وتأكد معهم التعبير والبحث عن تحقيق وظائف الاتجاهات الجديدة.

إن أسباب الظاهرة المتمثلة إجمالا في قلة فرص الشغل وارتفاع نسب البطالة وانتشار ظاهرة التسول في صفوف الشباب وتفشي ظاهرة المخدرات أمام المؤسسات التعليمية والتربوية، وتبدد المآل حتى في الهجرة السرية – بسبب الأزمة الاقتصادية الأوربية – وارتفاع نسبة العود إلى السجن بجنايات أفظع وبعقوبات أطول، والتي أفرزت هذا الوضع الكارثي لشباب تائه، على شكل ظواهر جديدة على المجتمع المغربي، آخرها الظاهرة التي نحن الآن بصددها، كل هذه الأسباب لا تعفي مؤسسات التنشئة الاجتماعية من المسؤولية التي لم تؤد في الوقت المناسب وبالشكل المناسب ومن طرف مسؤولين مناسبين.

وإذا كانت مثيلات ظاهرة “التشرميل” ظهرت في الولايات المتحدة مرتبطة بحرب الفتنام وبالميز العنصري، وظهرت في المكسيك وكولومبيا وجنوب إفريقيا والبرازيل بدافع السيطرة على أسواق ترويج المخدرات، وفي ألمانيا بدافع قومي والحنين إلى الماضي المجيد، وفي إيرلندا وإسبانيا لأهداف سياسية، فإن ظاهرة “التشرميل” لا تعدو أن تكون ردة فعل لشباب محبط ومدمر تجاه نفسه والمجتمع بسبب الوضع الاقتصادي المتردي وانسداد الأفق وقلة فرص الشغل حتى لدى حاملي الشهادات العليا؛ الشيء الذي يشجع على الهذر المدرسي منذ السنوات المبكرة ( 300 ألف تلميذ سنويا).

أضف إلى هذا أن ترتيب المغرب في مؤشرات التمية البشرية (130، سنتين على التوالي)، وأن الشباب المغربي يعتبر من ضمن الشباب الأكثر تعاسة في العالم.

وقد أجريت دراسة من طرف المؤسسة الدولية للشباب ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على 30 بلدا، بدعم من Hilton and World Wide ، فجاءت النتائج كالاتي:

– يعيش الشباب المغربي عدة صعاب تعليمية وتطبيبية وقلة فرص العمل…

– الشعور بالتعاسة وانعدام السعادة. – جاء في المرتبة 20 من بين البلدان الثلاثين.

– حل المغرب في المرتبة 27 من 30 بلدا من حيث رضا شبابه عن التكوين.

– مستاء أيضا إزاء الفرص الاقتصادية أمامه؛ حيث حصل على المرتبة 26 من أصل 30 دولة على مقياس الفرص الاقتصادية التي تشكل أبرز أعمدة السعادة لدى الشباب. فأسباب تشاؤمه يرجع كما أشرنا إلى قلة الفرص المتاحة أمامه للمشاركة في المجتمع باعتباره مواطنا.

يقول الفقيه الفرنسي Mayet حين تريد الأمة حقا أن تقلل من عدد الجرائم فإنها تستطيع ذلك حتما، لذلك كان في كل أمة المجرمون الذين تستحقهم بسبب سوء نظامها).

هل للظاهرة خلفيات اجتماعية واقتصادية فحسب، أم لها خلفيات سياسية أفرزتها؟

على كل باحث متخصص في العلوم الاجتماعية، أن يقنن الظاهرة المدروسة ويكممها ويضبطها بأدوات منهجية ومقاييس واستمارات وإجراءات سيكومترية وسوسيومترية ويضبط متغيراتها الثابتة والتابعة، ليفند فرضياته أو يؤكدها؛ مثل هذه الدراسات المعمقة غير موجودة إلى حد الساعة، أولا لهلامية الظاهرة وحساسيتها، الشيء الذي يصعب معه الحديث بلغة علمية على درجة ارتباط ظاهرة “التشرميل” بالخلفيات السياسية، لأن الأمر يتطلب حساب معامل ارتباط الأبعاد المشكلة للظاهرة فيما بينها (الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي)، مثلما يتطلب دراسة الفروق بين الشباب “المشرمل” حسب السن والمدينة، والحصول على أرقام إحصائية دقيقة ذات مصداقية عالمية لا يستطاع الطعن فيه. إلا أنني أفترض افتراضا علميا وذا دلالة إحصائية أن ثمة خلفيات سياسية لظاهرة “التشرميل”.

مع اندلاع شرارة حركة 20 فبراير ظهر على المواقع الاجتماعية وعلى اليوتوب أشخاص يهددون بالأسلحة البيضاء وفي بعض الأحيان بالأسلحة النارية، يتوعدون خصوم النظام ومعارضيه بالتصفية الجسدية… ألا يمكن أن نقول إن عدم تحمل الدولة للمسؤولية في ردع هؤلاء يمكن أن يكون سببا في تشجيع ولادة ظاهرة التشرميلة الآن؟

مسؤولية الدولة ثابتة في كل الأحوال وبكل المقاييس، لكن لنتفق على أمر أساسي في غاية الأهمية، هو أن كل نظام يفكر في أدوات ووسائل لجعل خصومه السياسيين تحت السيطرة، إلا أن الفظيع في الدول غير الديمقراطية والمستبدة والتي يستشري فيها الفساد هو استباحة كل الوسائل غير النبيلة، ليس فقط لقهر الخصوم باسم الضبط، بل حتى بتوظيف أساليب التصفية الجسدية؛ وما سنوات الرصاص عنا ببعيدة.

والمتتبعون للحراك الجماهيري المعارض للنظام وبالخصوص حركة 20 فبراير، يعلمون جيدا أن عدة أصناف من الناس، بمن فيهم بعض الباعة المتجولين وذوو السوابق وبعض أعوان السلطة، كانت توظف ضد مناضلي الحركة، وحصلت اعتداءات عنيفة غير ما مرة. كما تم توظيف هذه النماذج الآدمية في الحملات الانتخابية والمسيرات التعبوية لبعض الأحزاب ضد أخرى.

لكن ليعلم من يهمهم أمن البلد، وليتأكد كل مدعم ومشجع لمختلف أصناف البلطجية والمشرملين وذوي السوابق وكل ناعق في أبواق الانتهازية السياسيوسة، المحترفون في الالتفاف على مطالب الشعب والحجر عليه وإقصائه من اتخاذ القرار؛ ليعلم كل أولئك ويتذكروا قوله تعالى في محكم تنزيله: ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله. فمن ذا الذي يرضى – إن كان عاقلا – أن يكون صاحب مكر سيئ. نقول لهؤلاء كفى لعبا بالنار. ولا غرابة أن يتم استنساخ “التشرميل” من الدول الرائدة في التعنيف والتقتيل؛ فقد استقدم نظام الأسد -حسب الواشنطن بوسط- عصابات من أمريكا والمكسيك وأرمينيا، لتحارب بجانبه لقهر إرادة الشعب السوري.

فالحل في يد الدولة -أولا وأخيرا- بمختلف مؤسساتها التعليمية والتربوية والتنشئوية والاستباقية والتأهيلية والعقابية وحتى في دعمها لأنشطة جمعيات وهيئات المجتمع المدني.

الأمن هو أحد الأركان الأساسية لأي نظام عادل، وهو إلى جانب العدل الضمانة الأساسية لأي حياة مستقرة، ما هو في نظرك الأفق الذي ينتظر البلاد في ظل فشل النظام في ضمان الأمن للمواطنين بعد فشله في إرساء قواعد العدل؟

يعتبر الأمن والعدل بمثابة سياجين لاستخلاف الإنسان في الأرض، وأي خرق أو تسوس في هذين المرتكزين باعتبارهما حافظين لأحوال العمران البشري والإنساني قبل الأخوي، فهو انهيار للعمران ككل؛ غياب الأمن يعني سيادة الخوف والريبة والتوجس وعدم الاطمئنان وعدم الثقة في الإنسان المستخلف.

أما غياب العدل فيعني الظلم والفساد والاستبداد والترامي على حقوق الغير، وهذه هي الشروط الضرورية لتداعي أركان الحكم.

هذه بشكل عام قواعد لبناء العمران وأخرى لخراب وانهيار الأمم. ولربط العام بالخاص، فلا شك أن فشل النظام المغربي في استتباب الأمن للمواطنين وإرساء قواعد العدل، يعني أن الشعب سيعيش في غياب الاستقرار وفي الاحتقان والاضطرابات؛ وتاريخ الأمم يعلمنا كيف أن غياب الأمن وسيادة الظلم وهيمنة النهب وعدم توزيع ثروات الشعوب ومقدراتها بالعدل يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي والاحتقان السياسي والتذمر الاجتماعي وفي النهاية حدوث انشطار في أطراف البلد ثم الانهيار التام للأمة.