إن قصة يوسف قصة التوحيد بالأساس. توحيد العبادة، أن توحد الله بإحساسك وأفعالك، فقد نؤمن بالحقيقة فكرا لكننا لا نطبقها سلوكا، (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف الآية 106). مؤمنون في الاعتقاد مشركون في التصرفات، حين نعصى الله خوفا من البشر، ونتقاعس إرضاء للناس.

فإذا أردت ما أراده الله سعدت في الدنيا والآخرة، فأنت تريد والله يريد، فإذا سلمت له في ما يريد كفاك ما تريد. الإخوة أرادوا أن يقتلوه والله تعالى أراده أن يكون نبيا، الإخوة أرادوا أن يعزلوه عن أبيه والله تعالى أراد أن يجعله عزيز مصر، امرأة العزيز أرادت أن تسجنه والله تعالى أراد أن يهيئه لتحمل المسؤولية، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الآية 21)، خرج يوسف مرة في موكبه فرأته جارية تعرفه أيام كان عبدا بالقصر فقالت: “سبحان الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، وجعل الملوك عبيدا بمعصيته”.

إن الله قادر أن يجري الأمر على يد من يخالف هذا الأمر، فيوسف أصبح عزيز مصر على يد إخوته الذين كادوا له وأرادوا قتله بالتدبير والتخطيط.

فإرادة الله ترقبه صبيا وهو وحيد في قعر الجب، ثم بعد ذلك وهو شاب يقضي الليالي والأيام دون ذنب وراء القضبان بسبب تهمة ملفقة من محيط المكائد.

إن إرادة الله تتجلى في أسبابه وبراهينه التي تؤيد المحسنين المخلصين، ففي لحظة دقيقة وخطيرة تتدخل الإرادة الالاهية (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) (الآية 24). تشير بعض الروايات أنه كان في غرفة امرأة العزيز صنم وفجأة وقعت عيناها عليه فأحست به ينظر إلى خيانتها بغضب، فقامت وألقت عليه سترا، فاهتز يوسف للمشهد وقال: “تستحين من صنم لا يملك عقلا ولا شعورا فكيف لا أستحي من ربي الخبير بكل شيء؟”

(معاذ الله) (الآية 23) اعتراف بوحدانية الله من الناحية النظرية والعملية، فهو يعلم السر والعلن، الخلوة والاجتماع (إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) (الآية 23). إن تجاوز الحدود ظلم وخيانة.

إن هذا الإحساس إمداد إلاهي مكن يوسف من حسم الصراع داخل نفسه، وهو إشارة للعباد المخلصين الذين لا يمكن أن يتركهم الله عرضة للأهواء (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) (الآية 24)، ويدافع الله عنه بلسان الخصم، (وشهد شاهد من أهلها) (الآية 26).

لقد جعل الله من تمزيق القميص حجة للدفاع والبراءة المؤقتة، فالصراع مستمر والكيد يغلي وامرأة العزيز تخطط للمكر وسط القصر، لا تكترث للعزيز ولا للعرض وتمارس السلطة على يوسف وتسجنه وراء الجدران بدليل قولها (وقالت اخرج عليهن) (الآية 31) بدل “ادخل”، واجتمعت الغواية النسائية على رأي واحد، وكان التخطيط للفضيحة وكان التبرير والتحدي الإبليسي (فذلكن الذي لمتنني فيه) (الآية 32) (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) (الآية 32). وكان الكيد النسائي جماعيا (وإلا تصرف عني كيدهن) (الآية 33)، وفي المقابل كانت العفة والسكينة تغمر قلب يوسف، فأصدر بيانه (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) (الآية 33)، وكان جواب السماء (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) (الآية 34).

إن إرادة الله سايرت مصير يوسف في محطات حياته، لكنه حين التجأ إلى غيره في السجن (قال اذكرني عند ربك) (الآية 42) أي عند الملك، (فأنساه الشيطان ذكر ربه) (الآية 42)، أصبح يوسف منسيا (فلبث في السجن بضع سنين) (الآية 42)، هكذا تفرغ يوسف لبناء شخصيته وتوجيه السجناء وتقديم المساعدات، وتأتي سببية الله مرة أخرى لتغير مصير يوسف ومصير أمة بأكملها، بتفسيره لرؤيا الملك.

إن تفسير يوسف للأحلام موهبة علمية تقابل التقوى من الذنوب ومقاومة الأهواء، إنها نتيجة للبصيرة القلبية، إنها جائزة إلاهية وهبها الله له ولأمثاله لأنه من المحسنين. يذكر أن ابن سيرين مفسر الأحلام كان من المتقين وقد تورع بدوره عن فتنة امرأة له، فرزق هذه الموهبة.

فالتقوى والإحسان وصفة مهمة لمن أراد تفسير الأحلام.

لقد كان يوسف وهو شاب يعيش واقعا يدفعه للتأمل والبحث عن الخلاص، واقع الترف والثروة في بيت العزيز وواقع النخاسين وبيع المماليك والعبيد، فكان التفكير في هم هذه المفارقة، والقضاء على محنة المستضعفين، وكان يترقب الفرصة لتقديم مشروع إنقاذ المجتمع، فتعلم الكثير من الأشياء استعدادا للمسؤولية ولم يبق حبيس الملاحظة للواقع فأخذ بأسباب العلم والتحصيل واشتغل بالتهذيب والبناء كنتيجة للإحسان (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) (الآية 22)، وكانت إرادة الله تهيئ الأسباب لتحمل المسؤولية وتقديم النموذج الأمثل.